منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحكم التكليفي للعمل الخيري التطوعي

0
اشترك في النشرة البريدية

يعتبر العمل التطوعي عمل إنساني حضاري، وسلوك إيماني قويم، يقوم به الإنسان سواء أكان فردا أو مؤسسة قصد جلب المصلحة عن الأمة أو درء المفسدة عنها من أجل تنمية المجتمع والنهوض به نحو الأفضل وذلك كله ابتغاء مرضاة الله تعالى والتقرب إليه، والأصل في العمل التطوعي الندب، ولكن قد يُعرض للعمل التطوعي ما يجعله واجبا كفائياً، وربما يكون واجباً عينياً إن انحصر الواجب الكفائي في فرد أو فئة أو فئات. 

وتكمن أهمية بيان الحكم التكليفي للعمل التطوعي ــ بالإضافة إلى معرفة أنه عبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى ــ في كونه سيكسبُ المتطوِّع سواء كان فرد أو مؤسسة رؤية واضحة لما يقومون به من عمل، واقتناعاً بما يطلب منهم، كما سيدفعهم ـ أيضا ـ إلى بذل ما في وسعهم للرقي بعملهم إلى أعلى مستوى في الإنجاز، وبأفضلَ الوسائل والآليات، طلبا للثواب وخوفاً من الحساب.

تنزيل كتاب: “العمل الخيري التطوعي أصوله وأبعاده المقاصدية”-مصطفى بوهبوه pdf

ومن هذا المنطلق اعتنى علماء الإسلام بالعمل الخيري التطوعي وجعلوه من فروض الكفاية، التي لابد من تحقيقها في المجتمع على يد جماعة من المسلمين. يقول الإمام الشافعي: إن الواجبات الكفائية لا يسع العامة كافة أن يعطلوها، وإذا قام بها من خاصّتهم من فيه الكفاية لم يحرج غيره ممن تركها، إن شاء الله، والفضل فيها لمن قام بها على من عطَّلها، ومثّل لذلك بالجهاد الواجب على مجموع الأمة، لكن الدِّلالة في أنه إذا قام بعض العامّة بالكفاية أخرج المتخلفين عن المأثم”” في قوله تعالى ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾، فوعد الله المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان، وهكذا كل ما كان الفرضُ فيه مقصوداً به قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلَّف عنه من المأْثمِ. ولو ضيّعوه معاً خِفتُ أن لا يخرج واحد منهم مُطيق ُ فيه من المأثم، بل لا أشك، إن شاء الله، لقوله: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ م؛ مثل: الصلاة على الجنازة ودفنها، ورد السلام.. وغير ذلك.

وبذلك يتبن أن الجماعة كلها مطالبة به، ولكنّه بطبيعته في أكثر الأحوال لا يؤديه إلا بعض الجماعة، والحرج يقع على الجميع إذا لم يؤد هذا البعض؛ لأن المقصود أن الخطاب موجه لجميع القادرين على أداء الواجب الكفائي.

المزيد من المشاركات
1 من 44

وفي السياق نفسه يذكر الشاطبي أن طلب الكفاية متوجه على الجميع، لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، وهذا صحيح من جهة كلّي الطلب، وأمّا من جهة جزئية الطلب؛ ففيه تفصيل، ولكن الضابط للجملة من ذلك أن الطلب وارد على البعض ولا على البعض كيف كان، ولكن على من فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموما، والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النصوص الدّالة على ذلك كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.

فورد التحضيض على طائفة لا على الجميع، وقوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.

وفي القرآن الكريم من هذا النحو أشياء كثيرة ورد الطلب فيها نصا على البعض لا على الجميع.

والثاني: ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى. فإنها إنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على كل الناس. وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يطلب بها شرعاً باتفاق من كان أهلاً للقيام بها والغَناء فيها. وكذلك الجهاد، حيث يكون فرض كفاية ـــ إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة. وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية. إذ لا يصح أن يطلب بها من لا يبدئ فيها ولا يعيد؛ فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة. وكلاهما باطل.

