منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في بيان متعلقات الإرادة العقدية

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة

لقد وصل مبدأ سلطان الإرادة – كما يعبر عنه فقهاء القانون – إلى ذروة مجده ابتداء من القرن السابع عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر، وعلّة ازدهاره في هذه الحقبة من الزمن إنما يعود إلى انتشار المذهب الفردي خلالها الذي يجعل الفرد ويعدّه محور القانون وأساسه، ومن هنا ساد مبدأ سلطان الإرادة.

ولمّا كان العقد هو توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني، فإن معنى ذلك أن الإرادة هي أساس العقد، ونتيجة لذلك كان لابدّ أن تحتل الإرادة الأهمية الأولى في إبرام العقد وتحديد الالتزامات المترتبة عليه، وقد أطلق على ذلك “مبدأ سلطان الإرادة”، أي أنّ للإرادة الهيمنة والسيادة في العقد من حيث إنشائه، ومن حيث ترتيب أثاره.

ويستند مبدأ سلطان الإرادة إلى فكرة أن الإنسان خلق حرا وأن سعادته مرتبطة بحريته، وأن القانون الطبيعي يكفل هذه الحرية ولا يسمح بتقييدها، إلا بإرادة الإنسان أو للضرورة القصوى من أجل الصالح العام([1]). وتأسيسا على هذا المبدأ فإن الإرادة تصبح هي أساس القوة الملزمة في التعاقد، وهي التي تتحكم في تحديد مضمون العقد، والالتزامات التي تقع على عاتق كل من أطرافه، فالالتزامات التعاقدية لا تنشأ إلا إذا كانت الإرادة قد توجهت إلى إنشائها، وفي الحدود وبالقدر التي تتجه إليه تلك الإرادة([2]).

وعليه، فإن مبدأ القوة الملزمة للعقد ناتج عن مبدأ سلطان الإرادة، وهو بذلك من الآثار المترتبة عن التعاقد، فإذا نشأ العقد صحيحا بكل الأركان والشروط الخاصة به نتج عنه التزامات وأصبح من  الواجب تنفيذها، ولا يمكن التنصل منها بالنسبة للأطراف المتعاقدة.

المزيد من المشاركات
1 من 105

المطلب الأول:

 مفهوم الإرادة العقدية

أولا: الإرادة في اللغة:

تطلق الإرادة في اللغة([3]) على عدة معاني منها: المشيئة كما قال الجوهري، و تطلق الإرادة أيضا و يراد بها معنى القصد، قال الله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين﴾([4])،  أي لا يقصدونه و لا يطلبونه.

ثانيا: الإرادة العقدية اصطلاحا:

عند البحث عن مصدر هذا المصطلح المستحدث في القانون والفقه نجد أن أصوله ترجع إلى القرون الوسطى في أوروبا، نتيجة انتشار نظريات اقتصادية وفلسفية وسياسية تقدس الحرية الفردية، و تقر باستقلال إرادة الفرد، و التعريف الذي صاغه رجال القانون للإرادة العقدية و انتشر استعماله من قبل الباحثين المختصين بنظريات العقود، هو أن الإرادة العقدية هي القوة المولدة للعقد، لأن العقد توافق إرادتين على وجه ينتج أثره الشرعي، وهو الالتزام المطلوب للمتعاقدين([5])، كما عرّفت بأنها ظاهرة معنوية تتكون داخل الإنسان لا يعلمها إلا صاحبها  حتى تظهر، و تحدث أثرها في العقد([6])، وقد عبر الفقهاء عن الإرادة بلفظ النية و القصد و منهم من أدخل لفظ الباعث ضمن الألفاظ التي تعبر عن الإرادة .

ومبدأ سلطان الإرادة يقصد به أن للإرادة وحدها القدرة على إنشاء الاتزام وتحديد مضمونه وأثره دون حاجة إلى إجراء أو شكل خاص([7])، أي أن إرادة الأطراف هي الأصلية في إنشاء الالتزامات وتحديد مداها ونطاقها دون تدخل أية جهة أخرى غير ممثلة في العقد.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

وقد عبر المختار بن أحمد عطار في إطار تفسيره لهذا المبدأ على أن الإرادة لها الأثر الفاعل في تكوين العقد وفي ترتيب الآثار بل في جميع العلاقات القانونية حتى وإن لم تأت وفق أوضاع تعاقدية([8]).

