منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الابتلاء وصناعة الرجال

0

         مقدمة:

لقد اقتضت إرادةُ الله سبحانه أن يمنح اﻹنسان اختيارًا في هذه الحياة تكريمًا له، وبمقتضى هذه المنحة قد يسيء فيظلم اﻷبرياء، ويلحق اﻷذى بهم ولهذا كان أنفع دواء يتحصن به أمام هذا الابتلاء هو: الدفع بالتي هي أحسن مع التحلي بالصبر الجميل. والبلاء له صور كثيرة: بلاء في الأهل وفى المال وفى الولد، وأعظمها ما يبتلى به العبد في دينه. وقد جمع للنبي كثير من أنواع البلاء فابتلى في أهله، وماله، وولده، ودينه فصبر واحتسب وأحسن الظن بربه ورضي بحكمه ولم يتجاوز حدوده فصار بحق قدوة يحتذي به لكل مبتلى. فاذا استشعر العبد هذه المعاني انقلب البلاء في حقه الى نعمة وفتح له باب المناجاة ولذة العبادة، وقوة الاتصال بربه وغير ذلك من أعمال القلوب ومقامات العبادة ما تعجز العبارة عن وصفة.قال وهب بن منبه: “لا يكون الرجل فقيها كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظرا لرخاء وصاحب الرخاء ينتظر البلاء”. 1 وقال رسول الله (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقارض) 2    

إذا فما المقصود بالابتلاء؟ وكيف يتحقق النجاح في هذا الاختبار ما دام أمرا لا مفر منه؟ وأية قيمة لهذا الابتلاء في حياة المؤمنين أفرادا وجماعات؟

1-    تعاريف

    *الابتلاء لغة: لفظ الابتلاء مأخوذ من مادة (ب ل و) التي تدل على نوع من الاختبار. ويكون البلاء بالخير والشر، واللّه عز وجل يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئا، وبلوته تأتي أيضا بمعنى جزيته (مقاييس اللغة لابن فارس).    

    * الابتلاء اصطلاحًا هو: التكليف في الأمر الشّاقّ، ويكون في الخير والشر معًا، ولكنهم (عادة ما) يقولون: في الخير أبليته إبلاء وفي الشر: بلوته بلاء (الكليات للكفوي). وقال المناوي: البلاء كالبلية: الامتحان، وسمي الغم بلاء لأنه يبلي الجسد.3

   *الصناعة لغة: حرفةُ الصانِع. والصِّناعَةُ كلُّ عِلم أَو فنّ مارسَه الإنسان حتى يمهر فيه ويصبح حرفة له.

   *الصناعة اصطلاحا: يقال: صنَعَه على عينه: إذا تولَّى توجيهه في جميع أطوار حياته. وفي التنزيل العزيز: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}. وصنَعَهُ بعينِ فلانٍ: قام بالعمل مشمولاً برعايته 4

  *الرجال لغة: رِجال: جمع رَجُل. والرَّجُلُ: الذكر البالغ من بني آدم. والرَّجُلُ الرَّاجل خلاف الفارس. قال تعالى: “فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا”5 . والجمع: رِجالٌ، ورَجْلَة.

  *الرجل اصطلاحا: معنى كلمة “رجل” في اللسان العربي: الترجل أي مشي الشخص على قدميه دونما استعانة بآلة ما “الدابة أو السيارة أو غير ذلك”. وهذا يعني الاعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة والهدف المقصود.6

  *البلاء لغة: -البَلاَءُ: المِحنْة تنزل بالمرء ليُخَتَبر بها. والبَلاَءُ: الغمّ والحزن. والبَلاَءُ: الجهد الشديد في الأَمر 

  *البلاء اصطلاحا: -البلاء هي المحنة التي تصيب الشخص والمصاعب التي يواجهها في حياته

  * الفتنة لغة: تدل على الابتلاء والاختبار، وأصل الفتن إحراق الشيء بالنار لتظهر جودته من رداءته.

  * الفتنة اصطلاحًا: تعني الفتنة ما يبين به حال الإنسان من الخير والشر. وقال المناوي: الفتنة: البلية وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة.7 

2-   المقارنة بين المفاهيم والعلاقة بينهما.

   *يقول الامام ياسين ” هؤلاء المحدَّثون الكمل أمثال الشيخ عبد القادر هم مستودعُ أسرار الله بين خلقه، هم حَمَلَة القرآن حقا، وأهلُ الاصطفاء صدقا. تأثيرُهم في الأمة لا يقارَنُ بتأثير الواعظ الفصيح الذي يهُزُّكَ هزا ثم تنفصل عنه بقلب ما لاَنَ، ولا بتأثير الفقيه يفتيك في النازلة بالدليل والبرهان ويتركك وشأنك.” 8 ويقول ايضا ” رجلٌ قوي الشخصية، قويُّ الإيمان، قويُّ العلم، قويُّ الدعوة، قويُّ التأثير. فجدد دعوة الإيمان والإسلام الحقيقي، والعبودية الخالصة، وأخلاقِ المؤمنين المخلصين. وحارب النفاق الذي اجتمع في المجتمع الإسلامي بقوة منقطعة النظير في تاريخ الإصلاح والتجديد. وفتح باب البيعة والتوبة (بيعة التوبة لا بيعة الإمارة) على مصراعيه، يدخل فيه المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، يجددون العهد والميثاق مع الله (…).“9

    *ويقول ايضا” ن جند الله لا ينشأون نشأة عفوية على أخلاق الرجال وإيمان الرجال وعزائم الرجال وعبودية الرجال لله عز وجل. إنما تؤلفهم التربية، ويؤلفهم التنظيم، ويجمعهم ويوحدهم آصرة الإحسان. نذكر هنا بهذا الحق لكيلا ننسى أن تربية جند الله وتأليفهم مقدمة لكل عمل جهادي ينبري للعظائم.” 10

