منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بطولة -قصة ريفية قصيرة-

قصة حقيقية مستوحاة من الروايات الشفهية لبطولات أهل الريف المغرب

0
اشترك في النشرة البريدية

كان قد مضى من الليل ثلثه، حينما طرق الباب بعنف، طرقات عنيفة متتالية لا يفصل بينها فاصل.

كان الباب من الهشاشة القدر الذي لم يتحمل تلك الطرقات الشديدة، فما لبث أن انفتح على مصراعيه، فظهر البيت حقيرا مظلما، بل كوخا بئيسا، لا يغري بالسرقة أو الدخول أو الإقتحام …

صاح الجنود بلغة أجنبية غريبة لم يفهمها صاحب الكوخ الوضيع، الذي بدا من خلال الظلام الدامس كشبح لا يكاد يرى لولا الضوء الخافت المنبعث من مصباح أحد الجنود.

كرر الجنود الكلمات نفسها، وهذه المرة بنبرة حادة ولهجة شديدة، فهم صاحبنا أنهم يطلبونها، لكنه بقي في حيرة من أمره وشك من مصيبته، بيد أنه لم يدم في حيرته طويلا، فقد كان رفقة الجنود أحد الخونة الذين فضلوا فتات مائدة المحتل على القضية الوطنية وباعوا شرفهم من أجل امتيازات خادعة، كان هذا الخائن يترجم ما يطلبه أسياده الأنجاس: أين هي ؟ أين الفتاة ؟ تكلم … تحدث يا ..  ووكزه بعصاه، فرجع خطوات إلى الوراء لكن لم يسقط.

قال صاحب الكوخ وهو يداري خوفه ويتكلف الهدوء : يبدو أنكم أخطأتم هذه المرة، فعن أي فتاة تتحدثون؟ أنا أعيش هنا رفقة زوجتي وطفلي الصغير فقط، ولا أثر لأي فتاة هنا، وإن كنتم في شك من ذلك، فابحثوا بأنفسكم.

المزيد من المشاركات
1 من 37

دفعه الجنود ثم اقتحموا البيت، فإذا بمصباح أحد الجنود ذي الضوء الخافت يكشف عن امرأة بئيسة تضم بين يديها رضيعا يرسل أنينا حزينا كأنه لم يجد في ثدي أمه ما يغذيه.

بحثوا في كل مكان، ورائحتهم النتنة الممزوجة بنكهة الخمر والتبغ تملأ أرجاء البيت الوضيع، والمرأة البئيسة تختنق في إحدى زوايا البيت والطفل يستمر في الأنين، من ورائهم يقف  رب الأسرة وتحت جلبابه المرقّع يخفي شفرة مسنونة، ينوي أنه متى اقترب أحد الأنجاس من حليلته أو حاول ذلك أفرى أوداجه وقطع منه الوتين، فيموت دونها وإلا يعيش في كرامة، وما العيش إذا ذهبت الكرامة! لحسن الحظ لم يقترب منها أحد، ربما لم تكن تغري بذلك.

كانت عادة الجنود الإسبان أيام احتلالهم لشمال المغرب، إذا ما رصدوا فتاة حسناء في إحدى البيوت، فإنهم ينتظرون حتى قدوم الليل، ثم يقتحمون بيتها ويصطحبونها إلى الثكنة، فينتهكون حرمتها وينهشون جسدها البريئ، وربما فعلوا ذلك في بيتها أمام أبويها أو إخوتها أو حتى زوجها، فكان أهل الريف يتحصنون في الجبال حفاظا على أعراضهم وكانت لهم في ذلك بطولات لا زالت الروايات الشفهية تلهج بها إلى يوم الناس هذا. وكذلك فعل صاحبنا، فإنه ما كاد يسمع طرقات الباب العنيفة حتى طار بابنته وأدخلها الإصطبل، وأخفاها وسط البهائم، وقد وصل الجنود إلى الإصطبل واجتهدوا في الطلب بيد أن مصابيحهم ذات الأضواء الخافتة لم تكشف سوى عن بهائم مرتاعة يموج بعضها في بعض، وقد اضطربت جرّاء هذا الإقتحام العنيف.

فرجعت الذئاب خائبة، تجرّ أذيال الخيبة ولعابها يسيل ورائحتها النتنة تكتسح المكان، ثم انحدرت في الشِّعب، باحثة عن فريسة أخرى قبل مطلع الفجر.

أما صاحب البيت فقد أضاف بطولة أخرى إلى بطولة المغاربة في مواجهة المحتل، ولا عجب في ذلك فإن المغاربة قد رضعوا الكرامة والشجاعة والبطولة مع لبن أمهاتهم.

 

 

 

 

 

قصة حقيقية مستوحاة من الروايات الشفهية لبطولات أهل الريف المغرب

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.