منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القدس والمسجد الأقصى في فكر المسلم “في ضوء مفهوم الشهود الحضاري”

عماد الدين عشماوي

0

القدس والمسجد الأقصى في فكر المسلم “في ضوء مفهوم الشهود الحضاري”

بقلم: عماد الدين عشماوي

 

منذ تقسيم  القدس بعد نكبة عام 1948م، وحتى الاستيلاء عليها كاملة بعد هزيمة حزيران من عام 1967م، وحتى إعلان ترامب القدس عاصمة الاحتلال نهاية العام 2017م، وهي تتخذ مسارات مختلفة غيبتها في عقول وقلوب وحياة غالب المسلمين. وليس بالإمكان، استعادتها إلا من خلال بناء الوعي والتحقق بفهم الشهود الحضاري، الذي ييسر عناصر القوة لتحريرها.

ونعني بالشهود الحضاري: الرؤية الكلية للكون: إلهه وإنسانه وأشيائه المستمدة من القرآن والسنة الصحيحة الثابتة وتطبيقات عصر الراشدين التي أسهمت في بناء حضارة الإسلام، وتقديمه نظاماً اجتماعياً بنى أمة وحضارة، ويقع في قلب هذه الرؤية كون القدس عربية إسلامية.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تحاول أن تحلل وضع القدس والمسجد الأقصى في عقول وقلوب المسلمين، اليوم، وكيف نجعلهم يتحققون بشهودهم الحضاري ليكونوا الجناح الثاني مع إخوانهم في فلسطين لتحريرها من الصهاينة المغتصبين.

وتنقسم الدراسة، إلى تمهيد يبين أين نحن اليوم: في مرحلة إدارة الصراع، أم مرحلة حل الصراع، أم إنهاء الصراع؟ وأربعة مباحث، يناقش الأول مفهوم الشهود الحضاري ودوره في بناء وعي المسلم تجاه القدس والمسجد الأقصى. ويعالج الثاني، آثار غياب مفهوم الشهود الحضاري على وعي المسلم لقضية فلسطين. بينما يحاول الثالث، بيان معالم استراتيجية إسلامية قائمة على الشهود الحضاري لاسترداد القدس. ويقترح الرابع، آليات تلك الاستراتيجية التي تؤدي إلى بناء الوعي الشامل للمسلم بقضية فلسطين. بالإضافة إلى خاتمة الدراسة.

تمهيد: أين نحن اليوم في مرحلة الصراع على القدس؟

القدس، أرض النبوات والبركات، وجامعة الديانات السماوية. وهي مدينة عربية الهوية والمنشأ، إسلامية التاريخ لأكثر من 1400 سنة. وهي، في الاعتقاد الإسلامي، وقف إسلامي لا يجوز التفريط فيه. فهي، أرض القبلة الأولى والإسراء والمعراج، وثالث الحرمين والمساجد التي تشد إليها الرحال، وأرض الرباط والجهاد. بل، إن القدس هي هوية فلسطين، وهي من أعطاها الغالب الأعم من صبغتها وأهميتها، فليست القدس مدينة في وطن هو فلسطين، ولكن فلسطين وطن في مدينة هي القدس”[1].

وتعد الهجمة الصهيونية عليها، هي النسخة الأخيرة من محاولات الاستيلاء عليها من الغزاة عبر تاريخها، وتكوين جيب استيطاني يحقق المطامع الغربية في بلادنا، ويتخلص من يهود أوروبا ودغدغة مشاعر الأصوليين المسيحيين ممن يؤمنون بالألفية السعيدة وعودة المسيح التي لا تتحقق إلا بعودة اليهود إلى فلسطين.

ومنذ وعد بلفور في  نوفمبر ١٩١٧م وحتى اليوم، والقدس تتعرض لهجمة شرسة بهدف تهويدها. وجاء إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس العام 2017م، مرحلة جديدة في تهويد القدس تمهيداً لإعلانها عاصمة أبدية  للكيان الصهيوني كما يحلمون. وما يحدث اليوم من محاولات لإخراج أهلها منها وتهجيرهم هو جزء من تلك المحاولات المستمرة للاستيلاء على القدس وتهويدها، وقد تمت كل تلك المحاولات من خلال استراتيجية محكمة، يمكن تبين أهم ملامحها فيما يلي:

  • أولاً: جوهر الاستراتيجية

استراتيجية تهويد القدس، هي جزء من استراتيجية الكيان الصهيوني لفرض يهودية فلسطين، والإقرار بفكرة وجود وشرعية واستحالة زوال الكيان الصهيوني.فالقدس، هي قلب هذه الاستراتيجية، لأنها صاحبة الدور الرئيسي في الفكرة الصهيونية. وهي، النواة الجاذبة لكل يهودي يحلم بعودة صهيون والعودة إليها، ومن دونها لم يكن للحلم الصهيوني أن يتحقق. والتنازل عن أي جزء منه، يعني التشكيك في شرعية الكيان الصهيوني ويهوديته الخالصة، وهو ما يعني التشكيك في المشروع الصهيوني بأكمله.

  • ثانياً: أسس الاستراتيجية

تقوم الاستراتيجية الصهيونية للاستيلاء على القدس، على الأسس التالية:

1- اختلاق واقع تاريخي، يناسب الرواية الصهيونية للقدس، يلغي الرواية الحقيقية العربية الإسلامية الإنسانية لها، من خلال الادعاء أن القدس مدينة يهودية، فهي أرض إسرائيل وأرض التوراة وعاصمة داوود، وأورشليم التي يحن إليها جميع اليهود في العالم.

2- تفسير الحاضر على أساس هذا الاختلاق السابق، من خلال بناء تصور لما تريد أن يصدقه العالم عنها من خلال عرض خاطئ ومضلل للحقائق، وترويج ذلك بما يجلب له دعم القوى الإمبريالية صاحبة المصلحة في وجوده واستمراره، والمضللين بدعاياته أو المؤمنين بها من معتنقي المسيحية الصهيونية[2].

3- قضية القدس، لا يمكن أن تحل بالتفاوض واسرائيل وأي حلول وسط بشأنها مرفوضة. فالقدس، لا بد أن تظل مدينة موحدة خالصة لليهود دون غيرهم، لا يساكنهم فيها أحد، ولا يجاورهم فيها غيرهم، ضمن دولة يهودية القومية، صهيونية العقيدة.