والثالث: ما وقع من فتاوى العلماء وما وقع أيضاً في الشريعة من هذا المعنى. فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأبي ذرّ: “يا أبي ذرّ إني أراك ضعيفا وإني أحبُّ لك ما أحب لنفسي لا تأمرنّ على اثنين ولا تولّين مال يتيم” وكلا الأمرين من فروض الكفاية؛ ومع ذلك فقد نهاه عنها. فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذرّ في حرج الإهمال. ولا من كان مثله.

ومن العلماء والباحثين المعاصرين الذين تحدثوا عن العمل الخيري التطوعي وأدرجوه ضمن الفروض الكفائية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

ويضيف الشاطبي قائلا: قد يصح أن يقال أنه واجب على الجميع على وجه من التجوز، لأن القيام بذلك الغرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين عليها، فمن كان قادراً الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها؛ فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر، إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به، وبهذا يرتفع مناط الخلاف، فلا يبقى للمخالفة وجه ظاهر، وقد مثّل الشاطبي بأمثلة لذلك فرأى أن من “ظهر عليه حسن إدراك، وجودة فهم، ووفور حفظ لما يسمع ــــ وإن كان مشاركا في غير ذلك من الأوصاف ــــ ميل به نحو ذلك القصد. وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة، مراعاة لما يرجى فيه من القيام بمصلحة التعليم؛ فطلب بالتعليم وأدب بالآداب المشتركة بجميع العلوم. ولا بد أن يمال منها إلى بعض فيؤخذ به، ويعان عليه؛ ولكن على الترتيب الذي نص عليه ربَّانيو العلماء.. إلى غير ذلك من المهن، وكل بقدر ما تهيئه له قدرته، فالقادر عليه أن يقوم بالعمل بالفعل، وغير القادر عليه أن يمكن القادر، وبذلك يكون تحقق العمل وقد وقع من الجميع في الجملة.

ويقول عبد الوهاب خلاف مؤكداً لما سبق الإشارة إليه: “فهذه الواجبات مطلوب الشارع أن توجد في الأمة أيّا كان من يفعلها، وليس المطلوب للشارع أن يقوم كل فرد معين بفعلها؛ لأن المصلحة تتحقق بوجودها من بعض المكلفين ولا تتوقف على قيام كل مكلف بها”.

فالواجبات الكفائية المطالب بها مجموع أفراد الأمة، بحيث إن الأمة بمجموعها عليها أن تعمل على أن يؤدّى الواجب الكفائي فيها، فالقادر بنفسه وماله على أداء الواجب الكفائي عليه أن يقوم به، وغير القادر على أدائه بنفسه عليه أن يحث القادر ويحمله على القيام به، فإذا أدى الواجب سقط الإثم عنهم جميعا، وإذا أهمل أثموا جميعا أثم القادر لإهماله واجبا قدر على أدائه، وأثم غيره لإهماله حث القادر وحمله على فعل الواجب المقدور له، وهذا مقتضى التضامن في أداء الواجب. فلو رأى جماعة غريقاً يستغيث ومنهم من يحسنون السباحة، ويقدرون على إنقاذه، ومنهم من لا يحسنون السباحة ولا يقدرون على إنقاذه، فالواجب على من يحسنون السباحة أن يبذل بعضهم جهده في إنقاذه، وإذا لم يبادر من تلقاء نفسه إلى القيام بالواجب فعلى الآخرين حثه وحمله على أداء واجبه، فإذا أدى الواجب فلا إثم عليه وإذا لم يؤد الواجب أثموا جميعاً.

فالخطاب في الواجب الكفائي كما يقول عبد اللطيف عامر ــ طبقا لهذا الذي ذهب إليه الإمام الشاطبي ووافق فيه الجمهور الأصوليين ــ متوجه لجميع المكلفين بدليل أنه إذا لم يقم به البعض يأثم الجميع للترك.

