منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الموعد الله؛ فماذا بعد؟

اشترك في النشرة البريدية

الموعد الله بكرونا الوباء أو بغيره، تتعدد الأسباب والموت واحد، موعد لا يخلفه العبد مهما طالت أيام إقامته في دار البلاء، فإن الوباء والبلاء مظنة التضرع والرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والحوبة والإنابة، وهذا هو رجاء الحنان المنان منا، حيث قال جل شأنه: ف﴿َلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا[1].

قال القشيري رحمه الله: “يعنى أنهم لما أظلّهم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن”[2].

وأجمل به من رجوع إذا كان سببا في وقوف المرء مع نفسه وقفة محاسبة تفتل في بناء غدها المشرق وفق إضاءات بناءة لعل من أهمها:

  • تصحيح النية وتعظيمها في جميع الأعمال، والأعمال بالنيات، والعلم بأنها المنطلق الصحيح، ومن صحت بدايته أشرقت نهايته.
  • إتباع النية الصالحة عملا متقنا، والإتقان من الإحسان، وقد كتب الله تعالى الإحسان على كل شيء.

وقد برع المغاربة في ردهم حين يسألون الدعاء، فيقولون بعفوية، “الله يعطيك ما تتمناه”، ليجازى المرء بما أضمره في خاصة نفسه.

المزيد من المشاركات
1 من 63
  • التزام الضوابط الشرعية والتقيد بها في دقائق الأمور وعظيمها، وحري بالمؤمن ألا يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه.
  • معرفة قدري وحجمي الحقيقي، قيل له هل عرفتني؟، قال بلى، قال فمن أنا، قال: “أولك نطفة مذرة وآخرة جيفة قدرة، وبين هاته وتلك تحمل في بطنك العذرة”، ومن سفاسف النقصان، ودركات الاندحار، قد تنتشلي العناية الإلهية إلى مصاف الأخيار إن أنا اتبعت سبيل الهدى، وطريق التقى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
  • احترام الآخر وتقبله كما هو، ولا إكراه في الدين، بله الإكراه في سفاسف الأمور، والتطاحن لأجل لا شيء، والاحترام أجمل ما يمكن أن يتركه المرء في قلوب الآخرين، والفقير ليس فقير المال؛ بل فقير الأدب والأخلاق.
  • قبول شرع الله في كليته، وعدم الانتقاء فيه، فطالما أضر التعامل الانتقائي الأديولوجي مع مقتضيات الشرع بأصحاب تلك التوجهات أولا، ثم بالأمة، التي لحقها ضرر كبير جراء السكوت عن زخم كبير مما هو من صميم الشرع، لكنه لا يخدم أجندات معينة، ما يتنافى مع صريح الإيمان الذي يتوافق ويتمظهر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا[3].
  • إحقاق الحق، والاصطفاف مع أهله، ومع المستضعفين، عسى أن ينال المرء ما يريد أن يمن الله به عليهم من إمامة في الدين، ووراثه، فالحنان المنان قال: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[4].
  • التجمل بكريم الخلال، وفاضل الشيم، وتبسمك في وجه أخيك صدقة،والدين كله خلق؛ فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين[5].
  • النظر إلى خلق الله تعالى بتقدير، وحرمة المؤمن عند الله أجل من حرمة الكعبة، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومن آذى ذميا كنت خصمه يوم القيامة.
  • عدم إلزام الآخر فوق طاقته، وكل إناء بما فيه ينضح، ولا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر[6]، والقياس في الباب جائز.
  • المساهمة في الخير، بالفعل والقول، والصمت الإيجابي أحيانا، والصمت باب من أبواب الحكمة[7]. وإذا تمّ العقل نقص الكلام[8].
  • عدم التهافت على ملذات الدنيا الزائفة، ومجاهدة النفس في ذلك، وآخر ما يخرج من قلوب الأولياء حب الرئاسة، قال شداد بن أوس رضي الله عنه يا بغايا العرب يا بغايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية، وقيل لأبي داود السجستاني ما الشهوة الخفية قال حب الرئاسة وحبك الشيء يعمى ويصم[9].

بث روح الفرح والسرور بالله، ونفث معاني الحب والإخوة والتفاؤل، وكان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل الحسن، وفي الصحيح: “قيل يا رسول الله وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم”.

  • الإحجام عن فحش القول ومنكر الفعل، وخدمة عيال الله، وأحب الخلق إلى الله تعالى أنفعهم لعياله.
  • التشديد على النفس والتيسير على الأمة، فالنفس اللعوب أردت من اتبع نزواتها ورزح تحت سلطانها، والأمة في حرج وضيق تحتاج إلى من يبش في وجهها، ويخفف من آهاتها، و﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [10].
  • مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، وأعدى أعدائي نفسي التي بين جنبي، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله.
  • تطهير القلب من الكادورات وقواطع الطريق، والنفاق رأسها، وتتبعه آفات وعاهات الكبر والبطر والتعالي والحسد والازدراء، قال الغزالي ناصحا: “كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حياة باقية أولى وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى قد أفلح من زكاها وإهمالها هو المراد بقوله وقد خاب من دساها”[11].

إنها منارات في الطريق، طالما كان تجاهلها وغيرها سببا في التنافر والتدابر والتباغض والتقاتل، وطالما عكرت صفو علاقاتنا وتصورنا للحياة والوجود، ويكون الإصرار على تجاهل ما تصدح به بعد أن حل البلاء ونزل الوباء ضربا من ضروب الغباء في التعامل مع النذارة التي تسبق قول الحق تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [12]

[1] – سورة الأنعام، الآية 43.

[2] – لطائف الإشارات، تفسير القشيري، عبد الكريم بن عبد الملك القشيري، تحقيق: إبراهيم البسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر، ط 3، 1/472.

 

[3] – سورة الأحزاب، الآية 36.

[4] – سورة القصص، الآية 5.

[5] – مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم،  تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي – بيروت، ط 3، 1416 هـ – 1996م، 2/294.

[6] – أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في باب الوصية بالنساء.

[7] – ميزان الحكمة، ، الريشهري، دار الحديث، 5/435.

[8] – الارتقاء بالذات؛ تأملات، د. سيد محمد شلبي، دار أطلس، مصر، ط1، 2019،ص 222.

[9] – جامع الرسائل، ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، دار العطاء – الرياض، ط 1،  1422هـ – 2001م، 1/233.

[10] – سورة النساء، الآية 28.

[11] – إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي الطوسي، دار المعرفة – بيروت، 3/49.

[12]  – سورة الأنعام، الآية 43.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.