منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طوفان الأقصى؛ نتائج تبهر وتسُـرّ، وعبرة لمن اعتبر.

طوفان الأقصى؛ نتائج تبهر وتسُـرّ، وعبرة لمن اعتبر/الدكتور أحمد الادريسي

0

طوفان الأقصى؛ نتائج تبهر وتسُـرّ، وعبرة لمن اعتبر.

بقلم: الدكتور أحمد الادريسي

الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة المسلحة في غزة في إبداع مستمر وقد ألقت هذه المرة بثقلها خارج الحدود، بل وصل صداها لما وراء الأطلنطي حيث تقبع أشد الامبراطوريات ظلما، متجسدة في الولايات المتحدة الأمريكية، فأصبح المناصرون لحقوق السود في أمريكا يوحدون بين الضحية في فلسطين وشبيهها في أمريكا.

وقد استطاعت المقاومة أن تقلب الموازين الثابتة منذ زمن طويل، وتُحدِث حالة من الفوضى والتعقيد، لكن نهايتها ستكون تحقيق انتصار كبير على الكيان وفعلا ستغيّـر شكل الشرق الأوسط وتشكله من جديد.

أولا: من نتائج طوفان الأقصى.

من النتائج التي حققتها المجاهدون والمقاومة الفلسطينية إلى حدود كتابة هذه السطور:

1- بالنسبة للقضية الفلسطينية:

– إضعاف مسيرة التطبيع، واقتناع البعض بخداع وخذلان الإسرائيليين.

– كسب مزيد من التأييد العالمي للقضية الفلسطينية على أساس أنها؛ “قضية إنسانية حقوقية عادلة”، فأصبحت قضية فلسطين قضية مركزية إنسانية أمام شعوب العالم وصانعين السياسة.

– كان الفلسطينيون يموتون يوميا قبل هذا الطوفان وربما لم يكن يسمع بهم أحد، ولم يكن لموتهم أي صدى، حتى بين حكام العرب وأغلب حكوماتهم. بينما عادت الروح لهذه الجماهير اليوم، وأصبح الرعب الذي يعيشه الفلسطينيون يومياً منذ 75 عاماً، يظهر على كل شاشات العالم.

2- بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية.

– عودة الروح في الشعوب العربية والإسلامية ومعهم أحرار العالم.

– أدرك المسلمون بسبب طوفان الأقصى أبعاد القضية الفلسطينية، وأصبحوا ينظرون لها بمنظار إسلامي، واسترجعت فلسطين مكانتها الخاصة في نفوس العرب والمسلمين.

– كشف هذا الطوفان للدول العربية والإسلامية بوضوح على حقيقة المجتمع الدولي وجهه البشع وفي مقدمته الدول التي تدّعـي حقوق الإنسان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وايطاليا وفرنسا وألمانيا، وسياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين والإسراع إلى إعلان التأييد المطلق لما اسموه “حق الاحتلال في الدفاع عن نفسه” وتبنيه سلسلة من العقوبات بحق الشعب الفلسطيني وقيادات المقاومة. فهل من معتبر؟؟

3- بالنسبة للكيان الإسرائيلي.

إن ما جرى في غزة سيغيّر كل المفاهيم والانطباعات عن الكيان وحتى عن نظرة المجتمع الدولي للصراع الفلسطيني مع الاحتلال. ومن ذلك:

– زيادة الصراع بين المسؤولين من داخل حكومة الكيان، تعميق الازمة السياسية بينهم.

– فقدان الثقة بين المستوطنين والمؤسسة الأمنية للاحتلال الاسرائيلي، وتهجير 300 ألف مستوطن من غلاف غزة. إضافة إلى تهجير أكثر من 800 ألف اسرائيلي خارج فلسطين المحتلة.

– أصبحت الشعوب الأوروبية يستهزؤون بإسرائيل ويقول ما معناه: “هذه هي الدولة التي ستحمينا من إيران؟!… وتملك منظومة عسكرية وأمنية وقوة كبرى؟!… هذه الدولة التي من المفترض أن تشكل يد أمريكا في المنطقة؟!.

– تم إخلاء عدد من المدن والمستوطنات، ومنها سيديروت وعسقلان، وعدد السكان فيهما لا يقل عن 68 ألف مستعمر، مع أنه مستحيل أن يعود إليها سكانها.

– الهزيمة النفسية التي تعرض لها الكيان الإسرائيلي، وخاصة كبار المسؤولين والجيش الذي لم يحارب اي حرب حقيقية منذ عام 1973.

– مقابل كل فيتو أمريكي لضمان عدم إدانة إسرائيل، اليوم روسيا تستخدم الفيتو لعدم إدانة حماس.

رابعا: بالنسبة للغرب:

– ظهر للغرب الوجه البشع لإسرائيل، الذي يدعم بسخاء هذا الكيان الغاشم، ولكل العالم برغم التضليل الإعلامي الممنهج.

– أصبح الأوربيون ساخطين على الكيان حتى وإن بدا في تصريحاتهم أول أيام الحرب دعم كامل للكيان، ونقمتهم على أمريكا أكبر لأنها ورّطتهم في حرب أوكرانيا ويعتقدون أن الأولوية الأكبر الآن هو دعم أوكرانيا وليس إسرائيل.