وعليه، فاستنادا للتعاريف السالفة الذكر يتضح أن مفهوم الإرادة العقدية يقوم على اعتبارات ذاتية مرتبطة بوجدان الفرد، ومضمرة في نفسه، أساسها الإرادة قبل الإقدام على إبرام تصرفات قانونية لازمت الظهور في الواقع عن طريق اللفظ أو الصيغة، والتي من شأنها أن تحمله التزامات.

المطلب الثاني:

عناصر الإرادة العقدية

تتأسس الإرادة العقدية أو نية إبرام العقد على عنصرين مهمين لا تتحقق الإرادة بمعزل عنهما وهما: الرضا والاختيار و فيهما اختلاف بين الحنفية و جمهور الفقهاء.

مبدأ الرضا  عند الجمهور:

و يقصد به: قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه، و هو مبدأ أقره القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾([9])، و الرضا لا يتحقق إلا إذا كان حرا لا يشوبه ضغط و لا إكراه.

مبدأ الاختيار عند الجمهور:

و يقصد به: القصد إلى الفعل وتفضيله على غيره([10]) .

نلاحظ من خلال تعريف الرضا و الاختيار عند الجمهور أنهما متلازمين لا فرق بينهما، إذ الاختيار هو القصد إلى العبارات المنشئة للعقود بحيث تكون تلك العبارات ترجمة عما في النفس و دليلا على رغباتها و غايتها، فإذا لم تتوفر في العبارة تلك الدلالة لم يكن ثمة اختيار، و لا يكون اختيار بمجرد النطق، و على ذلك لا يتحقق الاختيار مع الهزل كما لا يتحقق مع الإكراه و النسيان و الخطأ، مثال : لو أن شخصا ما قام بالتلفظ بصيغة تدل على القبول أو الإيجاب في عقد معاوضة أو تبرع، و كان مكرها على ذلك العقد أو كان هازلا فهل ينشأ العقد و تترتب عليه أثار؟، والجواب على ذلك عند الجمهور أن العقد باطل لأن قصد النفس و الرغبة كانت بخلاف اللفظ الظاهر([11])، وهذا يؤكد ما قررناه بشأن تلازم الرضا و الاختيار عند الجمهور، كما يقرر القاعدة المشهور العبرة في العقود بالمقاصد و المعاني لا بالألفاظ و المعاني.

الاختيار عند الحنفية:

هو القصد إلى الفعل الذي يستطيعه الشخص، سواء كان ذلك الفعل قولا أم غير قول ، فالاختيار في العقود القصد إلى النطق بالعبارات التي تنشأ بها، ما دام في استطاعته النطق بتلك العبارات ، قاصدا النطق بها متعمدا ذلك و يشمل : القصد إلى معاني العقود  والرضا بأحكامها  و الرغبة في أثرها – قصد النطق بالعبارات المنشئة للعقد غير قاصد لأحكامها  بأن كان هازلا، لأنه قد توافر القصد إلى النطق و بذلك يتحقق الاختيار، كما يشمل النطق بعبارات العقد تحت تأثير الإكراه أو الإرغام ،لأن القصد إلى فعل مستطاع ثابت مع الإرغام، متحقق فيه  وإن كان الرضا غير متحقق، و لا ثابت([12]).

الرضا عند الحنفية:

أما الرضا فهو الارتياح إلى العقد، و الرغبة فيه، فهو لا يتحقق بمجرد القصد إلى العبارات المنشئة للعقد، و الرغبة فيه، بحيث يحس العاقد أن مباشرته للعقد قد أشبعت حاجة في نفسه ، فالرضا إذن لا يقتضي مجرد قصد الاختيار ،و قد عرفه صاحب كشف الأسرار :الرضا امتلاء الاختيار أي بلوغه نهايته، بحيث يفضي أثره إلى الظاهر من ظهور البشاشة في الوجه نحوها…([13])، و خلاصة القول في مذهب أبى حنيفة إن الرضا يتحقق مجردا من الرضا، وان كان الرضا لا يمكن أن يتحقق من غير اختيار، و عليه  فإن الاختيار هو العماد الأول في تكوين العقود عند الحنفية وعقد الهازل و المكره معتبر، لكنه عقد فاسد عندهم ، باطل عند الجمهور، والمعلوم أن الحنفية يفرقون بين الفساد والبطلان في المعاملات دون العبادات، فالعقد الباطل عندهم ما كان خللا  واقعا في الأركان، و الفاسد ما كان خللا واقعا في الشروط المكملة للعقد، و عليه فإنه  يعتبر مكملا من مكملات صحة العقد.

