منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوسائط السمعية البصرية وأثرها في تجويد العلاقات البيداغوجية بالمدرسة المغربية

د. عبد الواحد بوعرفاوي

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

 ملخص

ساهمت الاتجاهات الحديثة لتكنولوجيا التعليم في ظهور أساليب جديدة ومتطورة للتعلم، والتي كان لها الأثر الأكبر في إحداث تغيرات وتطورات إيجابية على الطرق التي يتعلم بها المتعلمون وأساليب إيصال المعلومات إليهم، وكذلك على محتوى وشكل المناهج الدراسية المقررة باعتماد الحاسوب والإنترنت والوسائط التفاعلية المتعددة بمختلف أنواعها في عملية التدريس، وبهذا فإن توظيف المستحدثات التكنولوجية في مجال التعليم أصبح ضرورة ملحة، تفرض على النظم التعليمية إعادة النظر في الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها ليكون التركيز على إكساب المتعلمين مجموعة من المهارات التي يحتاجونها في عصر المعلومات.

ونتيجة لهذا شرعت المؤسسات التربوية/التعليمية بمراجعة أهدافها وممارساتها، بل غدت تبحث عن أنجع السبل وأفضل الطرق التي تمكنها من تقديم الخبرات التعليمية، فتم ابتكار أنظمة حديثة لنقل المعارف وعرضها وتداولها والحصول عليها باعتماد تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والوسائط المتعددة. ونظرا لاطلاعنا المتواضع على هذا المجال، وإيمانا منا بأهمية استثمار ما توصلت به الاتجاهات الحديثة لتكنولوجيا التعليم وأدوارها الطلائعية في تجويد مخرجات العملية التعليمية، سنحاول في هذا المقال إثارة الانتباه إلى أهمية اعتماد نتائج ما توصلت به التقنية الحديثة، لما له من فائدة بيداغوجية، قد تخصب النقاش حول سبل تجويد العلاقات البيداغوجية من داخل المدرسة المغربية التي أنيطت بها مهمة تنمية العنصر البشري تثقيفا وتأطيرا وتأهيلا.

الكلمات المفتاحية: الوسائط السمعية البصرية، السياق المدرسي، الجودة، العلاقات البيداغوجية.

المزيد من المشاركات
1 من 37

تقديم

إن التطور الهائل الذي يشهده العالم في مجال وسائل الاتصال وتقنياته المختلفة، يحتم على التعليم أن يكون أكثر المجالات استفادة من هذه الثورة المعلوماتية، وقد أدركت معظم الدول أن شرط مسايرة التطورات السريعة في هذا العصر يكمن في الاهتمام بالمجال التربوي والاستفادة من استثمار التقنيات التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية، خاصة أننا نشهد تزايدا مستمرا في كمية المعلومات الناتجة عن الانفجار المعلوماتي، الشيء الذي جعل الإنسان يبحث عن الوسيلة المناسبة لتخزين هذه المعلومات واسترجاعها بشكل سليم في إطار ما يعرف بالتكنولوجيا المعلوماتية.

وكل هذا دفع المهتمين بالمجال التربوي إلى إعادة النظر في طرائق التعليم باللجوء إلى الاستخدام الهادف والسليم للتقنيات الحديثة، هذه التقنيات التي فرضت علينا ضرورة تغيير الأساليب المعروفة في المنظومة التربوية من خلال البحث في العمق النظري لهذه التقنيات واختيار أكثرها ملائمة للحاجيات التعليمية.

إنها دعوة واضحة إلى الانفتاح على مدى جديد من شأنه إعادة الحيوية إلى مكونات العملية التعليمية التعلمية من خلال تجويد العلاقات البيداغوجية، فلا مناص إذن من تجريب آفاق أخرى واعدة تمدنا بإضافات تعديلية وهادفة لإصلاح ما يمكن إصلاحه في أفق الإصلاح الشامل. ومناسبة هذا الكلام هو السعي إلى الإجابة عن سؤالين: هل يمكن أن تسهم التقنيات الحديثة في تجويد العلاقات البيداغوجية؟ وهل يمكن المراهنة عليها في تحقيق هذا الهدف؟ ولتحقيق إجابة واضحة عن هذين السؤالين، سنحاول التركيز على العلاقة البيداغوجية (مدرس-متعلم) باعتبارها أهم العلاقات التي من خلالها يتم حصول التعلم من عدمه.

مفاهيم

  • الوسائط السمعية البصرية

الوسائط السمعية البصرية مصطلح واسع الانتشار في عالم الحاسوب، ويشير إلى مجموعة تتألف من النصوص والرسوم الثابتة والمتحركة، وما هو سمعي (الأديو) وبصري (الفيديو) ضمن تكنولوجيا واحدة، كالكمبيوتر أو التلفزيون، وتكمن أهمية الوسائط في كونها تتيح عرض المعرفة وتمثيلها بطرق مختلفة.

وهناك من ذهب إلى أن الوسائط السمعية البصرية هي الأداة أو الوسيلة التي يستثمرها المدرس لمساعدة متعلميه على تعلم ما يهمهم في مواقف تعليمية معينة، وهناك من يراها طريقة يمكن بموجبها التحكم بعناية فائقة في الخبرات التعليمية التي يحصل عليها المتعلم (الطوبجي، 1987، ص 261).

وهي أجهزة وأدوات وطرائق مختلفة الاستعمال، يستخدمها المدرس لتحسين عملية التعليم والتعلم، بهدف توضيح المعاني وشرح الأفكار للمتعلمين، وكذا تحسين الموقف التعليمي داخل الصف الدراسي أو خارجه، أو مجموع الخبرات والمواد التعليمية التي تستخدم في المواقف التعليمية المختلفة لنقل محتوى تعليمي أو الوصول إليه.