  • ثالثاً: آليات الاستراتيجية

1- آليات سياسية: التطبيع السياسي والأمني مع الحكومات العربية، والعمل من خلاله على التمهيد للرؤية الصهيونية للقدس، والضغط عليهم للقبول بها والضغط على الفلسطينيين للقبول بها.

2- آليات إعلامية: من خلال الترويج للرؤية الصهيونية للقدس كعاصمة ليهود العالم، والمطابقة بين المدينة المقدسة والهيكل المزعوم، والمطابقة بين نصوص العهد القديم وجغرافية القدس، لبناء  تاريخ مختلق للارتباط التاريخي بين اليهود والقدس. حتى صارت القدس في نظر الصهاينة واليهود المتدينين والمسيحيين الألفيين قلب المشروع الصهيوني وعنوان عودتهم.

3- آليات عملية على الأرض، من خلال  تحويل معماري وديموغرافي وسياسي كثيف متوافق مع الصور والإسقاطات السابقة[3].

  • رابعاً: الاستراتيجية الصهيونية للاستيلاء على القدس اليوم

دخلت استراتيجية الاستيلاء على القدس، في العام الحالي 2021م، مرحلة جديدة وذلك نتيجة لعدة معطيات جديدة، تتمثل في:

1- فشل ثورات الربيع العربي، وعودة الاستبداد كأقوى ما يكون في غالب الدول العربية، في ظل حالة انقسام الفلسطيني متزايدة.

2- أصبحت غالبية الدول العربية، ترى إسرائيل كحليف استراتيجي، خاصة مع وجود نوع جديد من القيادات داخل تلك الأنظمة ترفض رؤية الصراع باعتباره صراع وجود، وترى أن إسرائيل وجدت لتبقى، بل إن بعضها يروج لحقوق يهودية في فلسطين[4].

3- رئاسة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية، حيث انتقلت إدارته من الانحياز لإسرائيل إلى الشراكة الكاملة والتماهي مع المشروع الصهيوني، من خلال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإنهاء عمل الأونروا فيها، وغلق التفاوض حول القدس من خلال ما يسمى ب”صفقة القرن”.

4- استمرار إدارة بايدن في دعم الكيان الصهيوني وضمان أمنه على حساب حقوق أهلنا في فلسطين وهو ما ظهر جلياً في مواقف إداراته من محاولة تهجير أهالي حي الشيخ جراح ودعمه للتدمير الصهيوني لغزة.

ولذلك، تتطلع سلطات الاحتلال في ضوء كل ما سبق إلى إتمام المخطط الاستراتيجي بحلول عام  بالإعلان عن تدشين “القدس الكبرى” عاصمة للشعب اليهودي في العالم[5]. بل إنها تسعى للتخطيط للقدس 2050م، بعد أن إنجاز مشروع “القدس الكبرى” 2020م. وتتمثل أهداف المخطط المقترح، في:

1- تفعيل سياسة طرد السكان العرب من القدس.

2- تفعيل إجراءات استقدام السكان اليهود إليها.

3- تعديل الحدود البلدية للقدس كي تتطابق مع مسار الجدار العازل-هذا فضلاً عن استكمال أساليب الحصار والترحيل والمصادرات، ومحاولة هدم المسجد الاقصى بالحفريات وبناء المستوطنات اليهودية في القدس[6].

أين نحن اليوم في مرحلة الصراع على القدس

القدس، اليوم، في مأزق عميق وشامل، وتواجه مصيراً يشبه مصيرها عندما وقعت في أيدي الصليبيين. والأمة، اليوم، في مرحلة وهن شديد، بسبب تخاذل حكوماتها عن حماية مقدساتها وتعاونها مع عدوها الصهيوني. كما أن حل مسألتها -حتى بالشكل الذي ارتضاه القانون الدولي، أو حتى ما وقع عليه الصهاينة مع السلطة الفلسطينية-، لم يعد قائماً في ظل سعي الأمريكان لتمكين الصهاينة من القدس. واتسام المواقف الدولية تجاه ممارسات إسرائيل في القدس بالتناقض الواضح، وعدم وجود أي ضغوط حقيقية على إسرائيل لإجبارها على تنفيذ تلك القرارات.

فالواقع المرير، يقول إن الأمة، اليوم، ليست في مرحلة إنهاء الصراع، ولا مرحلة حل الصراع، لكننا نعيش مرحلة إدارة الصراع. ذلك أن إنهاء الصراع يعني عودة القدس وكل فلسطين للسيادة العربية، أو ضياعها تماماً، وهو ما لم يحدث بعد بسبب صمود الفلسطينيين والمقدسيين في مقدمتهم. وما زالت القدس عربية إسلامية، رغم كل محاولات التهويد، ولكنها بحاجة إلى منهج للتحرير،  وهو ما يمكن أن يحققه مفهوم الشهود الحضاري.

المبحث الأول:مفهوم الشهود الحضاري ودوره في بناء وعي المسلم تجاه القدس والمسجد الأقصى

لعب مفهوم الشهود الحضاري، دوراً رئيسياً في بناء وعي الإنسان المسلم بمهامه في هذا الكون، ويمكن أن يكون للمفهوم، دوره الكبير في بناء وعي المسلم تجاه القدس والمسجد الأقصى اليوم، إن استطعنا إعادة بنائه على قواعده القرآنية السليمة.

وفي هذا المبحث، نقدم نبذة مختصرة، عن المقصود بالشهود الحضاري، وأهم عناصر المفهوم، ودوره في تاريخ الأمة والعالم، وفي تحرير القدس من أيدي الصليبيين، وعلاقة إعادة بناء مفهوم الشهود الحضاري بتحرير القدس من أيدي الصهاينة اليوم.

  • مفهوم الشهود الحضاري:

الشهود الحضاري، هو الرؤية الكلية للكون: إلهه وإنسانه وأشيائه، المستمدة من القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، التي أسهمت في بناء حضارة الإسلام، وتقديمه نظاماً اجتماعياً بنى أمة ومهد لنظام عالمي، يقوم على العدل والإحسان والكرامة والمساواة بين أبناء آدم. وتمكين الإنسان المسلم، من الحضور في عالمه الاجتماعي الإسلامي، فاعلاً أصيلاً في نموه وارتقائه والمحافظة عليه من عوادي المحتلين، والقيام بدوره في الحفاظ على أمته مهما كانت صعوبة الظروف التي تمر بها الأمة.

