منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين الخلاف والاختلاف

0

مقدمة

خلق الله سبحانه وتعالى الخلق فقدّر وهدى، وكان مما قدرّه الله تعالى أن جعل الإنسان كائنا اجتماعيا بطبعه، يميل بفطرته إلى الاجتماع مع أبناء جنسه، وهذا الميل الطبيعي أفضى إلى نشوء شبكة من العلاقات المختلفة والمتشعبة، بين أفراد توجهاتهم ومصالحهم ونزعاتهم مختلفة ومتناقضة، ونتيجة لذلك كان – لا محالة – اختلافهم وخلافهم، وهذا أمر طبيعي ونتيجة منطقية، فالاختلاف سنة كونية في القضايا الإنسانية، اقتضتها المفاضلة والمغايرة بين الناس. لذلك كان الاعتراف بالاختلاف والإقرار به أمرا لا مفر منه للأسرة البشرية بكافة مستويات وجودها أفرادا وأمما وحضارات،  إذا ما أرادت أن تدرأ عن نفسها خطر الإرهاب، والانغماس في أتون العصبية وفتن الخلاف والجدال والصدام والصراع …

ولعل من أهم ما تعاني منه الأمة اليوم وما عانته قبل اليوم قضية الاختلاف بين أفرادها وطوائفها ومذاهبها ودولها، فقد يستفحل ذلك الاختلاف أحيانا حتى ينتهي إلى الفرقة، وقد تنتهي الفرقة إلى عداء، وقد ينتهي العداء إلى حرب، وكل ذلك يتخذ في الغالب منطلقا له المنطلق الديني، تأويلا لنصوص الوحي، أو استلهاما من مواقف السابقين من الصحابة والعلماء وأصحاب المذاهب.

وإذا لم يكن الاختلاف أمرا مذموما في الدين، بل هو أمر مشروع فيه بأدلة كثيرة من القرآن والسنة، فإن ذلك راجع لما يفضي إليه من مصالح متمثلة بالأخص في التوسعة على الأمة في ممارسة أنشطتها نظرا لاختلاف أحوالها وظروفها وأزمانها، فلو حملت في كل ذلك على الرأي الواحد للحق بها من الشدة والحرج قدر كبير.

ولذلك فإن اختلاف الاختيارات فيما من شأنه أن يقع فيه الاختلاف يثري الآراء والحلول، ويفتح المجال أمام الناس ليختاروا ما يناسب حياتهم في منقلبات أوضاعها الدينية والدنيوية…

المزيد من المشاركات
1 من 68

“وبناء على ذلك فإن من التحديات الكبرى التي تواجهها الأمة في هذه القضية هو تحدي إرشاد الاختلاف الناشب في صفوفها، وذلك بنشر ثقافة للاختلاف واسعة النطاق، تقوم على قواعد منهجية، وآداب علمية، وضوابط أخلاقية تنتهي به إلى آثاره الحميدة من الثراء الإيجابي الذي يلبي حاجات الأمة ويسهم في حل مشاكلها، وتجنبها الآثار السلبية التي تنتهي إلى الخصام وذهاب الريح”(1).

ومن هنا يجدر بنا أن نميز بين الخلاف والاختلاف لغة واصطلاحا، ثم الوقوف على الفوارق بينهما، بغية التمهيد لطريق البحث في السبل المنجية من تبعات السلبي منهما.

المبحث الأول: مفهوم الخلاف والاختلاف.

اختلفت آراء العلماء والباحثين إيزاء مسألة الفرق بين معنى الخلاف والاختلاف. حيث يرى بعضهم أن هناك توافقا وتقاربا لغويا بين هذين المفهومين، يمتد أيضا إلى الجانب الاصطلاحي منه، وكأنهما شيء واحد، بحيث قد يحل كل منهما محل الآخر، وقد يوحيان لمعان متوافقة مع بعضهما البعض، أو لمواقف ورؤى مشتركة.

ولكن هناك من العلماء من يرى أنهما متباعدان في المعنى، حيث يأخذ كل منهما طريقا غير الآخر، ذلك أن آثارهما المترتبة عنهما ليست على مرتبة واحدة، وعليه، لا يكونان مترادفان صنوان.