وسميت بالوسائط السمعية لكونها تعتمد حاسة السمع في وضعية تعليمية معينة، أما الوسائط البصرية فهي تعتمد حاسة البصر كمصدر أساسي للتعليم، والعين هي الحاسة الفعالة أثناء استخدام هذه الوسائط، يستفاد إذن من التسمية التأكيد على ضرورة استخدام أكثر من حاسة في العملية التعليمية التعلمية، مما يتطلب مرافقة الكلمة المنطوقة لعملية مشاهدة الأشياء (ثنائية الصوت والصورة).

ولقد تدرجت نظرة المتخصصين إلى هذه الوسائط، إذ ظهرت تسميات كثيرة، منها ما ارتبط بنظرة علمية دقيقة، ومنها ما استمزجه المنظرون في هذا المجال، ومن هذه التسميات: الوسائل السمعية والبصرية، وسائل الإيضاح، الوسائط التعليمية، الوسائل التعليمية، المعينات في التدريس، وسائل الاتصال…

  • الجودة

كثيرة هي التعاريف التي قدمت لمفهوم الجودة في المجال التربوي؛ كونه مفهوما مركبا، فإذا كان من الممكن وضع مواصفات جودة المنتوجات المادية، وتحديدها بضوابط محددة سلفا، فإنه من الصعب تحديد معاييرها في المنظومة التربوية التعليمية.

فالجودة في التربية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمفهوم الكفايات على اعتبار أن الجودة تحدد درجتها من خلال تقنيات وأساليب القياس والتقييم الموضوعيين للتحقق من مستوياتها الحقيقية والفعلية، لأن عملية القياس وتقييم الإنجازات التي تشكل منتوج التعلم، تحدد لنا مدى نجاعة الوسائل والوسائط والحوامل البيداغوجية والديداكتيكية، بحيث كلّما اقتربت تلك الإنجازات من العتبة المأمولة من الكفايات، كلما توفر لنا الحكم الموضوعي على مدى تحقق الجودة المنشودة (غريب، 2012، ص 129)، وبذلك فالجودة إما أن تكون كلية أو لا تكون، فهي تنفر من التفتيت، وبهذا لا يمكن تحقيقها بأي حال من الأحوال دون خلق نظام تربوي كامل يتوافق فيه المادي والمعنوي.

إن الجودة في التربية تستدعي تطوير سيرورة الفعل التربوي أي تنويع التعليم والتعلم، لإكساب المتعلم قدرات ومهارات والارتقاء به من مستوى تكديس المعارف في ذاكراته إلى تكوين قدرات الدراية savoir وقدرات الإتقان savoir faire وقدرات حسن التواجد savoir être وقدرات حسن التخطيط للمستقبل savoir-devenir وفق استراتيجيات تربوية حديثة.

إنه كلما أثير نقاش حول الجودة في التدريس إلا وجدنا أنفسنا محاطين بأسئلة تحتاج إلى وقفات: ما معايير ضبط الجودة المرتبطة بمخرجات منظومتنا التربوية المغربية وما الإطار المرجعي الذي نتبناه في تحقيق هذا الهدف؟ وما الإجراءات المنهجية لتحقيقها؟ وكيف نحقق الجودة باستثمار الموارد البشرية والمادية؟ وهل معايير الجودة ثابتة أو متغيرة؟ وهل نحن قادرين في مجتمع المعرفة الذي يعرف تحولات متسارعة أن نسوغ معايير للجودة سمتها الشمول والموضوعية والمجتمعية والمرونة والاستمرارية والقابلية للقياس؟ وهل للوسائط السمعية البصرية دور في تجويد عملية التعليم والتعلم؟

  • العلاقات البيداغوجية

يرتكز التدريس كغيره من المجالات على عنصر العلاقات بين مكوناته، والتي تتنوع بتنوع المواقف داخل المؤسسات التعليمية، فيبقى نجاح أي وضعية بيداغوجية رهين بنوع العلاقات البيداغوجية التي تجمع بين المتعلم والمعلم (العقد الديداكتيكي) خدمة للتعليم والتعلم. فكل معلم مطالب بوضع قانون يحكم العلاقات التربوية بمتعلميه في الحقل البيداغوجي.

وتجدر الإشارة إلى أن جودة العلاقات البيداغوجية تعد عاملا حاسما في نجاح مخرجات العملية التعليمية، فالعلاقات الجيدة هي تلك التي يسودها الاحترام والثقة المتبادلين، إلى جانب التشجيع والتحفيز والدعم الاجتماعي ونشر ثقافة الاعتراف بالآخر، والاهتمام بالمشكلات التي تواجه الأفراد في بيئة العمل ومحاولة حلّها بأساليب بناءة، كما تغطي العلاقات البيداغوجية مجموعة من الأبعاد والتي يمكن حصرها في بعدين أساسيين تواصلي وسيكولوجي.

إن دراسة العلاقات البيداغوجية يحتم علينا استحضار مكونات العملية التعليمية التعلمية (متعلم-معرفة-مدرس)؛ وهذه المكونات الثلاثة هي التي تسمى بالمثلث البيداغوجي، وما يجمعها من علاقات تربوية وبيداغوجية وكذا استراتيجيات التعليم والتعلم وما يتصل بهما.

وما دمنا سنقتصر في هذا المقال على العلاقة البيداغوجية (مدرس-متعلم) باعتبارها أهم العلاقات التي من خلالها يتم حصول التعلم من عدمه، فإن المدرس مطالب أكثر من أي وقت مضى أن يمتلك مجموعة من الكفايات الضرورة نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر؛ الكفاية المعرفية والكفاية البيداغوجية، الكفاية السيكولوجية وكذا الكفاية التكنولوجية لما لهذه الأخيرة من إضافات خصوصا ونحن بوقت تعالت الأصوات إلى ضرورة الاستفادة إلى ما توصلت به التقنية الحديثة بمجال التدريس.

