منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دردشة بدون مناسبة حول سيد قطب!

دردشة بدون مناسبة حول سيد قطب!/ عبد الهادي المهادي

0
دردشة بدون مناسبة حول سيد قطب !

عبد الهادي المهادي

مشهور أنّ سيد قطب، النّاقد البارع، هو أوّل من كتب يُبشّر بأدبية نجيب محفوظ، ومن ثمّ فإنه هو من اكتشفه، وما كتبه سيّد منشور في مؤلّفه “كتب وشخصيات”، وكلامه هناك من جملة النّقد العالي الذي تميّز به سيد يوم كان أديبا وناقدا قبل التّحول والانتقال إلى التّنظير الفكري.
ولقد خسرنا بهذا التحوّل ناقدا عظيما، ووددتُ لو استطاع سيّد أن يزاوج بين الاشتغالين.
كان يكفينا من كل ما كتبه سيد من غير النّقد تفسيره غير المسبوق المسمى “في ظلال القرآن”، لأنّ كتاباته الفكرية تبع له، ومتضمّنة فيه. ينطبق هذا الحكم على “معالم في الطريق” الذي أخذت بعض فصوله من “الظلال”، كما ينطبق على “العدالة الاجتماعية” و”التصوير الفني في القرآن” وغير ذلك.
سيد عظيم في كلّ شيء؛ في أدبيته كما في نقده كما في فكره كما في مواقفه، والاختلاف الذي يعبّر عنه الجميع مع بعض ما أنتجه الرّجل وقاله، لا ينقص من قيمته ولا ينزله عنها ولو درجة واحدة. ورغم شراسة الهجوم الذي تعرّض له وما يزال من قبل خصومه وأعدائه، ومن ضمنهم “علي جمعة ـ الأزهري، الأصولي، الصوفي ـ الذي لا يكاد يفوّت فرصة دون أن يبدي سخيمة نفسه اتجاهه، فإنّ شجرته لا تزداد إلا شموخا.
أثناء تقييمنا و”حكمنا” على “الفكر الصّدامي” الذي أنتجه سيد يجب أن لا نغفل السياق السياسي الذي كان سائدا يومئذ، ففكره كان في جدل مع واقعه السياسي. الفرق بينه وبين حسن البنا، الذي كان رحيما بواقعه، أنّ الأخير كانت له تجربة تربوية متميّزة تشّربها من رجل “حصافي”، في الوقت الذي قدم فيه سيّد من عالم النّقد المتشنّج فزاده السلوك الاجتماعي والسياسي للعسكر تشنّجا.
من يريد أن يفهم سيّد عليه أن يعود إلى كتاب تلميذه صلاح عبد الفتاح الخالدي الموسوم بـ”سيد قطب: من الميلاد إلى الاستشهاد”، فهو بحق أشمل وأحسن ما كتب عنه.
لماذا أكتب عن سيد اليوم؟ لسبب خاص جدا؛ عدتُ صباح البارحة ـ الأحد ـ لقراءة تفسيره لسورة الكهف، فوجدت نفسي ليلا أسطّر هذه الكلمات، ولاشيء غير ذلك، وقد كنتُ عدتُ ليلة السبت لقراءة مقالة نجيب محفوظ “عبد الوهاب إسماعيل” المنشورة ضمن كتابه “المرايا”، ويقصد به سيّدا.
نجيب محفوظ روائي كبير، وفوزه بجائزة نوبل لآداب مستحق، بغض النظر عمّا قاله وصوّره في “أولاد حارتنا” وبغض النظر أيضا عن حضوره ضمن جوقة المُطبّعين زمن أنور السّادات، ومعلوم أنّ جميع أولئك تمّ مُجازاتهم من قبل دولتهم ومن قبل العديد من المؤسسات الدولية، كلّ في مجاله وتخصّصه.
في مقالته لم يكن نجيب محفوظ أمينا ولا فاضلا، ورغم أنّه من السّهل عليه أن يتبرّأ ويدّعي بأنه لم يكن يقصد سيّدا حين كتب عن “عبد الوهاب إسماعيل”، لأنّه حمى نفسه ولم يصرّح بشيء، ولكن كل المؤشرات، بشكل تفقأ العين، تُشير إلى أنه كان يعنيه. لم يكن أمينا لأنّه حرّف الوقائع، ولم يكن فاضلا لأنّه هاجم رجلا أديبا مفكرا كان في وضعية ضعف بأسلوب فيه الكثير من الحطّ والتّهكّم.
فهو لم يرتح أبدا لسحنته، “رغم أنّني لم ألق منه إلا معاملة كريمة أخوية” كما عبّر، وهو متعصّب دينيا، وقد “ساورني شك من ناحية صدقه وأمانته، فاستقرّ في نفسي ـ رغم صداقتنا ـ نفور دائم منه”، وأنّه غدا مشهورا بسبب انتمائه للإخوان المسلمين، وأنّه متحامل على كل المفاهيم الفكرية المعاصرة، لأنّها مستوردة، وأنّه كان متآمرا على النظام، وأنّه لاقى جزاءه جرّاء ذلك.
يبقى أحسن ما قاله نجيب في سيد ما افتتح به مقالته حين قال: “إنّه اليوم أسطورة، وكالأسطورة تختلف فيه التفاسير”. وإذا كان سيد قد غدا منذ عام 1972 أسطورة، وهي السنة التي أصدر فيها نجيب كتابه “المرايا”، ولم يمرّ سوى ثمان سنوات على إعدامه، فكيف نقول نحن سكان عالم 2024م؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.