تجدر الإشارة  في هذا العنصر أن قانون الالتزامات و العقود يأخذ بمبدأ الرضائية والتوافق بين الإرادتين في العقود.

المطلب الثالث:

عيوب الإرادة العقدية

وهي الأمور التي تحدث خللا في الإرادة أو تزيل الرضا الكامل في إجراء العقد و تسمى قانونيا عيوب الرضا، و هي أربعة أنواع: الإكراه، والغلط، والتدليس أو التغرير، والغبن مع التغرير، و يختلف تأثيرها على العقد([14]).

ويعرّف الشيخ مصطفى الزرقا عيوب الرضا بأنها : حالات لا يحكم معها بانتفاء الإرادة العقدية الحقيقية، كما لا يحكم معها بسلامة هذه الإرادة من كل شائبة، بل يوجد آفة أصابت إرادة العاقد، ولا يستطاع معها اعتبار رضاه صحيحا كاملا ملزما([15]).

وهذه العيوب إما أن تكون مرافقة لتكوين العقد (ولادة الإرادة )، أو أن تنشأ عيوب الرضا بسبب طارئ بعد تكوين العقد لكنه ذو تأثير في الرضا السابق.

أولا: الإكراه

وهو حمل الغير على أن يفعل مالا يرضاه، و لا يختار مباشرته، لو ترك ونفسه.  وهو أنواع؛ الإكراه الملجئ أو التام: وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة، ولا اختيار، بأن يهدد بالقتل، أو بإتلاف بعض الأعضاء، أو بالضرب الشديد…

– الإكراه الناقص أو غير الملجئ: وهو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو كالضرب اليسير…([16])

والإكراه كما هو مقرر سابقا يبطل العقد عند الجمهور بيعا كان أو إجارة …، سواء كانت العقود قابلة للفسخ أم غير قابلة للفسخ؛ كالزواج و الطلاق و اليمين، لأن الإكراه يزيل الرضا و الرضا أساس التصرفات، عكس الحنفية كما مر.

ثانيا: الغلط

والمراد به هو الغلط الواقع في المعقود عليه في جنسه أو وصفه، كأن يشتري شخص حليا على أنها ذهب أو ماس، ثم يتبين أنها من النحاس أو الزجاج، وحكم هذا العقد أنه باطل من أساسه([17]).

ثالثا: التدليس

وهو إغراء العاقد و خديعته ليقدم على العقد  ظانا منه أنه في مصلحته، الواقع خلاف ذلك. وهو  أنواع ؛ التدليس  الفعلي والقولي،  والتدليس بالكتمان([18]).

رابعا: الغبن مع التغرير

وهو أن يكون أحد العوضين غير معادل للآخر، أو هو إيهام خلاف الواقع بوسائل مغرية، ومنه الغبن الفاحش، و الغبن اليسير المتجاوز عنه لأنه يصعب الاحتراز عنه([19]).

 

المطلب الرابع:

آثار النية الفاسدة على العقود

قبل الحديث عن الإرادة الفاسدة وأثرها على العقود و ما يترتب عنها، لا بد أن نشير إلى أن الإرادة تنقسم إلى قسمين : إرادة ظاهرة، وإرادة باطنة أو حقيقة، فالباطنة محلها النفس و الظاهرة ترجمة للإرادة الباطنة، و قد اختلف الفقهاء في مدى تأثير الإرادة غير المشروعة على العقود بين فريقين؛

فريق الحنفية والشافعية:

الذين غلب على اتجاههم النظرة الموضوعية، أو الإرادة الظاهرة في العقود، لا الإرادة الباطنة بحجة الحفاظ على استقرار المعاملات المالية، إلا إذا تضمنت الصيغة القصد المخالف صراحة، و بناء عليه أقروا بصحة العقود، كبيع  العينة أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا، و بيع العنب لصاحب الخمر، و زواج المحلل بناء على أن ظاهر الإرادة السلامة([20]).