فالفروض الكفائية هي واجبات اجتماعية تتسع بسعة الحياة الاجتماعية، تؤديها المجموعة بكيفية تضامنية. إذا قام بها البعض سقط التكليف عن الباقين، لا استخفافا بحقها، وإنما لداع موضوعي هو انتهاء الحاجة إليها ما دام البعض قد قام بها فكفى الآخرين. ولأن في المجتمع تكاليف أخرى تنتظر أن يتفرغ لها أفراد آخرون مؤهلون للقيام بها. وحين تهمل الأمة الفرض الكفائي يأثم الجميع، لأن المسؤولية الجماعية تتجزأ حينئذ فيصير الكل مسؤولا وفق موقعه الاجتماعي، فإذا كان الفرض الكفائي وظيفة علمية أضاعتها الأمة حوسب أصحاب الاستعدادات الفكرية والمؤهلون لها ذهنيا على مستوى مناسب، وحوسب غير المؤهلين علميا على مستوى آخر هو مستوى عدم توفير الشروط الموضوعية، وعدم تهيئة الظروف المناسبة لقيام حركة علمية.   

وبما سبق يتضح أن الواجب الكفائي أو فرض الكفاية هو: ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدى الواجب وسقط الاثم والحرج عن الباقين. وإذا لم يقم به أي فرد من المكلفين أثموا جميعا بإهمال هذا الواجب؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة على الموتى، وبناء المستشفيات، وإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق والطب والصناعات التي يحتاج إليها الناس، والقضاء، والإفتاء، ورد السلام، والشهادة

 أما فيما يخص انقلاب الواجب الكفائي إلى واجب عيني فقد اتفق الأصوليون على أن الواجب الكفائي إذا انحصر في شخص؛ تعين: يعني: تعيّن على هذا الشخص وجود القيام به، فكأنه واجب عيني، فمثلا: إذا تخصص” في كل ميدان من الميادين التي تحتاجها الأمة مجموعة من الناس، فإن خلا ميدان من تلك الميادين أثمت الأمة جميعها لتفريطها في ذلك، وإذا لم يوجد في ناحية من تلك النواحي سوى فرد واحد تعيّن ذلك الفرد للقيام بذلك الفرض أو لذلك الذي تفرد وحده القيام بذلك الفرض، فإذا مرض شخص أو جماعة أو حدث ــ لا قدر الله ــ وباء، ولم يكن يستطيع القيام بالعلاج أو مقاومة الوباء إلا شخص واحد أصبح ذلك الأمر فرض عين بالنسبة له، وكذلك إذا أشرف فرد على الغرق وليس هناك من يستطيع إنقاذه سوى شخص واحد، فإن إنقاذ ذلك المشرف على الغرق أصبح واجبا عينياً على ذلك المستطيع إنقاذه

وبما سبق يتقرر أن الأعمال الخيرية التطوعية تتردد بين المندوب والواجب الكفائي أو العيني. وبذلك تكون الأعمال الخيرية التطوعية إما مندوبة، وإما واجبات كفائية أو عينية؛ فتكون الأعمال التطوعية مندوبة إذا كان طلب الشارع من المكلفين للفعل طلبا غير حتمي مثل: مساعدة الضعفاء، والإحسان إلى الأرامل، والعطف على اليتامى، ومساعدة طلبة العلم.

وتكون الأعمال الخيرية التطوعية واجبات كفائية إذا كان طلب الشارع لمجموعة المكلفين بفعله طلبا حتميا وذلك مثل: تجهيز الموتى، والتقاط اللقطاء ورعايتهم…

وتكون الأعمال الخيرية التطوعية واجبات عينية إذا انحصر الواجب الكفائي في فرد معيّن أو فئة معيّنة أو فئات معيّنة. ففي هذه الحالة يتعين الواجب إما في هذا الشخص؛ كالمفتي الوحيد للبلاد، أو الطبيب بها، وإما فئة معينة؛ كأساتذة الشرع في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعريف الناس بأمور دينهم. والجماعة من الناس حال حدوث حريق وليس ثمة جهة متخصصة بإطفاء الحريق، وانعدمت وسيلة الاتصال بهذه الجهة… 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.