  • عناصر المفهوم[7]

1-الشهود الحضاري، جزء من ميثاق الفطرة والتوحيد المنعقد بين الله والإنسان، والقائم على استخلاف الإنسان بهدف تحقيق العبادة لله، والعمارة للكون اللتين يتحقق بهما الحياة الطيبة للإنسان في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى:”وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ  أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ”[8].

2-الشهود الحضاري، جزء من ميثاق الأنبياء والمرسلين مع ربهم.فالأنبياء والرسل، شهود وشهداء على أقوامهم من لدن آدم حتى محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين. يقول الله تعالى: وَ”إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ”[9].

3-أمة الإسلام، هي وارثة مفهوم الشهود الحضاري والمؤتمنة عليه إلى يوم الدين.ولهذا كانت بداية الدخول في الإسلام، وإسلام الوجه لله، “شهادة” أن “لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله”. وكان الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وسيظل، الشاهد على أمته.يقول الله تعالى: “إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً”[10]، ويقول تعالى: “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً”[11]. وكانت أمته، وستظل، الأمة الشاهدة على العالمين.يقول الله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”[12]، ويقول تعالى:”وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ”[13].

4- مفهوم الشهود الحضاري، يعني شهود المسلم لعالمه وحفاظه على قيمه وأمانة وقدسية التوحيد وكرامة الإنسان وفطرته، من أي تدنيس يتعرض له. يقول تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا  وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ”[14].

5- مفهوم الشهود الحضاري، هو أساس الشعور بالمسؤولية عن الأمة والاهتمام بأمرها، وجهادها في الله حق جهاده الذي فرض على جميع أبنائها، الدفاع عن أرضها ومقدساتها، وفي القلب منها القدس، التي هي أرض رباطها وشهودها.

  • المفهوم في التاريخ

وقد لعب مفهوم الشهود الحضاري، دوراً رئيسياً في حياة الإنسانية، من خلال إخراج المسلمين للدعوة للإسلام ولقيمه العادلة، وأسهم في إخراج العباد من ظلم العباد إلى عدل الإسلام. كما أسهم، في الحفاظ على هوية وشخصية وعقيدة ومقدسات الأمة الإسلامية، من خلال رد أي عدو يحاول استباحة بيضتها في لحظات ضعفها.

ولقد ظهرت قوة المفهوم ونجاعته، عندما احتل  الصليبيون القدس سنة 1099م، وسيطروا على الأرض المقدسة تسعون سنة، حتى أن عدد سكان القدس العرب، في نهاية الفترة الإفرنجية، “لم يتجاوز الألف من المسيحيين الشرقيين من عرب وسريان وأرمن والباقي من الفرنجة، ولم يكن فيها مسلمون[15].

ومع ذلك، فقد استطاع المسلمون، من خلال إعداد الأجيال الجديدة وبناء وعيها وبث روح المقاومة فيهم بدافع شهودها الحضاري، استرداد أرضها وقدسها. وكان تحرير القدس، بقيادة صلاح الدين الأيوبي، إحدى الوقائع التاريخية، الدالة على دور المفهوم في إصلاح أحوال الأمة، وإعداد المجتمع المسلم وتهيئته لتحمل مسئولياته تجاه المدينة المقدسة، حتى تحررت القدس[16].

  •  العلاقة بين مفهوم الشهود الحضاري وتحرير القدس اليوم

غالبية الشعب الفلسطيني، ومن يؤازرونهم من المسلمين وأبناء آدم أسوياء الفطرة في كل مكان، اليوم، تقاوم وترفض التفريط في القدس، والوعي كل يوم يزداد بحجم التحديات التي تواجههم، لكنهم مصرين على الصمود والمقاومة بفضل الوعي الإيماني بقداسة القدس. فالإنسان المقدسي، اليوم، هو المرابط الأول في خط المواجهة مع الكيان الصهيوني وداعميه الساعين في الاستيلاء على المدينة المقدسة والأرض المباركة.

ويمكن من خلال إعادة بناء مفهوم الشهود الحضاري وربطه بالقدس، أن يكون رافعة جديدة لهمم وقدرات الأمة والقائمين بشهاداتهم من أبناء آدم بالحق، يساعدهم على بناء استراتيجية واقعية لتحرير القدس.

وعملية الربط بين المفهوم والقدس، تتمثل في العناصر التالية[17]:

1-القدس، هي الأرض المباركة التي التقت فيها الأديان، وأرضها مباركة قدسية، والمسجد الأقصى هو قبلة إسراء النبي الأمين الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه عرج إلى السموات العلا. وهي، أرض الرباط والجهاد لأمة الشهود الحضاري وكل من يمتلأ بقيمها القدسية، ضد أعداء الله والإنسانية من الفرس إلى الصليبيين والاستعمار الغربي والصهاينة، ممن يريدون القدس حكراً له وعليهم فقط. والشهود الحضاري، يستلزم أن تكون الأرض المباركة لله ولكل عباده لا لطائفة أو دين معين، وعلينا-كمسلمين- أن نعيدها كذلك، مثلما جعلها أسلافنا المسلمون منذ فتحها حتى اغتصبها الصهاينة.

2-الشهود الحضاري، هو الطريق لتحرير القدس والمسجد الأقصى، من خلال المرابطة المقدسية، التي هي المقاومة التي تلازم ثغور الأرض المقدسة لتتصدى لتدنيسها، وتعيد إليها قداستها، وتلازم ثغور الفطرة المؤصلة لتتصدى لتزييفها وتعيد إليها أصالتها.

3-الصراع على القدس، يتقدم فيه اعتبار إسلام الوجه لله على اعتبار الأرض. فالصراع على القدس، يشمل أي فرد مؤمن، أيا كان دينه؛ لأنه “صراع إنساني إسرائيلي” ، يندرج فيه كل أحرار العالم، لأن إسرائيل باعتدائها على القدس، تعتدي على العالم كله، وليس على العرب وحدهم.

3- الإيذاء الإسرائيلي للإنسان الفلسطيني، هو إيذاء لكل أبناء آدم، لأنه: “إيذاء للأرض التي بارك فيها ربهم، أي “إيذاء الإله”. وهو، “إيذاء الإرث الذي أنتجته فطرتهم”؛ أي “إيذاء الإنسان”. ولما كانت “مسألة الإله” و”مسألة الإنسان” لا تعنيان الفلسطينيين وحدهم، وإنما تعنيان الناس كافة، فقد لزم أن لا يختص الإيذاء الإسرائيلي بالفلسطينيين وحدهم، بل يعم غيرهم من الناس، بحيث توجب على غير الفلسطيني أن يشتغل اشتغال الفلسطيني(بدفع الأذى الإسرائيلي الذي لحق الإله من حيث هو إله، ولحق الإنسان من حيث هو إنسان.