1. لماذا الوسائط السمعية البصرية في مجال التدريس؟

ترتكز العملية التعليمية التعلمية على ثلاثة أسس (متعلم- معرفة- مدرس) فنجاح المؤسسات التربوية رهين بتضافر هذه الأركان التي تتفاعل فيما بينها بطريقة تكاملية، ولا شك أن إهمال ركن منها يؤدي إلى ارتباك في العملية التعلمية ككل.

وإلى جانب هذه الأسس يعد إدماج الوسائط السمعية البصرية إضافة أساسية في العملية التعليمية التعلمية، وذلك للأهمية الكبرى التي تكتسيها والدور الهام الذي تقوم به لإنجاح عملية التعليم والتعلم، إذا ما استعملت بالشكل الصحيح، وتعود أهمية برامج الوسائط المتعددة إلى ما تتمتع به من إثارة وتنوع في الوسائط الحاملة للمعلومات.

كما تستعمل هذه الوسائط كدعامة أساسية تساهم في تحسين عملية التعليم والتعلم موجهة بذلك المتعلم نحو التعلم الذاتي، وذلك لما توفره من وسائل إيضاح سمعية وبصرية. وما توفره للمتعلم من حرية اختيار ما يرغب في تعلمه، كما تتجلى هذه الأهمية فيما يأتي:

  • إثراء التعليم: توسيع خبرات المتعلم وتيسير بناء المفاهيم وتخطي حدود المكان، حيث أن هذه الحدود تتضاعف بسبب التطورات التقنية التي جعلت من البيئة المحيطة بالمدرسة تشكل تحديا لأساليب التعليم والتعلم.
  • اقتصادية التعليم في الوقت والجهد والمصادر.
  • شد انتباه المتعلم وإشباع حاجته للتعلم، وإثارة اهتمامه.
  • تساعد في زيادة خبرة المتعلم مما يجعله أكثر استعدادا للتعلم.
  • تساعد في زيادة مشاركة المتعلم الإيجابية في اكتساب الخبرة؛ من خلال تنمية التأمل ودقة الملاحظة واتباع التفكير النقدي للوصول إلى حل المشكلات.
  • إشراك أكثر من حاسة، مما يؤدي إلى ترسيخ وتعميق التعلم.
  • تغيير دور المدرس من مصدر وحيد للمعرفة إلى مجرد مساعد وموجه للوصول إليها.
  • تقليص الفروق الفردية، بارتفاع فهم كل متعلم إلى درجة معقولة، وبدرجة أفضل لو قارنا ذلك بدون استخدام هذه الوسائط.
  • تساهم في تعديل سلوك المتعلمين.
  • إفساح المجال أمام أساليب تعليم متعددة: كالتعليم المبرمج، والتعليم المولّف، مما أتاح للمتعلم فرصة التعلم الذاتي والتغذية الراجعة (خميس، 2003، ص 197).

إن إشراك معظم الحواس لدى المتعلم أثناء التعلم، تجعله يتعلم بشكل أفضل؛ والوسائط بدورها تهدف إلى مخاطبة الحواس بأشكال مختلفة كالصوت والصورة، يواجه من خلالها المتعلم مواقفَ لم يصادفها من قبل، تستوجب عليه تقديم تفسير لها مما ينتج عنه نوع من التعليم يسمى التعليم الذاتي أو الفردي، كل هذا جعل من الوسائط تساهم في تحسين عملية التعلم، وذلك من خلال تغيير أدوار كل من المتعلم والمعلم داخل بيئة تواصلية تثير اهتمام المتعلم وتزيد من رغبته نحو التعلم.

من ثمة، يدعو الاتجاه الحديث في التعلم إلى ضرورة “استخدام العديد من الوسائل في إعداد الدروس وخاصة في التعلم الفردي؛ حتى يساير كل تلميذ تعلمه حسب قدراته واستعداداته، ويختار من الوسائل ما يحقق له التعلم الأفضل الذي يتناسب واستعداداته وميولاته، وعلى المدرس -عند تخطيطه للخبرات التعليمية وإعداده لدروسه- أن يستخدم في تدريسه وسائل تعليمية كالتسجيلات الصوتية أو الصور المكبرة أو اللوحات أو الخرائط وذلك لتحقيق أكبر قدر من المعنى والفهم للطلبة” (عبد الباقي أحمد، 2003، صص 203-204).

ولقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن اكتساب التعلمات يزيد وينقص بحسب استعمال أو إهمال هذه الوسائط، ويكفي أننا نتذكر:

  • من 10 إلى 15% مما نقرأه.
  • من 13 إلى 20% مما نسمعه.
  • من 25 إلى 35% مما نسمعه ونراه.
  • من 50 إلى 75% مما نقوله.
  • من 85 إلى 95 % مما نقوله ونفعله.

وهذا يبين لنا أن وثيرة التعلم تزداد عندما نوظف الوسائط البصرية؛ ليصل مدى التعلم وقوته إلى حدود 75%. أما عندما نركز فقط على الإلقاء وعلى السمع فإن أقصى ما تصل إليه نسبة الإدراك والفهم لا يتعدى 20% في أحسن الأحوال (حليم، 2015، ص 82).

ولعل من المعروف لدى علماء النفس التربويين، أن التعلم يمر بثلاث مراحل؛ بدءا بالانتباه ومرورا بالإدراك وانتهاء بالفهم، فكلما زاد الانتباه زاد الإدراك، وبالتالي يزيد الفهم لدى الطالب، والوسيلة التعليمية تساعد المعلم في أن يكون موقفه التعليمي الذي هو بصدده أكثر إثارة، وأكثر تشويقا، يؤدي إلى زيادة انتباه الطلاب، ويقطع حدة الموقف التعليمي، ويمنع شرود ذهن المتعلم (الفريجات، 2014، ص 124).

