منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة (11-12): “توازن التربية”

سلسلة التدين المريح-مصطفى شقرون

0
اشترك في النشرة البريدية

الحلقة(11): “توازن التربية” (الجزء الأول)

الجنوح إلى ذكر الصالحين وروحانية العارفين.. وقراءة سير العارفين دون التشمير لمسابقتهم بالعمل الدؤوب.. أي عمل اليوم والليل لتحصيل أكبر مجموع من شعب الإيمان البضع والسبعين.. تدين مريح سهل.. ودين غير مكتمل.. حتى إنه قد لا يرقى إلى “التصوف” إذا ما قورن بـ”عمل” أكابر القوم الأول الذين تسموا “صوفية”.. إنما هو قراءة وتمل وتمن بعمل “آخرين” فقط..

ولا نقول بعدم قراءة السير (سير الصالحين المجاهدين) ولا التفرج على بعض الأفلام الجادة للتي توثقها وتتحرى الصدق في توثيقها.. لكن “التأسي” بسير الأنبياء والشهداء والصالحين شعبة واحدة فقط من بين بضع وسبعين شعبة للإيمان التي تصب في الجهاد..

رافد واحد (1) من روافد التربية السبعة والسبعين (77).. وسطها.. معها.. لا وحدها..

وكذلك.. فإن الكلام عن الجهاد غير الجهاد.. فما كل من يتحدث عن واجب تحرير القدس أو عن قيام دولة الإسلام في قطر معين أولا أو عن باقي قضايا المسلمين بلسانه.. سيدافع عنها بيده إذا ما أتيحت الفرصة وحمي الوطيس وتأسست الدول.. لأن الجهاد شأن الرجال.. أي شأن من كملت تربيته.. بشكل متوازن.. روحا وفكرا وحركة..

المزيد من المشاركات
1 من 31

شأن من حول طاقة “غضبه لله” المتئد إلى طاقة بانية رزينة وإعداد طويل المدى ومخطط له.. لا شأن من ساقته “غضبيته النفسية” -التي لم يروضها ذكر كثير ومجالسة من يمشون على الارض هونا والعمل معهم والصيام والتهجد والقيام- إلى خفة ردات فعل متسرعة هادمة..

إن الإسلام ليس روحانيات فضفاضة حالمة مرتاحة.. وإن الإسلام ليس فكرا فقط وحجاجا وبحثا عن “بديل إسلامي” لكل مسألة تطرح، ولا هو سياسة فقط واحتجاجات ومشاركة في مؤسسات الدولة القائمة كيفما كانت فعالية المؤسسات القائمة أو صوريتها ومهما كانت آليات تداول الحكم فيها وجدوى القوانين وحدود وعموم تطبيقها..

إنما الإسلام جمع متكامل.. لا راحة فيه بالاستكانة -المريحة للجسد وللضمير وللجيب- إلى جانب واحد فقط من هذه الجوانب الثلاثة (زهادة أو فكر أو حركة)..

فـ”إن الخلل الذي يحدث في التربية ينتج عنه خلل في التنظيم، ومن ثم فشل الجهاد كله. فعلى قوة الرجال، عمق إيمان ومتانة خلق ودراية وقدرة على الإنجاز، يتوقف نجاح العمل.

يجب ألا تكون السمة الغالبة على جند الله زهادة بدعوى الروحانية، ولا إغراقا في الفكر، ولا تقصيرا ولا إسرافا في الحركة.

كان الإمام علي كرم الله وجهه يخاطب جنده في حروب الفتنة يقول: «يا أشباه الرجال ولا رجال!». ذلك أن عامة جنده كان من مسلمة الفتوح، ما نالوا من التربية نصيبا مما ناله الرجال حق الرجال الذين عرفهم الإمام الخليفة وعاش بينهم وجاهد.

إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاثة مزالق”[1].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

 الحلقة(12): “توازن التربية” (الجزء الثاني).

الدين كاملا.. تفكر وتعبد وجهاد.. روحانية وفكر وحركة..

إذا جنح الواحد منا إلى واحدة من هذه الثلاثة اختلت تربيته..

في القرآن الكريم دعوة إلى الإيمان بالغيب والتفكر في الكون والجدال بالتي هي أحسن لكن مع العمل والحركة ونشدان الحكم بما أنزل الله..

لا يخاطب القرآن حالمين.. إنما يخاطب مؤمنين.. متقين.. على هدى من ربهم.. مفلحين.. سمتهم أنهم في الوقت نفسه:

١. ( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)

٢. (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)

٣. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)

هذا الجمع بين التفكر في الغيب والكون والتعبد والعمل الجهادي.. نقرأه في كل القرآن بدءا بأول سوره..

قال الله تعالى في سورة آل عمران:

(- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ

 – الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ..

– وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

– رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ.

– رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِرَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ. بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ. وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران:190-195)

تدين متكامل.. لا راحة فيه:

١- تفكر بالألباب في آيات الله

٢- وتعبد وتنسك وأعمال قلبية (ذكر وقيام ليل وذكر للغيب والجنة والنار وتصديق بمنادي الإيمان)

٣- وحركة وعمل جهاد (“عمل عامل” منكم.. “هاجروا” و”جاهدوا” و”أوذوا” في سبيل الله.. جماعة -معنى “بعضكم من بعض”-)


[1] – عبد السلام ياسين – المنهاج النبوي. الصفحة: 54-55.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.