4- المرابطة المقدسية، سواء في الماضي، دفعاً للاحتلال الصليبي، أو في الحاضر، دفعاً للاحتلال الإسرائيلي، وسواء كان المرابطون من أهل القدس أو كانوا من غيرهم، هي الشاهد الأمثل أو النموذج الأصلي للشهود الحضاري.

فالإنسان الفلسطيني، أكبر من أن يكون إنسان قوم مخصوصين، وإنما هو إنسان العالم كله، لأنه قدر عليه أن يوجد في الزمن الأخلاقي الذي توشك فيه الإنسانية أن تدخل عالم ما بعد الأمانة، بل “عالم ما بعد الميثاق، وأن يؤتمن على الذود عن القيم الفطرية في هذا الزمن الأخلاقي المتردي، حفظاً للإنسان.

ولهذا، كله، يمثل الإنسان الفلسطيني، إنسان الشهود الحضاري النموذجي في زماننا، الذي على منواله يجب أن تنسج الأمة نسيجها الاجتماعي الجديد وتخرج إنسانها الشاهد الجديد القادر على تحرير القدس من دنس الصهاينة، وتآلب القوى العالمية التي تأخذ القوة معياراً للحق، فتقلب نواميس الكون وتهدد بضياع الأمانة التي هي في أصل وجود الخلق.

وفي ضوء هذا المفهوم وعلاقته بالقدس والمسجد الأقصى المبارك نعالج باقي مباحث الدراسة

 المبحث الثاني: آثار غياب مفهوم الشهود الحضاري على وعي المسلم لقضية فلسطين

يشدد مفهوم الشهود الحضاري، الذي حافظ على أمتنا طوال القرون الماضية من كل هجمات العدوان عليها، على أنه لا يكفي أن يعلن المرء أنه خليفة الله في الأرض ليكون كذلك، بل لا بد أن يقوم بعمل حثيث ومتواصل على الأرض لإثبات ذلك، يتمثل في حفظ الأمة الحاملة لأمانة الشهود الحضاري ومقدساتها، وحفظ العالم من أن يقع في دنس قلب قيم التوحيد المؤدية للاعتداء على الإنسان ومقدساته.

لكن عوادي الزمن، لأسباب كثيرة، عدت على المفهوم وغيبته، فجعلت الأمة تعاني من تشوش وتخبط في فهم وإدراك والوعي بدورها، فاستبيحت مقدساتها، وصار عالمها نهباً لقوى الظلام والأثرة، التي لا ترعى لله قداسة ولا للإنسان كرامة. وكان ضياع القدس والمسجد الأقصى، في زماننا، خير دليل على تغييب المفهوم، وما نتج عنه من هيمنة الصهاينة عليهما، ولولا النفر المجاهد المرابط الصامد فيها لصارت القدس يهودية ولضاع المسجد الأقصى واختفت معالمه.

فالإنسان المسلم، على كافة المستويات: السلطوية، والعلمائية، والشعبية، عندما غاب شهوده الحضاري، تم تسطيح وعيه، وانفصلت عقيدته عن واقعه، فمارس فعل الغياب عن أهم قضاياه المصيرية اليوم، وهي الدفاع عن القدس ضد المعتدين، إلا النفر  القليل المجاهد في فلسطين ومن يدعمونهم من خارجها بصدق.

وفي هذا المبحث نتناول-باختصار-، آثار غياب المفهوم على المستويات الثلاثة، ودوره في ضياع القدس والمسجد الأقصى.

  • أولاً: آثار الغياب في محيط الحكام

على الرغم من جميع المزاعم التي يعلنها الحكام العرب والمسلمين، من أن القدس والمسجد الأقصى خط أحمر لا يجب المساس به، وأنه يبذلون جهدهم لتحريرهم من الصهاينة، إلا أن الواقع ينبئ بخلاف ذلك.وقد كان غياب مفهوم الشهود الحضاري، بأبعاده الشاملة عن حكام وحكومات الأمة وقادتها، منذ بدايات الهجمة الإمبريالية الصهيونية على فلسطين والقدس، هو السبب الرئيسي في كذب دعاواهم بالدفاع عن القدس والمسجد الأقصى.

فبداية من الانخداع بالصهيونية ومحاولة التعاون معها في بداية القرن الماضي، مروراً بالتعاون معها لتثبيت حكمهم أو عقد الاتفاقات السرية ثم العلنية معها، ثم الدخول في مفاوضات للاعتراف بالكيان الصهيوني وسيادته على فلسطين والقدس الغربية، وبعدها إنهاء مقاطعته الاقتصادية والثقافية، وقبولهم  قدس جديدة في أبو ديس أو العيزرية أو أي مدينة أخرى، تقدم للمسلمين للسكوت على الإقرار لليهود بحق مشروع لهم في قدسنا الغالية، حتى وصلنا إلى مرحلة الشراكة والتحالف معهم، كل ذلك، ليس إلا نتاج تخليهم عن شهودهم الحضاري وانغماسهم في الحفاظ على ملكهم ومصالحهم الخاصة.

وليتهم اكتفوا بذلك، لكنهم عملوا جاهدين على نزع الصبغة الايجابية عن الجهاد ووصمه بالإرهاب.وعمدوا إلى تزييف وعي الشعوب وواجباتها تجاه القدس والمسجد الأقصى، من خلال تغيير مناهج التعليم، وفتح المجال أمام الأصوات الشاذة التي تطعن في أحقية المسلمين في القدس والأقصى، وتلك التي تشوه قادة تحريرها.وحتى الدعم المالي للقدس، الذي كان شحيحاً فصار عزيزاً نادراً، في حين نجدهم يتعهدون بمئات المليارات، لتكون تحت تصرف الاحتلال ليقدمها رشوة لمن يقبل من الفلسطينيين التنازل عن فلسطين والقدس.

  • ثانياً: آثار الغياب في محيط العلماء والنخب

في حين أن مهمة بناء مفهوم الشهود الحضاري وترسيخه في قلوب وعقول المسلمين، هي مهمة العلماء والمثقفين، فإننا نجد أن المفهوم قد غاب تماماً في مواجهة الأمة للهجمة الصهيونية للاستيلاء على القدس والأقصى؛ إلا القليل المجاهد الصادع بالحق. وهو الأمر الذي قلب أولويات الأمة في مرحلة الصراع مع العدو الصهيوني،  فصارت القدس والمسجد  الأقصى في آخر أولويات الشعوب، فقد سبقتها قضايا تافهة انشغل بها غالب العلماء.

