منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة فتاوى في المعاملات المالية خاصة بزمن الوباء 1- الحكم الشرعي للعربون في زمن جائحة كورونا.

0
اشترك في النشرة البريدية

تقــديـم:  

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مما تبين للناس من ظروف وباء كورونا؛ رحمة الشريعة الإسلامية، ومرونتها وسَعَـة أصولها، وأن المستجدات الفقهية الواسعة والمتنوعة فتحت باب التطبيق الفقهي الاجتهادي للمناهج الأصولية المختلفة كالمصلحة المرسلة والاستحسان وسد الذريعة والاستصحاب وغيرها، بشكل عملي واقعي. وقد صدرت فتاوى في العبادات، وفي المعاملات المالية التي وردت نوازل بشأنها بسبب الظروف الخاصة التي يعيشها الناس زمن وباء كورونا، وما تسبب من إصدار قرارات الحظر وإغلاق كثير من الشركات والمحال التجارية، وترك آلاف العمال والمستخدمين خاصة في القطاع الخاص أعمالهم، وتعطل كثير من أهل المهن والحرف والصناعات والتجارة. وغيرها.

1- أهمية الفتوى:

تُعنى الفتوى ببيان حكم الله في المسألة الحادثة الواقعة، والمفتي يجتهد ليُـبين الحكم الشرعي للمسألة، وعليه أن يقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام في بيان شرعه وهديه. ونظرا لمنزلة الفتوى وعظيم قدرها في الإسلام، فقد حدد العلماء شروطا وآدابا لابد من توافرها فيمن يتصدر للإفتاء، وكان المفتي مطالبا بالتأني، والتشاور في كثير من الأحيان مع أهل الخبرة، وأهل الاختصاص في المسائل المستجدة، والقضايا المعاصرة.

المزيد من المشاركات
1 من 44

2- المرونة في توظيف العقود:

إن الأصل في العقود الوفاء، والالتزام بمقتضياتها، قال تعالى: “يا أيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود”.(المائدة:1). لكن الحكمة من تشريع العقود تقتضي التيسير على ‏الناس ومراعاة أحوالهم وحوائجهم، وكل من الدولة والعلماء والمكلفين مطالبون بمراعاة اليسر والمرونة التي تميز الشريعة الإسلامية، كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (إن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق، رعاية لظروفهم، وما غلب على أكثرهم من رقة الدين، وضعف اليقين، وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم، والمعوقات عن الخير، ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع، على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول)[1].

وسأورد في هذه السلسلة مجموعة من الفتاوى في المعاملات المالية التي أصدرها أيام جائحة كورونا “كوفيد19″، مجموعة من العلماء، والمجامع الفقهية، والهيئات العلمية العالمية.

 

 

3- الفتوى الأولى: الحكم الشرعي للعربون في زمن جائحة كورونا.

فتوى أصدرتها؛ لجنة الفقه والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد ورد إلى لجنة الفقه والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سؤال عن حكم الشرع في مسألة العربون الذي قدمه مجموعة من المرتفقين في ظل جائحة وباء كورونا، فمنعهم من إتمام ما كانت لهم فيه رغبة، ولم يتراجعوا عما دخلوا فيه.

وبيانا للحكم الشرعي في هذه المسألة، نقول:

العربون: هو الدفعة الأولى المقدمة من الثمن الكلي، قدمها الطرف الأول الراغب للطرف الثاني العارض خدماته أو أشياءه. فإذا أمضيت الصفقة أضاف الباقي في ذمته، وإن تراجع كانت من حق الطرف الثاني جابرا أو زاجرا حسب التكييف الفقهي لموضوع العربون.

– وجه التسمية: وتسميته عربونا أن فيه إعرابا من جهة الطرف الأول عن جديته في المعاملة، وأخذ الطرف الثاني له إعراب منه هو أيضا على القبول والموافقة، فسُمِّي بذلك لأنَ فيه إعراباً لعقد البيع، لِئلا يملكه غيره بشرائِهِ. (النهاية لابن الأثير:3/ص202، عون المعبود: 9/ص289).