و سأحاول تقريب هذه المسألة على النحو التالي:

 

  • مفهوم الخلاف

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

أ- لغة:

الخلاف: مصدر مشتق من الفعل الثلاثي المزيد بالألف خالف أي على وزن “فاعل”. والخلاف: مصدر خالف يخالف مخالفة، والجمع أخلاف، والخلاف: المضادة، وتخالف الأمران واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف(2). وفي الحديث: “لما أسلم سعيد بن زيد قال له بعض أهله: إني لأحسبك خالفة بني عدي”(3) أي الكثير الخلاف لهم، وأيضا في الحديث: “لتسّون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم”(4)، يريد أن كلا منهم يصرف وجهه عن الآخر، ويوقع بينهم التباغض.

والخلف بالضم: الاسم من الإخلاف، وهو في المستقبل كالكذب في الماضي. وقال صاحب المصباح المنير: خالفته مخالفة وخلافا، وتخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحد الى خلاف ما ذهب إليه الاَخر.

والخلاف أعم من الضد لأننا نقول مثلا: الأبيض خلاف الأحمر والأسود، ولا نقول ضد الأحمر والأسود، لأن الأبيض ضد الأسود، فيكون الخلاف قد جرى على الاثنين جميعا، والضد على أحدهما فقط.

ب- اصطلاحا:

اختلفت تعريفات أهل الاختصاص لهذا المصطلح، وقد اخترت بعضا منها، ومن ذلك تعريف صاحب تهذيب المسالك بقوله: “تغاير أحكام الفقهاء في مسائل الفروع، سواء كان ذلك على وجه التقابل؛ كأن يقول بعضهم في حكم مسألة بالجواز، ويقول البعض الآخر فيها بالمنع، أو كان على وجه دون ذلك؛ كأن يقول أحدهم: حكم هذه المسألة الوجوب، ويقول غيره: حكمها الندب”(5).

وعرف ابن عقيل الحنبلي الخلاف بقوله: “فحد الخلاف الذهاب إلى أحد النقيضين من كل واحد من الخصمين، وذلك أن كل خبر على نقيضين، موجبة وسالبة. والخلاف أين يذهب أحدها إلى الموجبة، والآخر إلى السالبة، وأصل ذلك من الذهاب في الجهات كذهاب أحدهما يمينا والآخر شمالا. والخلاف في المذهب: أن يذهب أحدهما إلى جهة الإثبات، واللآخر إلى جهة النفي، كقولك: القياس حجة، وقول الآخر : ليس بحجة”(6).

. مفهوم الاختلاف

أ- لغة:

الاختلاف: مصدر مشتق من الفعل الثلاثي المزيد بالهمزة والتاء اختلف أي على وزن “افتعل”، وعلى هذا النحو يقال: اختلف يختلف اختلافا.

وتخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر ، وهو ضد الاتفاق، والاسم الخلف، بضم الخاء(7). واختلف الشيئان: لم يتفقا(8).

فالاختلاف والمخالفة، أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يفضي إلى التنازع، استعير ذلك للمنازعة والمجادلة(9)، قال تعالى: “فاختلف الأحزاب من بينهم”(10)، وقال سبحانه: “ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات”(11).

ب- اصطلاحا:

الاختلاف في الاصطلاح هو: “أن يذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر”(12). أو هو: “منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حق أو لإبطال باطل”(13).

وقد عرف أبي البقاء الكفوي الاختلاف بأنه: “لفظ مشترك بين معان”(14).

ولما كثر الاختلاف من المجتهدين في الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية، بسبب اختلاف مداركهم وأنظارهم، واتسع ذلك في الملة، حتى انتهى الى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وقد كانوا بمكان من حسن الظن بهم، حتى اقتصر على تقليدهم، وظهر من يمنع من تقليد سواهم بحجة ذهاب الاجتهاد وصعوبته، وتشعب العلوم التي هي مواده، فقد جرى الخلاف بين المتمسكين بها، وانعقدت المناضرات فيها بينهم لتصحيح كل منهم مذهب إمامه، فنشأ هذا الصنف من العلم المسمى بالخلافيات(15).

