منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحَدُُ أحَدْ عندما تشرق شمس الأحدية على الوجود

اشترك في النشرة البريدية

مَنْ منا لا يتذكر مشهد بلال بن رباح وهو يتعذب بعدما انْكُشِفَ سر إسلامه؟ لقد كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة إلى بطحاء مكة، ويطرحه على ظهره ثم يأمر بالصخرة الكبيرة فيضعها على صدره وبطنه، وقد أشبعه ضربا بسوطه على جسده العاري وهو يقول له: أَرَبُّكَ خير أم اللات والعزى؟
فيجيبه بلال: “أحد، أحد، أحد، أحد…”
ثم يسأله: من الأقوى الآن أنا أم ربك؟
فيجيبه بلال: “أحد، أحد، أحد، أحد…”
ولما ييأس أمية من مراجعته يقول لبلال: ستظل هكذا على هذا الحال حتى تموت او تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى!
فيجيبه بلال: “أحد، أحد، أحد، أحد…”
مشهد تعمد فيه أمية بن خلف أن يحضره معظم عبيد مكة ليكون لهم عبرة ودرسا وهو يقول لهم: “متى كان رب العبيد هو غير رب أسياد العبيد”
في هذه المشاهد المتكررة والمفعمة بالعنف والإرهاب المادي المباشر، اهتدى سيدنا بلال إلى إسم “الأحد” ولجأ بتوفيق الله إلى “مقام الأحدية” وهو مقام الإطلاق الذي ليس بعده مقام، إذ في مقام الأحدية يتجلى الله بنفسه لنفسه، وبذاته لذاته؛ فالأحد هو الاسم الذاتي الجامع لكل الصفات والأسماء من غير تخصيص إسم دون آخر، فالأحدية للذات، والوحدانية للصفات. لله ذرك يا بلال! كيف بلغت هذه الدرجة من المعرفة والتحقق في ظرف وجيز من إسلامك؟ كيف بلغت مقام الأحدية وأنت لم تصل، ولم تصم، ولم تزك، ولم تحج؟ كيف خرجت من ربقة العبودية بأنوار الأحدية؟ كيف عرجت روحك إلى مقام الأحدية لتترك جسدك على الأرض كالجثة التي فقدت الإحساس بعد موتها؟ كيف خرجت من كثافة الوجود المحسوس، وجعلت من عالم الغيب وجودك؟ كيف اكتفيت بكلمة واحدة لتقتحم بها عقبة نفسك، وعقبة الوجود من حولك؟ هل كانت لك يا بلال رسالة تروم تبليغها إلى العالمين من خلال لجوئك إلى مقام الأحدية؟ وهل كنت حقا تشعر بالعذاب وانت في ظيافة الأحد، أم تُراك كنت تتفرج بروحك الباسقة على القوم وهم يتعذبون من حولك؟
لقد بلغت رسالتك لما منحك مقام الأحدية قوة الصمود والثبات، ونزع عنك العبودية، وسخر لك من بعتق رقبتك، ورفع لك ذكرك ومقامك حتى أصبحت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تعرفك الأرض وأهلها فحسب، بل عرفتك الجنة واهلها قبل دخولك لها، وبشرك الحببب المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «يَا بِلَال، بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة؟دخلت البارحة فَسمِعت خشخشة نعليك أَمَامِي».
صحيح أن بلالا قتل أمية بن خلف مرتين، قتله معنويا بصموده وعدم التنازل عن دينه ومبادئه وقناعاته، ثم قتله ماديا يوم بدر في غزوة الفرقان. لكن هل ماتت ذهنية وعقلية أمية بن خلف كلا وألف كلا! بل تطورت هذه الذهنية لا لتستعبد فردا، وتعذب فردا، بل لتعذب وتستعبد أمة الاستجابة بأكملها. لقد استحالت ذهنية أمية بن خلف إلى دول استكبارية ومنظمات سرية وعلنية، وإلى نظم حكم مستبدة، وإلى نخب شربت من العِجْلِ وارتوت كفرا، كلها تكالبت على أمة الإسلام وأخرجتها إلى بطحاء العالم بعدما جَرَّدَتها من كل ثرواتها، وسلبتها سيادتها، وهجَّرت أدمغتها، وشَلَّت إرادتها، ووضعت على صدرها صخرة من التباغض والتناجش والعداوة والتفرقة، ووضعت على عقلها صخرة من الجهل والأمية والخرافة، وعلى بطنها صخرة من الفقر والجوع والفاقة، ثم صرخ المتداعون على الأمة:
✓ من الأقوى إسلامكم أم حداثتنا؟
✓ من الأقوى قرآنكم أم علومنا؟
✓ من الأقوى إرادتكم أم أسلحتنا؟
✓ من الأقوى ربكم أم إله عقلانيتنا؟
ثم يستطرد المتداعون بتهديد الأمة ولسان حالهم يقول: ستظلون هكذا حتى تموتوا أو تكفرون بدينكم وتتبعون ملتنا؟
لا مناص لهذه الأمة الرسالية أمام هذه الذهنية الخَلَفِيَة(نسبة إلى أمية بن خلف)، إلا أن تستعيد روح بلال بن رباح وتنفخها في كل المسلمين لعلهم يهتدون إلى مقام الأحدية فيكون جوابهم على المستكبرين المتداعين: أحد أحد، أحد أحد، أحد أحد…! أحدية تطهرهم من التثاقل إلى الأرض والقبول بالعبودية، أحدية تعيد لهم الكرامة والحرية والعزة وتُصَغِّرُ وتُقَزِّمُ في عيونهم هذا الاستكبار العالمي والمحلي، أحدية ترفعهم إلى الآفاق ليطلوا على موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، هناك حيث الخلافة الراشدة تنتظرهم يعيشونها بيقين تام، كما عاشها بلال العبد الحبشي الذي كان ذات يوم تحت السوط والحجر فأصبح من الفاتحين العظام. حتما ليس دوننا ومستقبل الإسلام وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا السلوك إلى مقام الأحدية والتعلق بالذات الإلهية نستمطر منها القوة والمدد ونحن نقتحم عالم الأسباب نرجو من الله الأحد الصمد بركة الوقت والجهد، نرجو منه سبحانه السداد والكمال والتوفيق، نرجوه سبحانه أن يهيأ لنا من أمرنا رشدا، نرجو أن يحمع شتات قلوبنا وشتات عقولنا، وأن يؤلف بينا، وان يطوي لهذه الأمة مسافة بناء مجتمع العمران الأخوي في الزمان والمكان حتى تَسْعَدَ البشرية برحمة الإسلام وتكسر أصنام هذا العصر في قلوبها لعلها تنكسر في واقعها.
فيا معشر المسلمين لا تكونوا أقل همة وإرادة من هذا الاستكبار الذي أحيى الذهنية الخَلَفِية، وليكن تدافعنا معه بإحياء الهمة والارادة البِلالية من خلال سلوك وعروج مقام الأحدية!
وصدق مولانا محيي الدين ابن عربي الحاتمي قدس الله سره حين قال: “سبحان من أثبت الوجود بوحدانية صفاته، وطمس الوجود بأحدية ذاته”.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. الخزروني يقول

    حفظك سيدي وزادك من فضله حكمة وعلما وسدادا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.