– النخب الأوروبية في حالة قلق كبير من إسرائيل وترى بأنها تحولَتْ إلى نوع من الفزاعة التي تستخرجها أمريكا لنهب جيب المواطن الأوروبي مثل “إنقاذ كورونا” و”حرب أوكرانيا” وغيرها.

ثانيا: من الدروس المستفادة:

– من هذا الطوفان نتعلم درسا بليغا في اليقين والثقة في نصر الله ووعده رغم المحن وتكالب الأعداء، فعن خالد بن معدان، قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه)[1].  فهل من معتبر؟؟

– نتعلم أن الله تعالى منجز وعده، في الوقت الذي يحدده سبحانه، وبالكيفية التي يختارها عز وجل، فينجي المؤمنين وينصرهم، ويهلك أعداءهم من الكافرين والمسرفين.

– جددت الانتفاضة المباركة الأمل في إمكانية تحقيق الحلم الذي انتظره مئات الملايين على مدار العقود السبعة الماضية، كما عادت الروح للصحف، إذ قرر معظم الكتاب المشاركة في لحظة الفخر الاستثنائية، التي صنعتها أيدي المقاومة في قطاع غزة، وسائر المدن الفلسطينية بامتياز.

– رغم إمكانيات محدودة متواضعة قياسا بالإمكانيات العظمى التي يمتلكها الاحتلال وأعوانه، فقد انتصرت المقاومة منذ بداية الطوفان، لأنهم باعوا أنفسهم لله تعالى؛ في سبيل استرجاع الحقوق المسلوبة ونصرة المظلومين ومقاومة الظالم، ولأنهم متسلحين بالإيمان القوي، والإرادة الصلبة والعزيمة القوية، واليقين في موعود الله تعالى لهم وللمجاهدين بالنصر

– عودة القضية الفلسطينية إلى أذهان المسلمين وقلوبهم، بعد أن أزالها حكام العرب من المقررات الدراسية، من أجل نسيان القضية الفلسطينية.

– إن مسؤولية العلماء والدعاة والمفكرين مسؤولية كبيرة وعظيمة تجاه المسجد الأقصى وإخواننا في غزة وفلسطين، الصدع بكلمة الحق والتصدي للمخطط الظالم والهجوم الغاشم الذي يسعى إلى تدمير شعب بكامله، ومن خلاله تفتيت إرادة الأمة، فوجب عليهم السعي إلى رفع الهمم وشحذ العزائم والإرادات وبث روح ومعاني اليقين في موعود الله وفي نصره وتمكينه، وأن الله تعالى سينجي المؤمنين ويهلك الظالمين والمسرفين، قال تعالى “ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِين” (الأنبياء: 9).

خـاتمة:

       أصبح أحرار العالم معنيين الآن بدعم الشعب الفلسطيني في حرب التحرير الكبرى، التي يقودها منفرداً وبمعزل حتى عن العالمين العربي والإسلامي. حتى تلك الخطب الإنشائية التي احترفها الزعماء والمؤسسات في الماضي، عزّ العثور على مثلها منذ بدء الانتفاضة المباركة، التي أيقظت الغرب الداعم للكيان المحتل من عليائه، ووضعت نتنياهو وأعوانه ومن قبلهم كل من هرول نحو تل أبيب، أمام الحقيقة الصادمة، التي يهرب منها كل إسرائيلي وكل داعم للكيان المغتصب. فهل من معتبر؟؟

ولا ننسى الأخلاق الإسلامية السامية لرجال المقاومة في كيفية معاملتهم الأسرى والرهائن الذين جرى أسرهم خلال العملية، حيث لم يقدم اي من المقاومين الى قتل اي ممن لم يبادر الى رفع السلاح بوجههم خاصة النساء والأطفال، وتم اقتيادهم الى مناطق أسرهم بكل انسانية واجراء اللازم لهم طبيا حفاظا على ارواحهم. ويروى أن إحدى الأسيرات وضعت طفليها التوأم في مشفى الشفاء بغزة ووفرت المقاومة لها المستلزمات الطبية بكل سكينة وطمأنينة ، وهو مغاير تماما للمعاملة الاجرامية التي يتلقاها الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من الاحتلال والذي وممارساته التعسفية الارهابية لا يميز بين مدني وعسكري، والتي فاقت الممارسات النازية والفاشية بحق من كان ضحية يوما ما واصبح جلادا يتفنن في ممارسة أشكال الإرهاب بحق ضحايا أبرياء، لا ذنب لهم سوى إصرارهم على انتزاع حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها استرداد أرضهم السليبة والعودة الى ديارهم والعيش بحرية وكرامة.

فلا نستهين بقدرة الأمة وقوتها، والله مع المقاومة ومع المجاهدين، وكل ما جرى هو تدبير المولى وإرادته وسنته في التبديل والتغيير، وفي النصر والتمكين.

“وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون”. والحمد لله رب العالمين.


[1]– كتاب اليقين لابن أبي الدنيا، حديث رقم: 7. الصفحة: 34.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.