إن إدماج المدرس للوسائط السمعية البصرية في التدريس يستهدف فيه عمليات الملاحظة أو المعاينة واكتشاف المجال وحصره، والمقارنة وغير ذلك، “كمنطلق سيكولوجي ينص على أن الفرد يدرك الأشياء التي يراها إدراكا أفضل وأوضح مما لو قرأ عنها أو سمع شخصا يتحدث عنها، ويجب أن يأخذ المدرس في اعتباره أثناء استخدامه لهذه الوسائط أنها مجرد أدوات للتعلم ووسائل لتحقيق أهدافه، وليست غاية في ذاتها” (منصف، 2007، ص 230).

وهذه المعطيات وغيرها كثير جعلت من الصعب علينا، الآن، أن نطبق طريقة تدريس بعينها دون الاستعانة بالوسائل التعليمية باعتبارها دعامة أساسية لجميع طرائق التدريس واستراتيجياته، رغم تعددها وتنوعها، وهو ما أكده العديد من التربويين؛ حيث من خلال استخدام الوسائط المتعددة في التدريس، تم تسهيل عمليتي التعليم والتعلم (الحيلة، 2003، ص 53).

فالتدريس باستخدام هذه الوسائط، يتيح الفرصة للمتعلم لمواجهة قضايا وظواهر ومواقف تعليمية غير مألوفة لديه في الوضعيات التعليمية المختلفة، كما يمكنه من اكتساب المعلومات التي يقدمها الحاسوب في شكل نصوص وأصوات ورسوم وصور بأنواعها ولقطات فيديو، مما يساعد المتعلم على الاستمرارية في عملية التعلم. وقد أثبتت الدراسات السيكولوجية في القرن العشرين والخلاصات النظرية للتربية أن التعلم الحقيقي أو الفعال هو التعلم الذي يتم عن خبرة واحتكاك مباشر بموضوع التعلم. وهذه الوسائط التعليمية تجعل المتعلم في مواجهة مباشرة مع موضوع تعلمه: يلاحظ، يقيس، يجرب، يفكك، يركب (المير، وآخرون، 1996، صص 19-20).

فالهدف إذن من إدماج الوسائط التكنولوجية في العملية التعليمية التعلمية في مراحلها المختلفة من التعلم هو بالأساس تجديد العلاقة البيداغوجية بين المدرس ومتعلميه، يكتسب من خلالها المتعلم مفاهيم ومبادئ وطرق تفكير وعمل وكذا بناء سلوكات ومهارات، كما تعينه على فهم منطق التعامل مع هذه التكنولوجيا وتيسّر انخراطه في المنظومة التكنولوجية الرقمية، كما أن هذا الإدماج يشكل وسيطا تربويا يسهل العملية التعليمية، وليس بديلا عن المدرس، كما يُتصور للبعض.

إن الاستثمار الجيد للوسائط السمعية البصرية في مجال التعليم، ينطوي على إمكانية تحسين نوعية هذا المجال من خلال ما يوفره من طرق تعليمية متنوعة، الأمر الذي يجعل منه أكثر فاعلية، ويجعل المتعلم أكثر تفاعلا مع المادة المقدمة له، وأكثر تحفيزا للتعلم، كما أن الاستفادة من هذا الاستثمار يتوقف على مدى تمكن المدرس من الاستخدام الواعي والناجع لهذه الوسائط، كما تتوقف على خبرته في التعامل معها، تخطيطا وتدبيرا وتقويما.

2. تأثر طرائق التدريس بتكنولوجيا السمعي البصري

تولدت لدى المدرسين، رغبة كبيرة في الاستعمال المتزامن لثنائية الصوت والصورة مسايرة للتطور التكنولوجي الحاصل في جميع المجالات، فبعدما انضافت الآلة المسجلة والتلفاز إلى مجموع الوسائل السمعية البصرية المساعدة، والتي عرفت انتشارا واسعا خلال النصف الأول من القرن العشرين في مجال التصوير والشفافيات والسينما والأسطوانات، والمذياع وغيرها؛ نمى لدى المدرسين وعي بفائدة هذه الوسائل الحديثة، الشيء الذي جعل الطريقة السمعية البصرية تمثل إدماجا ديداكتيكيا حول الدعامة السمعية البصرية، وما يهم اكتسابه هو الكفاية التواصلية في وضعية معينة أو مقام تواصلي محدد، ويعود بنا هذا الجانب إلى المقاربة الوظيفية التي تأخذ المقامات التواصلية بعين الاعتبار وتجعلها دعامة أساسية في اختيار الوسيط التكنولوجي المناسب للتعلم أو تطوير المهارات اللغوية لدى المتعلمين (غريب، 2011، ص 28).

وقد دعا التربويون إلى استخدام طرائق التدريس التي تؤكد نشاط المتعلم وفاعليته ودوره الإيجابي في العملية التعليمية؛ بأن تجعله مفكرا ومنتجا لا مستهلكا فقط، وعليه فإن طرائق التدريس المتبعة تعد من العناصر الأساسية والمهمة في العملية التعليمية، وبذلك تشكل العنصر الأساسي الفعال في العملية التربوية والركيزة التي يعتمد عليها في نجاحها، إذ أنه بقدر ما تكون الطرائق والأساليب مناسبة للموقف التعليمي تتحقق الأهداف التربوية المنشودة وتساهم في حل المشكلات المتعلقة بتنفيذ محتويات المادة الدراسية.

3. أثر الوسائط السمعية البصرية في تجاوز صعوبات التدريس

على الرغم مما تتوفر عليه المؤسسات التعليمية ببلادنا من وسائط تكنولوجية، والتي تخدم العملية التعليمية، إلا أن مجال التعليم في مختلف مراحله لا يستفيد من هذه الوسائط بالشكل المطلوب والكافي، وإن تم استخدامها في بعض الحالات فيبقى بشكل محدود نظرا لما يرافقه من استراتيجيات وما يتطلبه من ضرورة مواكبة التطورات الحاصلة والتغيرات العلمية والتكنولوجية.

