منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقارنة بين كتاب معجم العين و كتاب لسان العرب

0

مـــقــدمـــة:

لقد كانت اللغة العربية تأخذ من أفواه العرب مشافهة، وكان العرب الأوائل يقصدون البوادي لتعلم اللغة العربية الفصيحة، ولم يكن لهم داع أو اهتمام بجمعها ما دامت مجموعة في صدور العرب و مدونة في الأشعار، لكن انفتاح العرب على غيرهم ودخول أجناس أخرى إلى الإسلام كما فرض ضرورة التقعيد للغة من أجل صيانة اللسان من الزلل، فإنه فرض ضرورة جمعها وترتيبها وحفظها من الضياع من خلال وضع قواميس اللغة العربية، حيث شهد القرن الثاني بداية نشاط فكري واسع، حيث ظهرت مؤلفات كاملة في مختلف العلوم الإسلامية والعربية، ففي ميدان الحديث ظهرت موطأ مالك كما ظهرت بجانبه من ناحية أخرى سيرة ابن إسحاق، وكتاب النحو لسيبويه ومن قبل كل هذا ظهر معجم العين في اللغة للشيخ الخليل بن أحمد الذي كان له الفضل أيضا في وضع علم العروض في اللغة العربية، وكما توالت الكتابة والتأليف في صنوف اللغة من نحو وبلاغة، تنبه علماء آخرون إلى أهمية العمل الذي بدأه الخليل فاستفادوا منه وطوروا تجربته فظهرت معاجم أخرى منها معجم لسان العرب لابن منظور.

فما هي الطريقة التي تفرد بها كل من المؤلفين؟ وأي المؤلفين يمكن الاستفادة منه أكثر؟

المبحث الأول: معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي

1-التعريف بالمؤلف ودواعي التأليف:

المزيد من المشاركات
1 من 12

ولد الخليل بن أحمد عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي في مدينة عمان سنة 100 هـ، ونشأ بالبصرة وتلقى تعليمه بها، درس الحديث وفقه اللغة، وقد تتلمذ على يد عيسى بن عمرو وعمرو بن العلاء وغيرهما، وقد عرف بورعه وانشغاله بطلب العلم والارتقاء باللغة العربية، فكان من تلامذته البارزين في اللغة” سيبويه”، وكان له الفضل في وضع علم العروض مستفيدا من درايته بالموسيقى والنغم، إضافة إلى العلوم الشرعية والرياضيات، فقد كان عالما موسوعيا، ولقد ساعدت عبقرية الخليل وتفوقه في الإحاطة باللغة العربية -التي كانت صرحا شامخا لا يطال تسلقه إلا النوابغ-أن يقتحم لجة بحر جديد آخر في مجال اللغة هو وضع أول معجم لغوي، حيث كان اللغويون المعاصرون للخليل يجمعون الكلمات الصعبة معانيها في كتيبات أو رسائل يسهل شرحها، وكان هذا النوع من الكلمات يعرف بالغريب، فكان كل كتيب أو رسالة يبين معاني مجموعة من الكلمات تدو رحول موضوع واحد، فكان أن انتهج الفراهيدي منهجا جديدا ومبتكرا في هذا المجال. و”تطلق كلمة (معجم) في الاصطلاح على الكتاب الذي يضم مفردات اللغة أو أغلبها على ترتيب معين، أما في اللغة فتدور كلمة معجم على معنيين: أولهما: الخفاء والإبهام أو تنقيط حروف اللغة العربية وتشكيلها وتأتي بمعنى الإيضاح والإبانة”([1])

2-طـريـقـته:

«لما فسدت ملكة اللسان العربي، في الحركات المسماة عند أهل النحو بالإعراب، واستنبطت القوانين لحفظها كما قلنا، ثم استمر ذلك الفساد إلى موضوعات الألفاظ…، فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين…، فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين. وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي، ألف فيها كتاب العين، فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها، من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي” ([2])

وجد الخليل أن الطريقة السائدة في عصره فيها نوع من النقص من تكرار وعدم التأكد من استيفاء كل المواد، فحاول تحقيق هدفين:

الأول: معالجة جميع مفردات اللغة وموادها وشرحها.