3-   الابتلاء سنة الله في خلقه:

يعتبر لابتلاء سنة من السنن الإلهية التي عدها القرآن الكريم ملازمة للإيمان ومقارنة إياه فهو المحك الذي يفضح الزيف ويميز بين الصادق والكاذب، قال تعالى (الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ).11 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” 12  وأكمل الناس إيمانا أشدهم ابتلاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.”13

4-   الابتلاء صناعة وبناء:

    * لاقى رسل الله الذين صنعوا على عين الله بلاء من أقوامهم فصبروا وكان منهم أولي عزم وثبات وصبر كما قال جل وعلا آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم مسليا له عما يلقاه من كفار قريش من ألوان التكذيب وصنوف التعذيب: “فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل 14 فبرهنوا في واقع دعوتهم على استعداد فطري كامل لتحمل الأذى والصبر على البلاء لأنهم صنعوا على عين الله تعالى كما قال عن كليمه موسى: “ولتصنع على عيني” 15

     * الصحبة الصالحة ثبات ونبات: ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم أمام كل ابتلاء، وثبت معه أصحابه رضي الله عنهم ضاربين أروع المعاني على صدق الإيمان وسلامة الفطرة وحب الدين وسمو النفس والروح المتطلعة إلى السلعة الغالية، فكانوا” رجالا صنعتهم التربية النبوية ومحصهم الله بالأذى والشدائد” 16

    * يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا، للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفنا، لتربية نفوسنا وصقل قلوبنا وتهيئ المحل الذي يتنزل فيه نصر الله “17

    * ويقول ايضا “من لا يدخلْ في الدعوة من باب التوبة النصوح، ومن لا يذكرْ الله ويعبد الله حتى يحصل له اليقين بالآخرة، ومن لا يتقربْ إلى الله حتى يحبه الله فيرفع همته إلى طلب وجهه الكريم، كيف يثبت معك في مواقف الابتلاء؟” 18

   *فالابتلاء والمحن والشدائد له اثار في صقل شخصية المومن لا تتأتى الا لمن صبر عند البلاء وكان شُريح يقول إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وإذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وإذ لم يجعلها في ديني” [19

   *والابتلاء يصنع الرجال ويبني الدعاة ففي مرحلة الابتلاء يزداد المومن تعلقا بالعبادات والنوافل، وتلاوة القرآن، ويتوجه إلى الله بالرجاء والدعاء. فالقلب يتصل بالله، والروح تنشغل في هذا الجو بالاتصال بحبله المتين. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة” [20

   *والله سبحانه استخلف بني آدم لعمارة الأرض وفق ما رضيه، فقال عز من قائل”هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ” 21 واقتضت حكمته عز وجل أن يختبر صدق الصادقين، ودعوى المدعين ويعلمنا سبحانه عز وجل أن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب، ولكنه حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد. وانه رجولة وبناء وقد شاء سبحانه وتعالى أن يجعل الابتلاء هو المحك ليكشف معادن الرجال ويمحّص إيمان المؤمنين، فقال تعالى: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم” 22. فالبلاء والصبر عليه من عناصر الرجولة الناضجة،

      خاتمة

إذا يعتبر مرور الفرد من هذه الدنيا له مغزى ومعنى هو الابتلاء، والعرض على مِحَكِّ قول الله عز وجل” الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور23. ودار الابتلاء في هذه الدنيا قاعدتُها وشرطها التناقض والتدافع والسببية والمسؤولية. والمومن يختلف في موقفه عن سائر الكائنات، فهو يعلم أنّ الابتلاء عقبة ومعركة ضد النزعات النفسية، وان ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا ما يحدوه لتسليم أمره، وزمام قياده إلى ربّه الرؤوف الرحيم، الذي وعد المؤمنين والمؤمنات بالتثبيت عند الشدائد والملمّات. قال تعالى ” يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ” 24 فالمؤمن بتسليم امره الله تعالى يكون راضياً مطمئناً بقدر الله، و إن لم يكن يتمناه . يقول مسروق الوادعي رحمه الله ( إن أهل البلاء في الدنيا إذا لبثوا على بلائهم في الآخرة إن أحدهم ليتمنى أن جلده كان قرض بالمقاريض) 25 . ولعلّ من المناسب في ختام هذا الكلمات التذكير بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله (ما أغبط أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء) .26

…………………………………………………………………………………………………………

المراجع

1-    عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص75 لابن القيم

2-    رواه الترمذي (2402)، وحسَّنه الألباني في «صحيح الترمذي

3-    المعجم الوسيط

4-    المعجم الوسيط

5-    سورة البقرة آية 239

6-    المعجم الوسيط

7-    المعجم الرائد

8-    رجال القومة والإصلاح ص 107

9-    نفس المصدر 108

10- مقدمات لمستقبل الإسلام ص43

11- سورة العنكبوت الآية 1 و2

12-رواه انس بن مالك في صحيح الترمذي. ص 2396

13   رواه سعد ابن ابي وقاص في صحيح الترميدي وقال الالباني حديث حسن صحيح ص 2398

14   – سورة الأحقاف الآية 35 

15   – رواه مسلم (4/2378)

16   سورة الأحقاف الآية 35 

17   حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 10.

18   تنوير المومنات ج1 ص228

19   سير أعلام النبلاء (7:112)]

20   رواه الترمذي في كتاب الزهد وقال حسن صحيح

21   سورة هود اية 61

22   سورة محمد اية 31

23   سورة الملك الآية 2

24   سورة إبراهيم الآية 27

25   من كتاب المحن، لأبي العرب التميمي، ص: 283

26   –نفس المصدر

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.