ومما لاشك فيه أن الوسائط يمكن أن تساهم في تجاوز صعوبات التدريس بالمؤسسات التعليمية شريطة حسن استخدامها، فالاستخدام الأمثل إلى ما توصلت إليه التقنيات الحديثة من برامج ووسائط في العملية التعليمية التعلمية، بدءا من وسائل العرض لإلقاء الدروس واستخدام والوسائط المتعددة في عمليات التعليم التي تتيح المجال لتفاعل المتعلمين مع المحتوى، يعتبر الرهان الحقيقي أمام المدرس للارتقاء بالعملية التعليمية، كما أنها ضرورة حتمية في مجال التعليم أملتها التكنولوجية الحديثة التي اقتحمت مجموعة من المجالات من بينها مجال التعليم.

وقد أكدت الدراسات والأبحاث التي أجريت لمعرفة أهمية الوسائط السمعية البصرية في مجال التدريس أن الوسائط الحديثة المناسبة التي يمكن أن يستخدمها المدرس أثناء أداء مهامه بالشكل الصحيح، وإبراز أهميتها في تحسين وتطوير وترقية العملية التعليمية التعلمية، يبقى أمرا ضروريا تتطلبه كيفية التخطيط لاستخدامها على نحو فعال كاستراتيجية بيداغوجية.

وبهذا يمكن طرح استخدام الوسائط السمعية البصرية كمقترح مرحلي منطقي لتجاوز التحديات التي يطرحها التدريس بالمدرسة المغربية، شريطة المزاوجة بينها وبين الطرق التقليدية، مع مراعاة حسن اختيارها واستعمالها، وتكوين الأساتذة في هذا المجال، حتى لا يكون استعمالها هدفا في حد ذاته بل أداة مساعدة، لأن كل استعمال لأداة معينة جوانب إيجابية وأخرى سلبية. بل إنها قد تصبح عائقا حاضرا إذا ما بولغ في استعمالها بطرق خاطئة، ونحن بهذا لا نلغي دور الوسائط التكنولوجية، لكن نشترط في هذا الاستعمال التخطيط الجيد اختيارا وتدبيرا.

وما نريد التأكيد عليه، هو تجنب المعيقات التي تحول دون الاستفادة بشكل جيد من توظيف الوسائط السمعية البصرية في التدريس ومن بين هذه المعيقات؛ نجد عنصر التشويش[1]، ويمكن أن نميز في استخدام الوسائط السمعية البصرية في التدريس بين نوعين من التشويش؛ التشويش الميكانيكي أو الآلي والتشويش الدلالي اللفظي (بعزيز، 2014/2015، ص121).

وهذان النوعان منفردان أو مجتمعان، يؤثران سلبا في عملية الاتصال والتواصل البيداغوجي بين المدرس ومتعلميه؛ لذلك فإنه من الضروري استيعاب وإدراك أسبابهما وآثارهما للتغلب عليها، كما يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار هذه المعيقات عندما نناقش إدماج الوسائط في إنجار درس ما، لأنها من الممكن أن تشكل عائقا في هذا الإدماج.

إذن، إنه لمن المهم رصد معيقات استخدام الوسائط السمعية البصرية بالمؤسسات التعليمية ودراستها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولأن تجاوزها مشروط بتعرفها ودراستها، فصحيح أن الإدماج الجيد للوسائط السمعية البصرية يقدم إضافة نوعية في التعليم والتعلم، لكن هذا الإدماج يواجه مجموعة من الصعوبات التي تحتاج إلى تكثيف الجهود بين المهتمين والمتدخلين للكشف عنها وتجاوزها خدمة للعلم والمعرفة.

4. الوسائط السمعية البصرية وتجديد العلاقة البيداغوجية (مدرس-متعلم)

مادامت العلاقة البيداغوجية نتاج مجموع التفاعلات بين مكونات العملية التعليمية التعلمية، فإنه كلّما كان مستوى التفاعل إيجابيا، كانت العلاقة فعلية، والعكس صحيح. من هنا كان لابد من الانفتاح على مدى جديد من شأنه تجديد وتقوية هذه العلاقة.

ومن هنا جاء التفكير في تجريب التدريس بالوسائط التكنولوجية لما توفره من تفاعل بين المتعلم والمدرس، وبين المتعلم والمادة التعليمية، والتفاعل الجماعي بين المتعلمين داخل الفصل، بالإضافة إلى عنصر آخر أساسي لطالما كان غائبا في العملية التعليمية التقليدية؛ وهو خلق جو من التنافس وكذا شد الانتباه، الشيء الذي يجعل المتعلم مشدودا إلى المعرفة وتنويعها واكتسابها بوسائط متنوعة تجعله لا يشعر بالنفور.

فبقدر ما تكون طريقة الاستعمال صحيحة يكون إدراك المتعلم للمعلومات كبيرا، ولذا فإن عرض الأفكار وطريقة التقديم يكون لها أثر بعيد المدى في ذاكرة المتعلم، إذا “أحسن المدرس استخدامها وتحديد الهدف منها وتوضيحه في ذهن الطالب، تؤدي إلى زيادة مشاركته الإيجابية في اكتساب الخبرة وتنمية قدرته على التأمل ودقة الملاحظة واتباع التفكير العلمي للوصول إلى حل المشكلات… كما يمكن عن طريق الوسائل التعليمية تنويع أساليب التعزيز التي تؤدي إلى تثبيت الاستجابات الصحيحة وتأكيد التعلم”، (الطوبجى، 1987، صص 46-47).