الثاني: وضع نظام يجنب التكرار.

فقد فكر الخليل في حصر الكلام بطريقة رياضية، فالعربية تتألف من ثمانية وعشرين حرفا، وهي بدورها تؤلف كلام العربية، فحرف الألف نضربه بسبعة وعشرين حرفا فنحصل على سبعة وعشرين كلمة ثنائية تبدأ بالألف مثل: أب، أم…الخ، كما نحصل على مقلوب هذه الكلمات بسهولة فيستقيم عندنا أربع وخمسون، وكان يذكر الكلمات المؤلفة من حرفين متماثلين مرة واحدة. وعندما أراد أن يرتب معجمه ترتيبا أبجديا هداه تفكيره على الترتيب الصوتي، ولم يبدأ بالهمزة أو بالألف ولكن بدأبالعين لأنها أعمق الحروف مخرجا، ولذلك سمى معجمه “العين”، ورتب الخليل الأبجدية إلى مجموعات صوتية كما يلي:( ع-ح-ه-غ-خ)(ق-ك)(ج-ش-ض)(ص-س-ز)(ط-ت-د)(ظ-ذ-ث)(ر-ل-ن)(ف-ي-م)(ء-ى-و).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

وقد بنى ترتيبه لمعجمه على أربعة مبادئ:

– أولا: رتبه ترتيبا أبجديا، عكس ما كان موجودا في عصره حيث كان النقلة والمصنفون يرتبون كتيباتهم بحسب موضوعاتها ومعانيها، وبهذا يكون الخليل بن أحمد مبتكرا وسباقا في هذا الموضوع أيضا.
– ثانيا: نظم كلمات معجمه تبعا لحروفها الأصلية بقطع النظر عن الأحرف الزائدة فيها، وهذا المبدأ ظل متبعا في كل مراحل تطور المعجم العربي في عصر الخليل إلى عصرنا هذا، حيث نجد ذلك مجسما في معاجم المجامع اللغوية والعلمية القاهرة ودمشق وبغداد

– ثالثا: خضع تبويب الكلمات لنظام الكمية حيث تسجل الأصول على الشكل التالي:

الثنائي – الثلاثي – الصحيح – الثلاثي –المعتل-اللفيف-الرباعي – الخماسي المعتل –رابعا: عالج في معجمه الكلمة و مقلوباتها في موضع واحد.” رتب هذه الأبنية بنظام يسمى نظام التقليبات أو الترتيب التقليبي، وهذا ليتمكن من حصر المواد التي تنشأ من حروف المادة فالثنائي ينشأ عنه مادتان(عد-دع) و(قد-دق). والثلاثي ينشأ عنه ست مواد( عبد-بعد- بدع- دعب- دبع- عدب)..”[3]

وقد سمى الخليل كل حرف كتابا، ثم وضع عنوانا تحته حمل اسم الحرف الذي عنون به الكتاب، ثم بوب هذا الحرف ذاكرا معه الحروف التي تكون المادة، مثال: كتاب العين، حرف العين، باب العين مع الحاء والهاء والخاء والغين، باب العين مع الكاف، باب العين مع الجيم…

وتجدر الإشارة إلى أن جميع الذين ألفوا المعاجم من بعد الخليل بن أحمد قد اتبعوا نهجه هذا، ذلك النهج الذي وجد صدرا رحبا من لدن المستشرقين وأئمة اللغة وفقهها في الشرق والغرب.

3-ملاحظات ومآخذ:

مما يؤسف له أن معجم العين لم يصلنا بتمامه، فلم تصل إلينا منه إلا نتف من أخبار منثورة في بطون الكتب، كما وصلنا مختصر كتاب العين للزبيدي الأندلسي(ت378ه) الذي حافظ على الاستيعاب وحذف منه المهمل كله وكثيرا من شواهد المستعمل ولخصه للحفظ، ورغم العناية التي حظي إلا أن اللغويين كانت لهم بعض المآخذ، منها:

بعض التصحيف والتحريف في الكتاب: مثال ذلك مادة همع قال الخليل: الهميع الموت الوحى: قال: الزبيدي: الهيمع: الموت: مصحفة والصواب الهيمغ بالغين المعجمة.