وهناك فريق في المقابل وهم المالكية والحنابلة:

ينظرون إلى القصد والنية والإرادة، فيبطلون التصرف المشتمل على الباعث أو السبب غير المشروع، بشرط أن يعلم الطرف الآخر بالسبب غير المشروع، أو يعلم بذلك بالظروف والقرائن التي تدل على القصد الخبيث، كإهداء العدو الهدية  لقائد الجيش، أو هبة المرأة مهرها لزوجها([21]).

 

خاتمة:

وفقا لقاعدة التي تنص على أن العقد شريعة المتعاقدين، ليس لأي من المتعاقدين أن يغير من بنود العقد المتفق عليه سواء بالزيادة أو النقصان إلا بموافقة الطرف الآخـر وليس بإرادته منفردا، فما تتفق عليه إرادتان لا تنقضه إرادة واحدة. ولهذا أصبح هذا المبدأ بمثابة القاعدة الأساسية في جميع العلاقات التعاقدية، وألزم هذا المبدأ القضاء باحترام الروابط التعاقدية بل ومد يد العون للمساعدة على تحقيق المصلحة للجميع بحسن نية وبأمانة وإخلاص. وأصبحت الروابط العقدية بمثابة القانون للدلالة على حرمتها وقدسيتها وأهميتها ووجوب تنفيذها. إلى جانب القواعد الدينية والمبادئ الخلقية التي ألزمت بالوفاء بالعهود لضمان الثقة والأمان والاستقرار في التعاملات بين أفراد المجتمع.

([1]) د. سليمان مرقص، نظرية العقد، دار النشر للجامعات العربية، القاهرة، 1956م، ص: 52./ وانظر: نعمان محمد خليل جمعة، دروس في المدخل للعلوم القانونية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1918م، ص: 551.

([2]) أحمد حشمت أبو ستيت، نظرية الالتزام في القانون المدني الجديد، مصادر الالتزام، القاهرة 1945م، ص: 10.

([3]) نظرية العقد ﻟﺪﻯ الشيخ مصطفى الزرقا – دراسة فقهية مقارنة -، إعداد الطالب سامي عدنان العجوري، إشراف الدكتور: مازن مصباح صباح، أطروحة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة، 1434هـ/ 2013م، ص: 32.

([4]) القصص، 83.

([5]) الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي، دمشق دار الفكر، ط: 3، 1409هـ/ 1989م، ج: 4، ص: 188.

([6]) الشكلية في إطار التصرفات العقارية بين التشريع و القضاء، الباحثة شيخ سناء، أطروحة دكتوراه، جامعة أبي بكر بلقايد، كلية الحقوق والعلوم السياسية، تلمسان، 2012م، ص: 12.

 

([7]) محمد الربيعي، محاضرات في نظرية العقد، ألقيت على طلبة السداسي الثاني/شعبة القانون، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، السنة الجامعية 2014/ 2013م، ص: 8.

([8]) المختار بن أحمد عطار، النظرية العامة للالتزامات في ضوء القانون المغربي، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، 2018م، ص: 49.

([9]) النساء: 29.

([10]) محمد أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976م، ص: 193.

([11]) نفس المصدر، نفس الصفحة.

([12]) محمد أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، (مصدر سابق)، ص: 192.

([13]) نفس المصدر، نفس الصفحة.

([14]) الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي، (مصدر سابق)، ج: 4، ص: 212.

([15]) المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا،  دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط: 2، 1425هـ / 2004م، ص: 449.

([16]) الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي، (مصدر سابق)، ج: 4، ص: 213.

([17]) نفس المصدر، ص: 216 – 217.

([18]) الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي، (مصدر سابق)، ج: 4، ص: 218.

([19]) نفس المصدر، ص: 219.

([20]) الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي، (مصدر سابق)، ج: 4، ص: 186.

([21]) نفس المصدر، ص: 187.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.