ولذلك ورد في قانون كونفوشيوس الفيلسوف الصيني: (قل لي وسوف أنسى، أرني ولعلي أتذكر، أشركني وسوف أفهم)، إن إشراك المتعلم في بناء تعلماته عبر الحوار، والورشات، والأنشطة الجماعية، والفردية؛ كل ذلك يؤدي إلى الرفع من وتيرة التعلم، وديمومة التعلمات في الذاكرة، وحسن الفهم، والثقة في توظيف المكتسبات في السياقات والوضعيات الجديدة (حليم، 2015، ص 82).

وكما هو معروف أن المتعلمين المختلفين يتعلمون بطرق مختلفة؛ بحيث “يختلفون في قدراتهم واستعداداتهم فمنهم من يحقق مستوى عال من التحصيل من الاستماع للشرح النظري للمدرس، ومنهم من يزداد تعلمه عن طريق الخبرات البصرية… ومنهم من يحتاج إلى تنويع الوسائل لتكوين مفاهيم صحيحة وهكذا”، (الطوبجى، 1987، ص47). ويسير الاتجاه الحديث في التعلم إلى استخدام العديد من الوسائط مجتمعة في إعداد وتقديم الدروس، حتى يسير كل متعلم في تعلمه حسب قدراته واستعداداته، ويختار من الوسائط ما يحقق له التعلم الأفضل.

إن النقاش اليوم لم يعد يتمركز حول اكتساب المتعلم للمعرفة ولا حتى الوصول إلى مصادر المعلومة، وإنما كيفية بناء المعرفة، على اعتبار أن المعلومة مطروحة في الطريق على حد تعبير الجاحظ. وإذا كان المدرس يعتقد في الوقت الراهن أن مهمته لازالت تقتضي تقديم المعرفة للمتعلمين فقد آن الأوان لإعادة النظر في اعتقاده، فالرهان المطروح حاليا على المدرس هو كيفية بناء المعرفة التي تتيح للمتعلم فهما للذات وللعالم المتغير باستمرار بهدف اندماج واع وسلس في الحياة ككل. ومادامت مصادر المعرفة متاحة فإن دور المدرس هو خلق علاقات تواصلية من خلالها يتم تيسير السبل للمتعلم لبناء هذه المعرفة.

هذا، وإن من شأن الدور الجديد الذي تلعبه التكنولوجية الحديثة في مجال التعليم، أن يقود إلى إعادة النظر في تجويد العلاقات البيداغوجية من خلال إعادة تحديد الأهداف التربوية، والأخذ بعين الاعتبار تنوع بنيات التعلم، وتدريب وتكوين هيئة التدريس على طرائق استخدام تقنيات التكنولوجية الحديثة، في خلق مشاريع تربوية، تتجاوز حدود المؤسسات التعليمية (أوزي،2017، ص 115).

وأمام هذا الرهان تصبح مساءلة وتجديد العلاقة البيداغوجية الكلاسيكية بين المدرس والمتعلم مطلبا آنيا خصوصا مع ما تعرفه المؤسسات التعليمية من تسارع وتيرة التحولات الاجتماعية والثقافية واتساع الهوة بين الأجيال. وما دامت المؤسسات التعليمية ترتكز كغيرها من المؤسسات على عنصر العلاقات بين مكوناتها، فإن التقنيات الحديثة توفر إمكانيات مهمة ساهمت في إثراء عنصر التواصل؛ بحيث مكّنت المدرس من التواصل مع متعلميه داخل وخارج الفصل الدراسي (التعلم المولّف) وتواصل المتعلمين فيما بينهم أيضا بيسر دون قيود أو إحراج، وهو مؤشر لطالما كان غائبا في الفصول التقليدية.

وما نريد التأكيد عليه هو أنه لا يكفي لنجاح العملية التعليمية أن تستخدم الوسائط السمعية البصرية فحسب، لأن الأمر يتطلب تحديد المشكلة التربوية أولا، ثم اختيار الوسيط أو الوسائط المناسبة، وما يرافقه من معرفة كاملة لظروف التوظيف والاستخدام، فقد أدى فشل بعض المشروعات إلى الاعتقاد بأن استخدام الوسائط نوع من الترف.

ولهذا لابد من وجود مجموعة من الأساسيات والمتطلبات اللازمة لتوظيف الوسائط السمعية البصرية، نذكر منها ما يأتي:

  • تصحيح الفهم الخاطئ لتوظيف الوسائط التكنولوجية داخل وجارج الفصل الدراسي.
  • تشخيص المشكلات التعليمية التي تواجه المتعلمين، والتعرف على حجمها، وأسبابها، ووضع بدائل للتغلب عليها وتجاوزها.
  • توظيف هذه الوسائط يتطلب أن يكون علميا وتدريجيا، وأن يرتبط بمشكلات تعليمية معينة.
  • التجريب قبل التعميم، لأن التفكير في عملية توظيف هذه الوسائط، لابد من الأخذ بعين الاعتبار، أن كل جديد لابد وأن يجرب قبل أن يعمم.

وفي كل الأحوال سواء قام المدرس بإعداد تلك الوسائط السمعية البصرية بنفسه أو قام باختيارها مما هو متوفر في قاعة الوسائط المتعددة، فإنه من المهم تربويا وبيداغوجيا أن تكون هذه الوسائط مناسبة من الناحية الموضوعية كأن تكون معدة لأغراض تربوية الهدف منها تزويد المتعلمين بمعلومات دقيقة، وأن تناسب هذه المعلومات مستوى المتعلمين، وأن يكون موضوعها مرتبطا بالغرض المطلوب تحقيقه.