المبحث الثاني:  أوجه الافتراق بين الخلاف والاختلاف

  1. بين الخلاف والاختلاف

لعل الخلاف والاختلاف في اللغة: هو مطلق المغايرة في القول والرأي والموقف والحالة(16). فالخلاف والاختلاف في اللغة ضد الاتفاق، فهما بمعنى واحد، ومادتهما واحدة.

وبإمعان النظر في التعاريف الاصطلاحية المعرفة لكلا المصطلحين وفي غيرها نجد أن جمهور الفقهاء لم يفرقوا بين لفظتي خلاف واختلاف؛ لأن معناهما العام واحد، وإنما وضعت كل واحدة من الكلمتين للدلالة على هذا المعنى العام من جهة اعتبار معين، فأسندوا كلمة اختلاف إلى كافة أطراف الخلاف، أو إلى جملة منه، ومنه قولهم: اختلف الفقهاء في كذا، أو اختلف المالكية والشافعية في كذا.

أما كلمة خلاف فأسندت عندهم إلى طرف واحد من أطراف الخلاف فيقولون: خالف مالك الفقهاء في كذا، أو: خالف الفقهاء المالكية في كذا. إذا كانوا كلهم طرفا في الخلاف. ولا يصح أن يقال اختلف المالكية؛ لأن ذلك لا يدل على أن المالكية طرف في الخلاف، بل يدل على أن الخلاف دائر فيهم وهم أطرافه، وقد جاء هذا المعنى في الكتاب العزيز ومنه قوله تعالى: “وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب”(17).

فلما كان السياق مرتبطا بطرف واحد من أطراف الخلاف عبر بكلمة (أخالف)، لكن حينما يكون السياق مرتبطا بكافة أطراف الخلاف فإنه يعبر حينئذ بكلمة (اختلف) ومنه قوله تعالى: “فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم”(18).

وقد ذكر أبو البقاء الكفوي بعض أوجه الافتراق بين الخلاف والاختلاف حيث قال: “الاختلاف: هو أن يكون الطريق مختلفا والمقصود واحدا، والخلاف: هو أن يكون كلاهما مختلفا، والاختلاف: ما يستند إلى دليل، والخلاف: ما لايستند إلى دليل… ولو حكم القاضي بالخلاف ورفع لغيره يجوز فسخه، بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف: هو ما وقع في محل لا يجوز فيه الاجتهاد، وهو ماكان مخالفا للكتاب والسنة والاجماع”(19). وخلاصة قوله: إنه إذا جرى الخلاف فيما يسوغ سمي اختلافا، وإن جرى فيما لا يسوغ سمي خلافا.

وبذلك يكون الاختلاف من سنن الكون التي تضفي عليه رونقا وجمالا متناسقا وتكاملا يبهج العين ويسعد الروح ، وغالبا ما يكون ايجابيا ، فكل منا يكمل نقص الآخر، أما الخلاف فهو ينسف البناء من أساسه، هو يفضي للتناحر ويضعف الأمة ويجعلها لقمة سائغة ينال منها عدوها ويزيد من تفتيتها …

ومما تجدر الإشارة إليه أن اختلاف الناس في الحق – كما يقول البطليوسي- لا يوجب اختلاف الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والقياسات المركبة عليه، والحق في نفسه واحد(20).

كما أن علم الخلاف هو العلم الذي يبحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة من الأدلة الإجمالية والتفصيلية، الذاهب إلى كل منها طائفة من العلماء(21)، فلا بد لصاحب هذا العلم من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، مثلما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته(22).

(2) مظاهر ودلالات الخلاف والاختلاف

إن الاختلاف ظاهرة لا يمكن غض الطرف عنها باعتبارها مظهرا من مظاهر النزعات الفردية التي ركبت في الإنسان، والتي تفضي إلى وقوع الاختلاف والتفاوت في وجهات النظر.

وقد انتبه لذلك العلامة ابن القيم عندما قال في أعلام الموقعين : “وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت أغراضهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ولكن المذموم بغي بغضهم على بغض وعدوانه”.