– الحكم الشرعي: وقد أجازه بعض أهل العلم، وهو الراجح كما هو مبين في كتب الفقه المقارن، وهو الرأي الذي انتهت إليه كثير من المؤسسات العلمية الشرعية، ومنها قرار “مجمع الفقه الإسلامي”، المنعقد في دورة مؤتمره الثامن، ببروناي دار السلام، من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 ـ27 يونيو 1993م.

– شروط التجويز: واشترطوا لإجازته شرطين أساسين:

الأول: أن تقيد فترة الانتظار بزمن، دفعا للتماطل الذي لا مبرر له في البياعات، وحسما للنزاع بين أطراف العملية المالية.

الثاني: أن لا يأخذ الطرف الثاني من العربون أكثر من مقدار الضرر إذا تم التراجع عن إتمام الصفقة. وهذا الاختيار الفقهي كله في الحالة العادية للناس.

– حالة الظروف القاهرة: وأما في حالة الظروف القاهرة كحالة جائحة وباء كورنا التي فرضت على الناس التوقف عن ممارسة أعمالهم بطريقة اعتيادية، وألزمتهم الدول بإيقاف جميع الأنشطة أو غالبها حذرا من انتقال العدوى وتفشيها، بما يكون من عدم تقييد الحركات من حصد للأرواح، ومزيد من الآلام التي لا تتوقف إلا باتباع النصائح الطبية والأمنية في هذا الباب.

هذه الحالة الاستثنائية التي قهرت من دخل قبيل الجائحة في تسليم العربون، ويفاجئون بالحجر الصحي في البيوت، قد أحال سؤال الناس إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عن حكم هذا العربون بالنسبة للطرفين معا، هل تجري عليه أحكام الحالة العادية؟ أم أن هذا القهر وفق إرادة هؤلاء مما لا يحل معهم ذهاب ما قدموه عربونا؟

وإن لجنة الفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بعد اجتماعها للنظر في الأسئلة الواردة عليها، وبيانا منها للحكم الشرعي الذي يبحث عنه عموم المسلمين، فإنها تقرر ما يلي:

1- تنصح عموم المسلمين بالتسامح في معاملاتهم التي دخلت في باب الظروف القاهرة، وتبين أنه لا يليق بالمسلم شرعا أن يستغل ظروف القهر للتربح، اتباعا لتعاليم الإسلام في الترفق، ومنها قوله تعالى: “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”.(البقرة:188(، “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”.(النساء:29)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى”. (البخاري: باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف، حديث رقم:2076)، وقوله عليه الصلاة والسلام:(من أقال مسلما أقاله الله عثرته). (سنن أبي داود: باب فضل الإقالة، حديث رقم:3460. ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).  ومن تم لا يجوز له أن يأخذ شيئا من العربون، فإنه لا يحل له.

2- وترى اللجنة أنه إن تيسر للطرفين تأجيل إتمام المعاملة إلى ما بعد ارتفاع الجائحة والوباء على الناس، ورفع الدول والحكومات الحظر عن الشعوب، فحسنٌ. وهو الأفضل للطرفين معا. لأن مقدم العربون لا يعد متراجعا عن إتمام ما دخل فيه، ولكن الظروف القاهرة له ولغيره من عموم الناس، هي المانع من كل ذلك.

3- وإذا تعذر التسامح والحوالة إلى أيام السعة والأحوال العادية، فإن على المعنيين الرجوع إلى خبراء بلدهم، وإلى الجهات المختصة في قضايا النزاعات، لتقدير ما يجب في حق كل حالة على حدة. وفي جميع الأحوال نرغب المتعاملين بالعربون ملازمة الإحسان الذي يحب الله تعالى أصحابه المحسنين، ولا سيما في مثل هذه الضائقة الشديدة والجائحة العظيمة، قال تعالى: “وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”.(البقرة:195). وقال عز وجل: “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”.(فصلت:34).

والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. والحمد لله رب العالمين.

 

[1] – الدكتور يوسف القرضاوي، “الإجارة المنتهية بالتمليك كما تجريها المصارف الإسلامية”، (مكتبة

وهبة، الطبعة الثالثة: 1415هـ-1995م). الصفحة: 22.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.