وبعد أن كان العلماء والمثقفين، في بدايات الهجمة الصهيونية، في طليعة المجاهدين بالنفس والمال قبل القلم والكلام، وتحريك الجماهير للجهاد للحفاظ على القدس، تراجع العلماء الربانيين وحل محلهم علماء ومثقفي السلام والتطبيع، فتراجعت القدس في أولويات خطاب العلماء والمثقفين، وغاب تأصيل فقه الحفاظ على القدس والأقصى، وتبصير الأمة بواجباتها، حكامًا ومحكومين بالعمل لتحرير القدس المسجد الأقصى[18].

  • ثالثاً: آثار الغياب في محيط عامة الأمة

كان من الطبيعي، نتيجة لتخاذل الحكام وتقصير العلماء والمثقفين في بث الوعي بخطورة ضياع القدس والمسجد الأقصى وربطه بالشهود الحضاري للإنسان المسلم، أن الوعي المطلوب لتحريرهما، لم يعد يصل إلى كافة أبناء الأمة الذين هم جنود معركة التحرير.

فلم تعد القدس والمسجد الأقصى، في وعي الإنسان المسلم-إلا القليل النادر-، وقفاً إسلامياً على كل مسلم الحفاظ عليه، بل صار الكثيرون يرون أن  قضية القدس والأقصى تخص الفلسطينيين وحدهم، وصار أقصى ما يمكن لمن يتعاطفون مع القضية أن يحزنوا لما حل بهما وبأهلهما ويدعون أو يتبرعون بالقليل لهما في المناسبات والأوقات المتباعدة، ثم يعودون لحياتهم وكأنهم قد قاموا بواجباتهم كاملة. وتحولت القدس من  قضية المسلمين الأولى, إلى خبر يمر سريعاً على شاشات الفضائيات، دون أي أثر. حتى راجت الأكاذيب والأقاويل المغلوطة عن القدس مثل: ترك الفلسطينيون أرضهم وبيعها، للصهاينة. ورواج التفسيرات التي تدعي أن  حل مشكلة فلسطين يكون باستبعاد البعد الديني من الصراع مع الصهاينة ومن يدعمونهم من قوى الاستكبار الغربي.

المبحث الثالث: نحو استراتيجية إسلامية  قائمة على الشهود الحضاري لاسترداد القدس

استطاع مفهوم الشهود الحضاري، في مستهل نشأة أمتنا المسلمة، تحقيق وحدة الأمة وتماسكها واعتصامها بحبل الله المتين، فتحققت السكينة المجتمعية وقويت شبكة علاقاتها الداخلية، فصارت عصية على الاختراق مادياً أو معنوياً. كما أنتج، الشعور بالمسؤولية عن الأمة والاهتمام بأمرها، وفرض على جميع أبنائها، الدفاع عن أرضها ومقدساتها، وفي القلب منها القدس، التي هي أرض رباطها وشهودها.

ويمكن لهذا المفهوم، اليوم، أن يكون نواة ارتكاز حقيقية لبناء وعي الأمة من جديد لتحرر قدسها وفلسطينها وتتحرر من كل ما يكبل إرادتها ويسرق مقدراتها ويمنع تحقق شهودها الحضاري على العالمين.

والاستراتيجية، هي رؤية شاملة نابعة من عقيدة، لتحقيق أهداف محددة على مدى زمني من خلال مجموعة من الآليات والبرامج باستخدام المصادر المتاحة الاستخدام الأمثل في البيئة التي تعمل من خلالها. ويمكن تعريفها، من الناحية الإجرائية- بأنها “عملية التخطيط اللازمة لتعبئة الموارد والإمكانات، وتوجيه السياسات، واستخدام الأدوات والوسائل المتاحة، من مرحلة لأخرى، لمواجهة موقف معين، من أجل تحقيق أهداف محددة”[19].

ويمكن لأمتنا المسلمة، من خلال التخطيط لاستراتيجية خلال الثلاثين عاماً القادمة، تقوم عليها مؤسسة تعمل على  إعادة بناء مفهوم الشهود الحضاري، أن تسهم في إعادة بناء وحدة الأمة من جديد، وتمهد الطريق لتحرير القدس.

وتقوم هذه الاستراتيجية على العناصر التالية:

  • أولا: أرضية الاستراتيجية العقائدية

1- أن نؤمن بعقولنا قبل قلوبنا، أن حقوقنا في فلسطين غير قابلة للمساومة، وأننا قادرون على استرجاعها، ومطالبون ديناً وعروبة أن نعمل من أجل ذلك. وأن الخيار، الذي تقدمه لنا الولايات المتحدة في ما يسمى صفقة القرن، بالنسبة للقدس والمسجد الأقصى؛ كما لكل فلسطين، ليس قدراً محتوماً علينا الرضوخ له.

2-وأن الحق والعدل وقوة شهودنا الحضاري، هي جوهر استراتيجية تحرير القدس والمسجد الأقصى من الكيان الصهيوني.

2- وأن احتلال القدس وأسر المسجد الأقصى، مجرد هزيمة في صراع ممتد، حتى يتحقق النصر عندما يتحقق المسلمون بشهودهم الحضاري من جديد: بالإيمان، والوحدة، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد المتقن لعدة الجهاد وعتاده.

  • ثانياً: هدف الاستراتيجية

نحن في مرحلة دفاع استراتيجي، وليست مرحلة هجوم أو حتى توازن. ومن هنا، فإن الهدف الأساسي للاستراتيجية، هو الحفاظ على القدس من الضياع، حتى تنعدل موازين القوى مع الزمن وعملنا من خلاله لتهيئة أبناء الأمة من خلال مفهوم الشهود الحضاري للمواجهة الحضارية الشاملة مع الكيان الغاصب وداعميه.

  • ثالثاً: جوهر وأسس الاستراتيجية

1- تحقيق الشهود الحضاري للأمة أفرادها ومؤسساتها، باعتباره المفهوم القادر على تحقيق والحفاظ على وجود الأمة العقائدي والبشري والجغرافي والتاريخي، والذي يرجح كفتها في الصراع مع الكيان الصهيوني وداعميه، وتأهيلها للجهاد ضد غصب القدس حتى تحريرها.