وهو اختلاف انتشر في الأمة أفقيا وعموديا في كل الفئات وعلى مختلف المستويات. تعددت أسبابه وتنوعت ألوانه واستعلمت فيه كل الوسائل من تكفير وتفسيق وتبديع وتشويه وتسفيه وما شئت من مصدر على وزن تفعيل. تصديقا لقوله عليه الصلاة والسلام “وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا”(23).

ويقول ابن القيم أيضا: “فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباس، والتحري، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية لأنه إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريقة المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف وإن وقع كان اختلافا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة “(24).

ويقول الحافظ بن رجب أيضا: “ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظن أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورا، وقد لا يكون معذورا بل يكون متبعا لهواه مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض، فإن كثيرا كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن قد يخطئ ويصيب وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرد الهوى والألفة أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله فالواجب على المسلم أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم.

وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول قولا مرجوحا، ويكون فيه مجتهدا مأجورا على اجتهاده فيه، موضوعا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقاتلته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله، ولا انتصر له، ولا والى من يوافقه، ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قصد الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده.

وأما هذا التابع، فقد شاب انتصاره لما يظن أنه الحق، إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأنه لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصده الانتصار للحق، فافهم هذا فإنه مهم عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”(25).

ونشير هنا إلى ملاحظة دقيقة هي: أن الإنسان قد يعتقد في رأي من الآراء أنه  حقيقة واضحة، تصل إلى مستوى البديهيات، لأنه قد قتل الأمر بحثا، وانشد إليه نفسيا، وعاش ضمن محيط قائم على أساس ذلك الرأي، فالمسألة أمامه واضحة جلية لا نقاش فيها، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لغيره.

ثم “إن وضوح الفكرة لدينا لا يعني أن الآخرين ينظرون إليها بنفس الوضوح، فربما كنا نتطلع إليها من خلال الجوانب المضيئة عندنا، بينما يكون عنصر الضوء غير متوفر في الجوانب الأخرى التي يعيش فيها الآخرون، لأنهم لا يملكون ما يهيئ لهم ذلك، تماما كما يكون الصحو في بعض الآفاق مجالا للانطلاق مع إشعاع الشمس، بينما تجعل السحب الدكناء الآفاق الأخرى في ظلام دامس. وقد يبدو هذا طبيعيا عندما نلاحظ اختلاف وجهات النظر في فهم بعض الأشياء العادية في الحياة، كنتيجة طبيعية لاختلاف العادات والظروف والأفكار. ولعل قيمة هذا الاتجاه، في ملاحظة موقعنا تجاه الآخرين، تبرز في إتاحة الفرصة لنا في الانطلاق نحو موضوعية أكثر وفهم أرحب، في سبيل تعرف وجهة النظر الأخرى، من حيث طبيعة الفكرة التي يؤمنون بها من جهة، ومن حيث طبيعة الموقف الذي يتخذونه منا، من جهة أخرى، الأمر الذي يجعلنا أكثر قدرة على الحركة بوعي، وعلى ضوء الأجوبة الصحيحة لما يرد من التساؤلات، ومعالجة القضايا المعروضة في مجالات البحث”(26).

ومن مظاهر الاختلاف، أنه إذا ما أصر إنسان غاب عنه الإنصاف على رأي خاطئ، ورفض قبول الحق والصواب، فإنه هو الخاسر بالدرجة الأولى، وسيدفع ثمن خطئه، وما على المهتدين للحق إلا إرشاده وتوضيح الحقائق له، ثم له بعد ذلك منها ما يريد، فإن استجاب فقد نفع نفسه، وإن أبى فهو المتضرر.

فمن يذهب إلى السوق سالكا طريقا وعرا، مع تبيين الطريق المعبدة والميسرة له، فإن المسؤولية تنتهي عند حدود تبيين الطريق له، والمعالج مهمته أن يقدم العلاج للمريض، لكنه إذا لم يلتزم بالعلاج، فسيدفع الثمن من صحته.