لم يثبت كل الأبنية المستعملة في كلام العرب، وقد ألف بعض اللغويين كتبا يستدركون فيها ما أغفله الخليل على أنه مهمل وهو مستعمل.

استعماله ألفاظا لم تعرف عند غيره، مثل التاسوعاء، و هو اليوم التاسع من محرم.

انفراده ببعض الأبنية وتصريفات منكرة عند غيره مثل قوله:ليس في الكلام نون أصلية في صدر الكلمة، واستدرك عليه الزبيدي، بأنها جاءت كثيرا في صدر الكلمة نحو نهشل ونهبر ونعنع.

ورغم ما قيل عن كتاب العين يبقى بحق رغم وعورة مسلكه، وصعوبة البحث فيه صاحب الريادة في المعاجم العربية وطريقا إلى الدرس الصوتي عند العرب.

المبحث الثاني: معجم لسان العرب لابن منظور

1-التعريف بالمؤلف ودواعي التأليف

يكاد يكون”لسان العرب” أضخم المعاجم العربية وأشملها، وصاحب هذا المعجم هو أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن منظور الإفريقي الأنصاري(630ه-1232م) وقد اختلفت الأقاويل حول مكان ولادته بين مصر أو تونس أو ليبيا، كان محدثا فقيها، عارفا بالنحو واللغة والتاريخ، خدم في ديوان الإنشاء، وولي قضاء طرابلس.

وقد كان الحافز إلى تأليفه معجمه هذا هو شغفه الشديد باللغة العربية، فكان هذا دافعه بعد اطلاعه على كتب الأقدمين على استدراك ما فاتهم، بحيث حاول الجمع بين حسن الجمع وجودة الوضع، معتمدا في ذلك على مصادر لغوية، هي:

تهذيب اللغة، للأزهري.

المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده الأندلسي.

جمهرة العرب، لابن دريد.

الصحاح، للجوهري.

حواشي الصحاح، لابن برى

النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير.يقول ابن منظور في مقدمة كتابه:” ولم أجد في كتب اللغة أجمل من (تهذيب اللغة) لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من (المحكم) لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي، رحمهما الله،..”[4]، وقد عمد إلى جمع ما تفرق ما تفرق في هذه الكتب مع بسط القول فيه، ” وليس في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم، وبسطت القول ولم أشبع باليسير، وطالب العلم منهوم، فمن وقف فيه على صواب أوزلل، أوصحة أو خلل، فعهدته على المصنف الأول، وحمده وذمه لأصله الذي عليه المعول” [5]

 2-طـريقـته:

اعتمد ابن منظور طريقة الصحاح في ترتيبه لمواد معجمه، أي باعتماد حرف الكلمة الأخير بابا، والأول فصلا، ورتب معجمه وفق أحرف الهجاء، يقول ابن منظور” شرطنا في هذا الكتاب المبارك أن نرتبه كما رتب الجوهري صحاحه”[6] ، وقد استهل كتابه بمقدمة قصيرة، جعل بينها وبين المعجم بابين، أولهما جمع فيه تفسير الحروف المقطعة من بدايات سور القرآن الكريم، وثانيهما لألقاب الحروف وطبائعها وخواصها. كما جمع بين دفتي معجمه مادة موسوعية تشمل الأدب واللغة والشعر والحديث والتفسير والصرف والنحو، كما جمع المشتقات والتصريفات ووجوه المعنى والمشترك اللفظي وأسماء الأعلام والبلدان والحيوان والنبات. وتميزت طريقة ابن منظور في معجمه بسمات هي:

تجريده الكلمة من الزوائد، وجعل الحرف الأخير للباب ونظيره الأول للفصل، فكلمة سلم مثلا:تأتي في باب الميم، فصل السين.

إيراد الكثير من لغات القبائل، والنوادر، والتراجم، والأخبار.

العناية بضبط الألفاظ ضبطا صحيحا، مع ذكر علامات الضبط” في بعض الأحاديث ذكر إضم، وهو بكسر الهمزة وفتح الضا”د، أو إيراد الميزان الصرفي.

