منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ابن حجر … ذلك الأديب

0

تعرّفت على العلّامة ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ من خلال كتابه نخبة الفكر ونزهة النظر وفتح الباري الذي قضى 40 عاما في تأليفه، فحصل عندي أنه بحر في علوم الحديث، ومن مفاخر علم المصطلح العظام، الذين تعجز عن وصفهم الأقلام.

وسرعان ما تقدمت بي سنون الطلب، فإذا بي أكتشف أن ذلك البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر من العلوم وأصناف الفنون، ذلك أنه أخذ من كل فن بنصيب وضرب له فيه بسهم مصيب، حتى كلّ عنه مسابقوه، وكدّ عن لحاقه مسارعوه، فانفرد برئاسة العلم، وتولّى التدريس في كبريات مدارس مصر، وحاز شرف قاضي القضاة، الذي كان يعتبر أعلى منصب يصل إليه العلماء.

ولا غرو في ذلك، فقد قضى نفائس أنفاسه يجمع ما تناثر في كتب غيره، مُبوّبا ومنقحا، ومنظما ومرتبا، يقرن كل شكل إلى شكله، ويردّ كل فرع إلى أصله، يقيد الغرائب بالتقييد، ويهدم سور المعضلات بالتسوير المشيد، فكان حُجّة في الحديث وعلومه، عالما بالفقه وأصوله، عارفا بالأبدال والموافقات، والمعاجم والمشيخات، ذا باع طويل في التراجم والمناقب، والفهارس والعقائد، والتاريخ والزوائد، كان له أكثر من 150 مصنفا، تعالج مواضيع مختلفة وتجيب عن إشكالات متنوعة.

وأصدقك القول أخي القارئ، أن كل هذا لم يفاجئني ولا أخذ حيزا كبيرا من اهتمامي، وإنما الذي أبهرني وأدهشني، وجعلني أعجب به أيما إعجاب، ذلك الحس الأدبي الذي كان يتمتع به، وتلك المعرفة الواسعة بالنثر الفائق والشعر الرائق،  حيث كانت له مؤلفات عجيبة في هذا المضمار، تغنّى فيها بالأدب فأجاد وأفاد، واختطّ لنفسه في ذلك سبيلا حلق به في أجواء الآداب، ومنهجا تفوق فيه على كل من له في الأدب أرب، فصار اسمه في هذا الفن منقوشا، وأضحى أمره فيه مذكورا وشيئا ملموسا.

فكتب تذكرة في هذا الفن تقع في أربعين مجلدا سماها : ( مسامر الساهر ومساهر السامر ) وخطّ رائعة أخرى وسمها بـ : ( قذى العين من نعيب غراب البين ) وله رسالة في علم العَروض، وأخرى في شواهد البديع سمّاها : ( السهل المنيع في شواهد البديع ) وسفر آخر اختار له عنوان : ( المنتخب من كتاب الأدب ) وغيرها من الأسفار الماتعة والرسائل المهمة في مجال الأدب، تضمنت في ثناياها لآلئ مهمة، وزمرّدات نفيسة وجواهر ثمينة، يتلقّفها أصحاب الآداب وذوو النهى والألباب.

المزيد من المشاركات
1 من 17

وله في الشعر قصائد ممتعة، وديوان شعري مخطوط في القاهرة، ويمتاز شعره بحسن الرصافة ومتانة النظم وجودة السبك، حتى كأن توابع الشعراء كلها أجازته ونقثت في لسانه سحرا، وهي تقول : إذهب فإنك شاعر أديب وخطيب لبيب.

ومن شعره في مدح النبي صلى الله عليه وسلم قوله :

إن كنت تنكر حبا زادني كلفــــــــــا       حسبي الذي جرى من مدمعي وكفى

   وإن شككت فسل عن عاذلي شجنى       هل بت أشكو الأسى والبث والأسفــا

   وفتية لحمى المحبوب قد رحلـــــوا       وخلفتني ذنوبي بعدهم خلفـــــــــــــــا

   محمد صفوة الله الذي انكشفت لــــــه       إذ جاء بالحق شمس الكفر وانكشفــــا

 

ومن شعره في التشوق إلى مصر قوله :

مقالات أخرى للكاتب
1 من 8

متى تنجلي يا أفق مصر بأقمــــــاري      وأروي عن اللقيا أحاديث بشّــــــــار

   وأقرأ آي الوصل من صحف أوجــه       مواضع ختم اللثم فيها كأعشـــــــــار

   وأهتز كالنشوان من فرح اللقــــــــــا      بلا منة عندي لكاسات خمـــــــــــــار

   إلى مصر وا شوقا إلى مصر وأهلها      تشوق صب للنوى غير مختـــــــــار

 

 

ومن شعره الغزلي :

فخدّاه تفاحي وعيناه نرجســـــــــي      وعارضاه مسكي وريقته خمـــــــري

  وليلة بتنا والرقيب بمعـــــــــــــزل       ولم أر من ناه يحاول عن أمـــــــري

  وخرّ صريعا لا حراك به فمـــــــا        فما تعففت عن إثم ولم أخل عن وزر

  عفى الله عنّي هل أقول قصيـــــدة         ولا أشتكي فيها من الصد والهجـــــر

 

فلعل هذه الأبيات الرائعة تعطينا صورة مصغرة عن اليد الطولى التي كانت لصاحبنا في مجال الأدب، وتزيح الضباب عما كان يتمتع به من ذوق أدبي رفيع، وتكشف لنا جانبا مهما كان معظمنا يجهله في حياة ابن حجر، فلو لم يكن لصاحبنا إلا إنتاجه الأدبي لكان ذلك شرفا وأيما شرف.

إننا إذا إزاء عالم موسوعي، ضرب بسهم أفلج في كل المجالات، وخاض غمار كل السجالات، فكان بحق منارة علم تشد إليها الرحال، وتضرب لأجلها أكباد الجمال، بيد أن الثناء على صاحبنا يطول، فبنات فكره ما لهن من بعول، فكفى من البحار لؤلؤة ومن الجنان زهرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.