2- وأن تحرير القدس والأقصى، يبدأ من تحرير الإنسان المسلم والعربي  والإنسان عامة من استلاب الوعي الذي أحدثه الاحتلال الصهيوني وداعميه في العقول والقلوب الشعوب، وذلك من خلال الربط بين القدس والأقصى وتحقيق الشهود الحضاري للإنسان المسلم.

3- مسألة القدس غير قابلة للتفاوض ولا التنازل، وليس للأمة من خيارات في فيهما، فالتحرير هو الحل الوحيد المقبول، وهو الشرط اللازم ليتحقق المسلم بشهوده الحضاري الدال على تمام إيمانه وإسلامه وجهه لله.

2- المقومات والإمكانات التي يمتلكها  الصوت الشعبي العربي والإسلامي الرافض للتنازل عن القدس والمسجد الأقصى، هي القادرة على التصدي لمحاولات التنازل عنهما.فمن خلال تفعيل مفهوم الشهود الحضاري في قلوب وعقل وحياة المسلمين، سيمكن لهم مجابهة القوة الحضارية للكيان الغاصب وداعميه، بما يماثلها من قوة الأمة الحضارية بما تملكه من قدرات وإمكانات.

  • رابعاً: عوامل تؤكد إمكانية نجاح الاستراتيجية

1- صعوبة قبول أي طرف فلسطيني أو عربي، بالمشاركة العلنية في التفاوض على القدس، حسب الشروط الأمريكية الصهيونية، لأنه يعني تهديد جسيم لكل من تسول له نفسه ذلك من الحكومات.

2- من يشاهد الإنسان العربي الفلسطيني، اليوم، في مسيرات العودة وفي الرباط على أبواب الأقصى، يوقن أن المرابطة الفلسطينية-وفي القلب منها المرابطة المقدسية- قائمة، تدل على أن فاتحة الطريق نحو تحرير فلسطين، هو ذلك الحضور والشهود الفائق الذي عليه الإنسان الفلسطيني المؤمن.

3- الفلسطينيون في القدس، يشكلون قوة هائلة بأبعاد لم يتم توظيفها بالشكل الصحيح في خدمة القضية. ويمثلون معضلة الكبيرة تواجهها إسرائيل، لا تعرف كيف تواجهها على الرغم من كل أساليب القهر والظلم المتبعة معهم. فالمقدسيون، يمثلون40% من سكان القدس.وهم، يزدادون بنسبة 1% سنوياً، ونسبتهم مؤهلة لأن تصبح خلال العقد المقبل 50% من مجموع ما يسمى “القدس الموحدة”[20].وخيار ضمهم، ليلحق بضم الأرض ليس أمراً وارداً، وخيار التهجير الجماعي،[21]، بمثابة إعلان للحرب في المنطقة.

6- ينبئنا التاريخ، أن بعض الحكام العرب صالحوا الصليبين وأمنوا طرقهم وتجارتهم وتركوا القدس رهينة بين أيديهم؛ بل كانت الحامية الصليبية تحمي القاهرة مقابل جزية سنوية مهولة القدر. لكن هذا كله ذهب أدراج الرياح، ما إن ظهر جيل النصر الشاهد على زمانه الأمين على أمته، المرابط في سبيلها.

المبحث الرابع: آليات بناء الوعي الشامل للمسلم بقضية فلسطين من خلال مفهوم الشهود الحضاري لإنجاح استراتيجية تحرير القدس

مقدمة: 

المسافة التي تفصلنا عن تحرير القدس الأقصى، هي المسافة بين حضور وغياب مفهوم الشهود الحضاري في عقل وقلب وممارسات كل إنسان مسلم، وفي اللحظة، التي تنعدم هذه المسافة، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق الدخول إلى قدسنا وأقصانا بعد تحريرهما من دنس الصهاينة.

وفيما يلي أهم الآليات المقترحة لتنزيل استراتيجية تحرير القدس والمسجد الأقصى، انطلاقاً من مفهوم الشهود الحضاري

ا- آليات سياسية

1-الحصول على المساعدة الدبلوماسية والقانونية والسياسية والاقتصادية من خلال الدول العربية والإسلامية الرافضة للتنازل عن القدس، من خلال إنشاء المؤسسة المطلوبة لتنفيذ استراتيجية تحرير القدس والأقصى انطلاقاً من مفهوم الشهود الحضاري، والاستفادة من إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية هذا العام في الدعوة لتأسيس المؤسسة التي ستقوم بمهمة إعادة بناء مفهوم الشهود الحضاري تمهيداً لتحرير القدس، وتبني إحدى هذه الدول ليكون مقر المؤسسة على أراضيها.

2-إنشاء وتفعيل فروع للمؤسسة في كل بلد عربي وإسلامي، تعمل على بث مفهوم الشهود الحضاري في أبناء الأمة.

3- ترميم الروابط والعلاقات بين الفلسطينيين والشعوب العربية، وبناء تلك العلاقات على أساس مفهوم الشهود الحضاري.

4-عقد الملتقيات والندوات والمؤتمرات حول دور الشهود الحضاري في تحرير القدس والمسجد الأقصى.

5-تربية الأجيال الجديدة على مفهوم الشهود الحضاري، وربطهم بالمفهوم عملياً من خلال فروع المؤسسة، وكافة المؤسسات السياسية والمدنية العاملة لتحرير القدس والأقصى، من خلال كافة الاساليب التربوية التي تسهم في تأليف قلوبهم مع إخوانهم الفلسطينيين المقدسيين وربطها بمقدساتهم في القدس، وفي القلب منها المسجد الأقصى.

ب- آليات اقتصادية

1- تفعيل مفهوم الشهود الحضاري، وربطه بالمقاطعة الشعبية للشركات والمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والحركات السياسية والشخصيات التي تدعم الكيان الصهيوني.

2- تخصيص صندوق مالي ينفق الحفاظ على الأماكن المقدسة، ودعم المرابطين وتثبيتهم، ومساندة انتفاضتهم، وتشجيع الاستثمار في القدس، وتعويض الفجوة التي أحدثتها قطع المساعدات السنوية للفلسطينيين التي كنت تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، وجعلها تحدي حقيقي لأبناء الأمة يدلل على تحققهم بالشهود الحضاري.

3- اعتماد أفكار الشيخ رائد صلاح، التي تمثل التطبيق العملي للشهود الحضاري للإنسان الفلسطيني في تحريره ودفاعه عن القدس والأقصى، كنموذج لتفعيل المفهوم في عالم الشعوب العربية والإسلامية، مثل: وقفيات الأرض ووقفيات العقارات وفكرة صندوق الألف الخيري.