5. المدرس وتصميم التدريس باستخدام الوسائط السمعية البصرية

تصميم التدريس “عملية منهجية هدفها التخطيط للتدريس ليعمل المدرس بدرجة من الكفاءة والفاعلية لتسهيل التعلم عند التلاميذ، والتصميم حقل من الدراسة والبحث الذي يتخذ في خطوة أخرى، كما أنه حقل من الدراسة والبحث يتعلق بوصف المبادئ النظرية، ويقوم على إجراءات عملية متعلقة بكيفية إعداد المناهج المدرسية والمشاريع التربوية والدروس التعليمية بشكل يحقق الأهداف المرسومة باعتماد التخطيط والتحليل والتنظيم،” (خضير، 2010، ص 125)، وهو “عمل إجرائي يتوخى هندسة الفعل التعلمي ويستمد أسسه من النظريات التعليمية، وفق وسائط سمعية بصرية هادفة وفعالة في بيئة تعليمية” (الهادي، 2011م، ص 93).

وبما أن المتعلم أساس عملية التدريس في البيداغوجيا الحديثة “فللمدرس دور في توفير مجالات الخبرة التي تساعد التلميذ على اكتساب المهارات والخبرات لكي يكون قادرا على مواجهة التحديات والمتغيرات المتواصلة ومتطلبات الحياة وحل مشكلاتها.” (عبد الله العلي، 2005م، ص 55).

ومع دخول الثورة التقنية الحديثة إلى مجال التعليم لم تبق وظيفة المدرس مقتصرة على التلقين بل أصبح متعدد الوظائف، فهو المصمم والمبرمج التربوي الذي يسهر على إدماج الوسائط السمعية البصرية، ونجاحه في مهمته مقترن بقدرته على تصميم مجالات التدريس، واختياره الوسائط المناسبة وإدماجها بشكل جيد في مادته التعليمية.

وفي سياق هذا التغيير يستدعي الأمر إعادة النظر في البرامج والمقررات الدراسية، والتكوين العلمي والمعرفي والبيداغوجي لهيئة التدريس، وإعادة النظر كذلك في تحديد الأدوار والمسؤوليات والأنشطة لجميع الشركاء في عملية التدريس، وبما أن المدرس مشارك في هذه العملية فلابد من تحديد مهامه ونلخصها في الآتي:

 المدرس موجه تربوي:

يقترن هذا البعد بمدى قدرة المدرس على استخدام الوسائط السمعية البصرية من أجل إكساب المتعلمين مهارات محددة، فهو بذلك مساعد ومشرف على الأعمال التي يقومون بها، فيراقبهم تربويا بتسجيل ملاحظاته عن تطور مستواهم، ويحللها ليستفيد منها في تصميمه لمادته الدراسية، وهذا الدور الجديد للمدرس يقتضي منه القيام “بتوفير مناخ فعّال للتعلم وتكييف البنيات المدرسية ووسائل التعليم، لجعلها تخدم أهداف التربية والتكوين. وأن يكون أشبه بقائد الفرقة الموسيقية.” (أوزي،2017، ص 115).

المدرس وسيط تربوي:

يقوم دور المدرس في هذا البعد على إدراكه لبعض مهارات الاتصال الأساسية وخصائصها وكيفية استخدامها، وأن تكون لديه القدرة على كيفية استخدام البرامج الالكترونية والوسائط بأنواعها، وأن يكون مطلعا على مصادر وأدوات الوسائط وقادرا على اختيارها. ولعل هذا الأمر هو ما يفرض على المدرس اكتساب مهارات جديدة، تجعل منه مهندسا بارعا في التعليم والتعلم وأساليبه وفنيا يمتلك أساليب عديدة، لتشخيص تعثرات التلاميذ وسيرورات الاكتساب. وإتقان طرائق استخدام تكنولوجية المعلومات والاتصال، لجعل التلاميذ على اتصال مباشر بالوضعيات التعليمية (أوزي، 2017، ص 115).

المدرس محرك النقاشات الصفية:

بما أن التدريس اتصال جماعي، وبما أن المدرس عضو في هذه العملية، فإنه يساعد متعلميه على نقل أفكارهم المتنوعة بينهم لتقريب وجهات نظرهم المختلفة، ويتولى توجيه المناقشة داخل الصف الدراسي بعد أن ينتقي أفضل الوسائط ويدمجها في مادته الدراسية.

المدرس عضو في الفريق:

إن المدرس الناجح في إدماج الوسائط السمعية البصرية هو من يستثمر كل المعطيات التي تفيده في عملية التدريس بالوسائط، فهو لا يعمل بمفرده بل يدخل في شراكة مع فريق الخدمات الذي له خبرة كافية بهذه الوسائط ليحقق أهداف التدريس بسهولة وإتقان، ويستثمر القاعة متعددة الوسائط فيصبح مسؤولا عنها في حصته الدراسية، ويشرف على متعلميه الذين يستخدمون هذه القاعة في فترات زمنية محددة مسبقا، فهو المنسق بين متعلميه وإدارة المؤسسة المسؤولة عن القاعدة متعددة الوسائط.

وقد تعددت وظائف المدرس المدمج للوسائط السمعية البصري في التدريس في ظل التربية الحديثة، ولذلك فعلى المؤسسات التربوية ببلادنا إجراء التعديلات المناسبة في برامجها وأنظمتها التعليمية، والأهم من ذلك إعادة النظر في دور المدرس وفي وظائفه على ضوء التطورات التكنولوجية الحديثة التي أوجدت للمدرس أدوارا متباينة ومتعددة.

ولا شك أن الأشخاص الذين يقومون بالأنشطة المتصلة بعملية التصميم والأساليب التي يتبعونها في ذلك تغيرت نتيجة ظهور التدريس الذي يتم بإدماج الوسائط السمعية البصرية، ففي النمط التقليدي للتدريس، الذي يعتمد على مدرس الفصل من خلال تصميم التدريس باتباع طريقة خطة الدرس التقليدية؛ حيث يكون فيها هو المصدر الرئيسي لتقديم المحتوى التعليمي.