ولا داعي لكي يزعج الإنسان نفسه، ويدخل في معارك العداء مع الآخرين لأنهم لم يقبلوا الرأي الذي يراه حقا. ذلك أن البعض يأخذهم الحماس لمبادئهم وآرائهم بحيث يضغطون على أعصابهم ويتأزمون نفسيا ويتجاوزون الحدود في التعامل مع الناس، وكأن لهم الوصاية والسيطرة على أفكار الآخرين وتوجهاتهم، وهذا خطأ فظيع.

وفي الختام، يجب التأكيد على أن اختلاف الآراء ظاهرة طبيعية في حياة البشر، ولا يصح أن تكون علة للتعادي والتخاصم، بل ينبغي أن تستثمر لصالح تكامل المعرفة، واكتشاف الحقيقة، وإثراء الساحة الثقافية، ولا تعتقد أيها القارئ أن هناك سبيلا لاستبعاد الأفكار وقتلها، فإن ذلك محال، والأفكار لا تموت، وإنما محاربتها ومواجهتها تكون بإبرازها وضحدها بالعلم.

وأفضل خدمة نقدمها للرأي الذي نؤمن به، حسن تعاملنا مع الآخرين، لنقدم بسلوكنا الطيب أنموذجا محترما لما نؤمن به، ولنكون بسيرتنا الصالحة دعاة لآرائنا، أما أسلوب العداوة والتشدد، فهو يسيء إلى التوجه الذي ننتمي إليه أولا، وإلينا ثانيا. فإنه لا بد من إحياء روح التسامح في الأمة، فنتجنب التباغض، ونبث روح الأخوة والمودة بين المسلمين في أنحاء العالم.

ولا بد من التأكيد على أن للاختلاف أسبابا موضوعية مشروعة ووجيهة يجب إبرازها واستثمارها لرأب الصدع وإصلاح ذات البين.

 

المصادر والمراجع:

 

  • د. سلمان فهد العودة، فقه الاختلاف، ص: 6، من إصدارات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الطبعة الثانية، 2009م، 1430هـ .
  • انظر: لسان العرب: ابن منظور،” 4 / 181، 192″.
  • انظر: غريب الحديث، الخطابي.  “2 / 229” وغريب الحديث، ابن الجوزي. “1 /299.”
  • صحيح البخاري، حديث رقم “685”، كتاب الجماعة والامامة، باب تسوية الصفوف عند الاقامة “1/ 153”.
  • انظر دراسة لكتاب تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك، ابي الحجاج يوسف الفندلاوي، الأستاذ أحمد البوشيخي، الجزء 1، ص: 104.
  • انظر: أسباب اختلاف الفقهاء، سالم الثقفي، رسالة ماجستير، ص:19.
  • انظر: المصباح المنير، ص:179.
  • انظر: المعجم الوسيط، 1/251.
  • المفردات في غريب القرآن، للراغي الاصفهاني، ص: 156.
  • مريم: 37.
  • الذاريات: 8.
  • التعريفات، الجرجاني، علي بن محمد، ط الأولى، 1416هـ/ 1996م، ص135.
  • انظر: معجم لغة الفقهاء، ص 198.
  • الكليات، أبو البقاء الكفوي، ص: 60.
  • مقدمة ابن خلدون، ص: 456، طبعة دار الفكر.
  • مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، 1/78.
  • هود: 88.
  • مريم: 36.
  • الكليات، ص:61.
  • الانصاف في التنبيه على المعاني والاسباب التي اوجبت الاختلاف، لابن السيد البطلوسي، ص: 27.
  • مفتاح السعادة، لطاش كبرى زادة، ص: 287.
  • مقدمة ابن خلدون، ص: 257.
  • رواه أبو داود [رقم:4607]، والترمذي [رقم: 266] وقال: حديث حسن صحيح.
  • شمس الدين ابن قيم الجوزية، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 519.
  • ابن رجب، جامع العلوم والحكم، 2 /267.
  • فضل الله السيد محمد حسين، خطوات على طريق الإسلام، ص:357، الطبعة الأولى، 1977م، دار التعارف، بيروت.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.