ج- آليات إعلامية وفنية

تقوم بالترويج لمفهوم الشهود الحضاري ودوره في تحرير القدس والأقصى، وتهيئة الواقع الاجتماعي لتلقي المفهوم بشكل إيجابي.وأيضاً، الترويج للرؤية الإسلامية العالمية للقدس كعاصمة للديانات السماوية، وبيان التاريخ الحقيقي للقدس كأرض لكل أتباع النبوات. وفضح المحاولات الصهيونية المستمرة لتغيير الهوية الدينية للقدس والمسجد الأقصى، ومحاولات تحويله من معلم إسلامي إلى موقع ديني مشترك لأتباع الديانات المختلفة، تمهيداً لتحويله إلى موقع ديني يهودي فقط. ويمكن اقتراح بعض الوظائف والمهام، مثل:

1-إنشاء مواقع الكترونية، للتعريف بالقدس الأقصى والمخاطر التي تتهددهما.وابتكار حملات في مواقع التواصل الاجتماعي العربية وبلغات مختلفة تهدف إلى إضفاء شرعية دينية وقومية وحياتية وجودية على الاهتمام بالقدس والمسجد الأقصى كنتيجة طبيعية للالتزام بمفهوم الشهود الحضاري.واستغلال إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية، هذا العام، لخلق زخم قوي حول القضية وحول فهوم الشهود الحضاري الذي يمثله المرابط المقدسي، والربط بينهما في عقل وقلب ومخيلة الإنسان المسلم.

2- الانطلاق من مفهوم الشهود الحضاري، لتوضيح أسباب صمود المقدسيين.والربط بين جهادهم اليوم وجهاد المسلمين لتحرير القدس من الصليبين، واستعادة الأجواء الروحية والجهادية لتحرير القدس من الصليبيين القائمة على المفهوم.

3- إعداد برامج مشوقة، وكتب علمية مبسطة، عن مفهوم الشهود الحضاري القائم على التوحيد الإسلامي، تناسب كافة الأعمار والثقافات، يمكنها أن تتحدث بلسان القرآن عن المفهوم وتوصله سهلاً واضحاً لعقول وقلوب المتلهفين من المسلمين، ومن غير المسلمين الباحثين عن الكرامة والعدل للإنسان الفلسطيني ممثل الإنسانية على الأرض.

د- آليات فكرية بحثية

بناء مرصد معرفي، وتخصيص فرق بحثية عربية من خلال استحداث وقفية علمية تعليمية باسم فلسطين والقدس تكون مهمتها الأولى والدائمة تدرس:

1-بناء المفاهيم والتصورات، التي تصب في اتجاه تعميق مفهوم الشهود الحضاري بين المسلمين والعالمين.وتغيير الوعي العالمي بالقدس والأقصى التي شوهها الصهاينة، من خلال مفهوم الشهود الحضاري.

2-الخطوط العريضة للاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على القدس، وكيف استفادت من المناخ الدولي والقصور العربي والإسلامي والفلسطيني في ترسيخ مفاهيمها عن القدس، واقتراح الاستراتيجيات المضادة لها.

3-إعداد مادة دراسية باسم القدس وفلسطين، تتوخى تربية الأجيال الجديدة على الانتماء لفلسطين والقدس لجميع المراحل السنية، تعبر عن مفهوم الشهود الحضاري ودوره في تحرير القدس والمسجد الأقصى، وتحويلها إلى دراما فنية وخصوصاً للأطفال والناشئة، وتطوير شخصيات روائية وكرتونية تجذب الناشئة العربية.

ه-  آليات دينية

1-استغلال المناسبات الدينية لترسيخ مفهوم الشهود الحضاري وربطه بضرورة عمل المسلمين لتحرير القدس والأقصى، مثل: يوم الجمعة 12 من أكتوبر عام 1187، حين دخل صلاح الدين المدينة المقدسة، وهو الموافق السابع والعشرون من رجب، وهي ذكرى ليلة المعراج التي أسرى الله فيها ليلاً بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

2-مناقشة الدعوة إلى تدفق العرب مسلمين ومسيحيين، والمسلمين من مختلف بقاع العالم الإسلامي إلى القدس، من أجل الصلاة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ومن أجل السياحة في المدينة المقدسة، ومن أجل الاستثمار في القدس ونواحيها، وعلاقته بالشهود الحضاري وكيفية تحقيق ذلك دون الوقوع في الرؤية الصهيونية وأهدافها في القدس والأقصى.

5-التواصل مع الجهات الكنسية المقدسية ورجال الدين المسيحي في القدس؛ بقصد مراكمة الجهود في مواجهة العدوان النازل على المقدسات الإسلامية والمسيحية، انطلاقاً من عالمية المفهوم وتوحيديته الجامعة للمسلمين والمسيحيين.

و- آليات قانونية دولية

1-حشد المجتمع الدولي المدني، الرافض لسياسات الكيان الصهيوني العدوانية في القدس، من خلال بيان أبعاد مفهوم الشهود الحضاري العالمية التي تكشف مخططات الصهاينة الغادرة بحقوق كل البشر المؤمنين بالله في القدس.

3- دراسة مواقف الدول من نقل سفاراتها للقدس، لبيان كيفية التعامل مع كل منها حسب موقفها، وبذل جهد أكبر للتواصل مع الدول التي أظهرت رفضها لنقل سفاراتها للقدس، انطلاقاً من مفهوم الشهود الحضاري.

شروط نجاح الاستراتيجية

1-أن نقبل بالمهام الصغيرة الحاسمة المتواضعة، في كل مجال مما سبق، والتي يمكن أن تغير معادلة الصراع، وهذا جزء رئيسي من فاعلية المفهوم في واقعنا اليوم.

2-البعد بكل الفعاليات والمؤسسات والجهود الخاصة بإنقاذ فلسطين والقدس، عن كل نزاع سياسي داخلي بين الحكومات والمعارضات.

3- لن تنجح دون قيادة المثقفين والدعاة العرب، وقيامهم ببذل النفس والنفيس في سبيل إنجاحها بالدعوة العملية والإنفاق مما في أيديهم، حتى يقدموا القدوة الحقيقية للشعوب حتى تضحي بكل ما تملك لتحرير فلسطين.