الاستدلال بشواهد من القرآن والحديث والأشعار مع نسبتها لقائلها.

الالتزام بما أورده السابقون في المصادر التي اعتمد عليها، وعدم مجاوزة النص، مع الأمانة في النقل، ” بل أديت الأمانة في نقل الأصول بالفص، وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص”[7]

التوسع في إيراد المعاني المختلفة للمادة الواحدة.

الاهتمام بالقواعد النحوية والصرفية.

3-ملاحظات ومآخذ:

وإن كان ابن منظور قد سعى جاهدا لتجاوز هنات الأقدمين، بالجمع بين الحسنيين: حسن الجمع وجودة الوضع، وانتقى منهجا سهلا ميسرا، إلا أن بعض الباحثين كانت لهم بعض الملاحظات والمآخذ، أهمها:

  • اضطراب التفسير والتكرار، فلأنه ينقل عن معاجم متعددة تقابلنا مثلا عبارات(لسان العرب) منقولة ثلاث مرات، عن مصادر(تهذيب اللغة والمحكم والصحاح)، ويقع في التناقض حيت يذكر المادة ومعانيها في كل مرة بشكل مختلف دون أن يذكر رأيه في كل مرة.
  • قصر نقله على خمسة مصادر وإهمال معاجم أخرى مثل الجمهرة والبارع والمقاييس..
  • نسبة الشواهد لغير أصحابها في بعض الأحيان.
  • خطؤه في ضبط بعض الألفاظ مثال:عَبَقَ والصواب عبِق.
  • الغموض في التفسير، وذلك بعدم الدقة في التحديد، أو الإطلاق في التفسير دون قيد، مثال:( الهنم: ضرب من التمر، وقيل التمر كله).
  • تفسير كلمة عربية بأخرى أجنبية، تحتاج هي أيضا على شرح.
  • عدم الالتزام بطريقة واحدة في ترتيب المواد اللغوية، إذ يبدأ مرة بالاسم ومرة بالفعل.
  • اتساع المادة الواحدة وكثرة الاستشهاد وتشعب الآراء، تعسر مهمة البحث عند الطالب.

خــــاتــمـة:

يصعب على الطالب أن يقارن بين كتابين متميزين، فالأول وهو العين كانت لمؤلفه الريادة في وضع المعاجم، فالخليل هو صاحب أول معجم في اللغة العربية، وقد فتح الطريق لمن ألفوا بعده، واعتمد تقسيما صوتيا هو مرجع لأهل التخصص في علم الصوتيات والتجويد، ومجال خصب لمن أراد أن يتوسع في اللغة ويصبر على طريقة الخليل الفريدة. وأما لسان العرب فهو موسوعة جامعة شاملة، سهلة المأتى يسيرة المنهج، وهي أيضا مرجع لمن أراد البحث المتزن الثري بالشواهد المتنوعة، فهما بحران زاخران لابد للمبحر فيهما من صبر حتى ستخلص ما ينفعه من لآلئ و جواهر ثمينة من مدرستين لغويتين مختلفتين، هما بحق مصدر فخر للعربية.

فهرس المصادر و المراجع:

  • ابن منظور، لسان العرب، طبعة مراجعة ومصححة، دار الحديث، القاهرة2003
  • أبو منصور محمد بن أحمد بن الزهر320ه، تهذيب اللغة تحقيق الدكتور أحمد عبد الرحمن مخيمر، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى2004م
  • عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون-كتاب المقدمة، تحقيق عادل سعد، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 2010م
  • مدحت عيسى، الثقافة اللغوية، إشراف: داليامحمد إبراهيم، نهضة مصر، الجيزة، الطبعة الأولى أكتوبر 2009م
  • شرف الدين الراجحي، في علم اللغة عند العرب ورأي علم اللغة الحديث، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، نونبر 2001م.

 في علم اللغة / شرف الدين الراجحي/ ص139[1]

 مقدمة ابن خلدون/ ص 471[2]

 في علم اللغة/ ص154[3]

 لسان العرب/ ص25[4]

 لسان العرب/ ص26[5]

 لسان العرب/ ص27[6]

 لسان العرب، ص26[7]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.