وتستخدم الوسائط السمعية البصرية أحيانا كدعائم مكمّلة لعملية التدريس، أما اعتماد هذه الوسائط كقاعدة أساسية في عملية التدريس فيقوم به عادة خبير في عملية تطوير التدريس وتشمل تقدير الحاجات وتحليل الدارسين وتحليل المحتوى وأداء المهام المختلفة، وكتابة الأهداف، وعمل الاختبارات التي تصاغ في ضوء معايير محددة، وترتيب تسلسل خطوات التدريس واختيار مصادر المادة المدرسة بطريقة منظمة ومنهجية.

وفي هذا الإطار تغيرت وظيفة المدرس من دورها التقليدي في التلقين إلى وظائف جديدة يحتاج لأدائها إلى خبرات جديدة في إعداده للمحتوى التعليمي باستخدام هذه الوسائط، ولذلك أصبح يشار إلى هذا المدرس برجل التعليم التكنولوجي، الذي يستخدم وسائل التقنية المناسبة خدمة للعملية التعليمية، كما أصبح نجاحه يقاس بقدرته على تصميم بيئة تحقق التعلم ومواقف تعليمية تساعد كل متعلم على اكتساب خبرات تؤهله لمواجهة متطلبات العصر.

على سبيل الختم

يشكل إدماج الوسائط التعليمية في العمل التعليمي بمختلف مواقفه ووضعياته التعليمية التعلمية، عملية صعبة تقتضي فعاليات ديداكتيكية متعددة، كما أن نجاح هذا الإدماج في تأدية وظيفته مرهون بشروط واعتبارات تقنية لابد للمدرس من استحضارها ومهارات بيداغوجية يحسن استثمارها، لأن التحدي الكبير الذي يعترض المدرس في هذه الحالة هو ملاءمة ما هو بيداغوجي لما هو ممكن من الناحية التقنية، فليس كل ما هو ممكن بيداغوجيا يمكن إنجازه تقنيا.

وبهذا يكون السؤال هل نستعمل الوسائط التكنولوجية في الممارسة التعليمية تجديدا للعلاقات البيداغوجية أم لا؟ سؤالا متجاوزا نظريا وعلميا؟ والسؤال الأسلم المطروح الآن هو “كيف” نقوم بهذه العملية على الوجه الأمثل؟ مع مراعات طبيعة التحولات البيداغوجية المرافقة لهذه العملية.

وإذا كنا سنشكك في دور الوسائط التكنولوجية في تجديد العلاقة البيداغوجية (متعلم-مدرس) فيجب أن نبتعد عن ذلك وأن نعتذر لأصحاب هذا الشك، مع تعميق المزيد من الدراسات والأبحاث حول هذا السياق، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تكثيف الجهود بين الممارسين والتقنيين والباحثين خدمة للعلم والمعرفة.


لائحة المصادر والمراجع

  • أوزي، أحمد. (2017). بيداغوجية فعالة ومتجددة -كفايات التعليم والتعلم للقرن الحادي والعشرين-. ط3. منشورات مجلة علوم التربية. مطبعة النجاح الجديدة. المغرب.
  • بعزيز، مريم. (2014/2015). “دور الوسائط السمعية البصرية في التحصيل الدراسي -المستوى الثانوي التأهيلي نموذجا-“، رسالة دكتوراه غير منشورة. جامعة سيدي محمد بن عبد الله. كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس. المغرب.
  • حليم، سعيد. (2015). مدخل إلى علم التدريس. ط1. مطبعة أنفوبرانت. فاس. المغرب.
  • الحيلة، محمد محمود. (2003). طرائق التدريس واستراتيجياته. ط2. دار الكتاب الجامعي. العين. الإمارات العربية المتحدة.
  • خضير، عباس. (2010). التقنيات التربوية، تطورها تصنيفها أنواعها اتجاهاتها. ط1. مكتبة التربية الأساسية. بغداد.
  • خميس، محمد عطية. (2003). منتوجات تكنولوجيا التعليم. دار الحكمة. القاهرة.
  • غريب، عبد الكريم. (2011). طرق وأدوات التدريس والتكوين. ط1. منشورات عالم التربية. مطبعة النجاح الجديدة. المغرب.
  • الطوبجي، حسين حمدي. (1987). وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم. ط8. دار القلم. الكويت.
  • عبد الباقي، أحمد محمد. (2003). المعلم والوسائل التعليمية. ط1. المكتب الجامعي الحديث. الإسكندرية. مصر.
  • عبد الله العلي، أحمد. (2005). التعليم عن بعد ومستقبل التربية في الوطن العربي. ط1. دار الكتاب الحديثة.
  • غريب، عبد الكريم. (2012). تدبير الموارد البشرية منشورات عالم التربية. ط1. مطبعة النجاح الجديدة.
  • الفريجات، غالب عبد المعطي. (2014). مدخل إلى تكنولوجيا التعليم. ط2. دار كنوز المعرفة. عمان.
  • محمد الهادي، محمد. (2011). التعلم الإلكتروني المعاصر، أبعاد تصميم وتطوير برمجياته الإلكترونية. ط1. الدار المصرية اللبنانية.
  • منصف، عبد الحق. (2007). رهانات البيداغوجيا المعاصرة دراسة في قضايا التعلم والثقافة المدرسية. ط1. إفريقيا الشرق.
  • المير، خالد وآخرون. (1996). سلسلة التكوين التربوي. العدد الخامس. ط1. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء.
  1. 1. يقصد بالتشويش تدخل مثير معين يؤدي بالضرورة إلى عرقلة عملية الإرسال، ويشمل كذلك كل ما يؤثر في كفاءة وفاعلية وصول الرسالة بشكل جيد إلى المخاطب وإدراكها إدراكا سليما.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.