9-التركيز على عامة الشعب العربي: المرأة والفلاح والعامل والطالب، وتخصيصهم بخطاب شعبي بسيط مركز حول مفهوم الشهود الحضاري ولزوم تحققهم به حتى يكتمل إيمانهم وإسلامهم الوجه لربهم وقيامهم بشهادتهم حق القيام للفوز برضى ربهم وتحرير ارضهم ومقدساتهم، لأنهم عماد استراتيجية تحرير القدس والأقصى وقوة تنزيل مفهوم الشهود الحضاري واقعاً يحرر القدس والأقصى ويحررهم.

خاتمة

يعلمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط من جراء هزائم تقاسيها–، مهما كانت سوداء مريرة -، فكم كابدنا خسائر فادحة وقمنا وهزمنا أعداؤنا وطردناهم عن مقدساتنا. لكن، تسقط الأمم عندما تسقط في براثن اليأس وأوهام قوة المعتدي الذي لا يقاوم.وتسقط الأمم، عندما يتساءل أبناؤها وخصوصًا الشباب، عن جدوى القيم التي يحملونها، وقيمة الأمة التي ينتمون إليها ودورها في التاريخ، ويتنازلون عن المفاهيم التي تمثل أساس عقيدتهم.وهذا ما حدث لأمتنا عندما تخلت عن مفهوم الشهود الحضاري، ففقدت قدسها وأقصاها

ومن هنا تكون التنشئة على مفهوم الشهود الحضاري، اليوم، كما حاول هذا البحث أن يبين، هي مفتاح تحرير القدس والاقصى من العصابات الصهيونية. لكن تحقق ذلك يحتاج إلى إجابات على أسئلة كثيرة، تصب في صالح تشغيل المفهوم وترسيخه في مجتمعاتنا المسلمة قبل الوصول إليه، من أهمها: كيف يمكن لشبابنا أن يستعيدوا نضارة إيمانهم بعد ذبول طال قروناً عديدة ويعلموا أن عليهم واجبات تجاه أمة ينتمون إليها، ودين ينتسبون إليه، ورب يحاسبهم على كل تلك النعم التي أنعمها عليهم؟ وكيف يستوعب شبابنا سيرة مفهوم الشهود الحضاري في الصدر الأول، وكيف تكون لحظة بلحظة ويطبقوه في زماننا؟ وكيف يمكنهم أن يروه من منظور جديد يحقق فيهم ما تحقق لصحابة رسول الله ولجيل النصر على الصليبيين من الحفاظ على القدس؟

وكيف يستمد كل منهم، من المفهوم زاداً وهدى يمكنه من استغلال ما حباه الله من طاقات وإمكانات مهما صغرت في سبيل تحرير مقدساتنا في فلسطين؟ وهل كتب التربية الدينية ومناهج العقيدة والتربية المتداولة بين أبنائنا وعامتنا وشبابنا، والتي تقدمها مختلف مؤسسات الأمة، تفي فعلاً بمتطلبات بناء إنسان مسلم حقيقي متحقق بشهوده الحضاري قادر على تحرير مقدساته في لحظتنا الراهنة؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة، يمكن أن تكون خطوة في سبيل  انتشار المفهوم بين أبناء الأمة، وتحوله إلى جزء لا يتجزأ من سلوكهم اليومي، وتصرفاتهم العملية في كل قراراتهم الحياتية اللحظية والمستقبلية.وهو الأمر الذي  يمكننا-ساعتها-، أن نقول أننا على أول الطريق الموصل إلى تحرير القدس.


[1] البشري، طارق. عن القدس وفلسطين.تقرير أمتي في العالم، القاهرة:مركز الدراسات الحضارية،  ص1

[2] سعيد، إدوارد.وضع القدس ومستقبل عملية السلام، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد(85)، بيروت، شتاء 2011م، ص7-20

[3] سعيد، إدوارد.وضع القدس ومستقبل عملية السلام، مصدرسابق، ص9

[4] يكفي في بيان ذلك مراجعة تصريحات وزراء خارجية البحرين والسعودية وسلطنة عمان في مؤتمر وارسو الأخير، في التقرير الذي نشرته جريدة الشروق المصرية بعنوان: مؤتمر وارسو أثبت أن إسرائيل وصلت إلى مرحلة جديدة في كل ما يتعلق بالتطبيع مع الدول العربية، على الرابط التالي

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=17022019&id=612d6e94-b274-4757-b425-a771ce06a453

[5]

[6] المصري، شفيق.القدس في القانون الدولي، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد(114)،  ربيع 2018م، ص11-12

[7] يقوم الباحث،حالياً، بعمل دراسة شاملة لمفهوم الشهود الحضاري ودوره في إعادة بناء الأمة الإسلامية، وهذا الجزء مستخلص منه.

[8] الأعراف:172- 173

[9] آل عمران:81

[10] الفتح: 8

[11] النساء: 41

[12] آل عمران: 110

[13] الحج : 77-78

[14] الحج: 40-41

[15] الجبعة، نظمي.القدس في عين العاصفة: بين انتفاضة الأقصى وقرار ترامب، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد(114)، ربيع 2018م، ص39

[16]راجع بحث موسع عن التجربة في:

الكيلاني، ماجد عرسان. هكذا ظهر جيل صلاح الدين، وهكذا عادت القدس.هيرندن:المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1994م

[17] هذا الجزء هو تلخيص لأفكار الدكتور طه عبد الرحمن في شرحه للعلاقة بين الإنسان المقدسي والقدس وكيف يرابط على ثغر بيت المقدس والمسجد الأقصى، وكيف يمكن للمسلمين أن يقاوموا الهجمة الصهيونية المدعومة عالميا عليهما، وقد قمت بالربط بين تلك الأفكار ومفهوم الشهود الحضاري، بدلا مما كنت كتبته عن الربط بينهما، لأن تناول الدكتور أوضح وأقوى بياناً.والحقيقة أن هذا الفصل من الكتاب، يحتاج إلى نشر وتعميم بين أبناء الأمة، مع تبسيطه لتصل أفكاره إلى كل أجيال الأمة السنية.راجع:

عبدالرحمن، طه.ثغور المرابطة:مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية.الرباط:مركز مغارب للدراسات، ط1، 2018م، ص19-63

[18]

[19] حماد، مجدي. نحو استراتيجية وخطة عمل للصراع العربي الصهيوني، بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2000م، ص15

[20] زريق، رائف.قانون القومية وبداية نهاية نظام الأبارتهايد الإسرائيلي.مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد(114)، ربيع 2018م، ص45

[21] المصدر السابق، ص45

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.