منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب: المرأة والمشاركة السياسية بالمغرب.

0

لقد تناول الكتاب قضية، رغم ما لها من المركزية في مسار الديموقراطية وتعزيز حقوق الإنسان, ورغم محوريتها في تحقيق التنمية الشاملة، إلا أنها شائكة تخضع للعديد من المتداخلات، مما يجعل الحسم فيها أكثر تعقيدا. فمسألة التمكين السياسي للمرأة وما يستتبعه من تغيرات ثقافية واجتماعية، ومن تغيرات على مستوى مراكز القرار والسلطة، تتطلب نضجا سياسيا، يعترف أن الانتقال الديموقراطي رهين بمسألة توسيع الفعل النسائي في إدارة الشأن العام، كما يتطلب إرادة حقيقية، تترجم من خلال نقل الخطب المتماهية مع ما يفرضه السياق الدولي، إلى خطط عمل على أرض الواقع، تسهم ليس فقط في التصدي للتمييز ضد النساء بسبب الجنس، وانتشالهن من حلقات التهميش، وإنما من أجل استثمار الطاقات النسائية لتكون رافعة للتنمية والتنمية المستدامة، وأعتقد أن الكتاب كان موفقا في لفت الانتباه، من خلال منهج نقدي هادئ ورصين وموضوعي اعتمد على الحجج والأرقام، إلى التفاوت الحاصل بين القوانين والخطب الرسمية أو الحزبية، وبين الواقع الذي يظل أدنى مستوى من أفق التطلعات، إذ تحكم فيه عاملان أساسيان، قواعد التنشئة بتفريعاتها التي تكرس الدونية كمعطى يرتبط بالأنوثة، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية سواء ممن يمتلك القرار السياسي، أو من يمتلك القرار الأخلاقي, وقد اعتمدت الدكتورة صباح العمراني في تناولها لقضية التمكين السياسي للمرأة، مقاربة النوع الاجتماعي كأداة لتحليل طبيعة العلاقات القائمة داخل المجتمع،وكيف تتحكم قنوات التنشئة في تقسيم الأدوار. وهي أيضا مقاربة أثارت الكثير من الجدل وأسالت حبرا كثيرا، ووسعت هوة التباعد بين الحركات الإسلامية والحركات النسائية الليبيرالية حيث احتدم الصراع الفكري والايديولوجي، ليظهر في أوجه بعد حدث خطة إدماج المرأة في التنمية، حيث أفرز الصراع الفكري اصطفافين متباينين بين مكونات المجتمع. وقد أزعم أن الدكتورة صباح امتلكت ما يكفي من الجرأة المطلوبة في الباحث وفي البحث العلمي، لتطرح مسألة التمكين السياسي للمرأة من خلال  مقاربة النوع الاجتماعي بالنطر إلى خلفية انتمائها إلى الحركة الإسلامية التي رفضت أغلب مكوناتها هذه المقاربة، لما تركته من تمثلات ارتبطت بحمولات فكرية وفلسفية راديكالية تبنتها مجموعة كبيرة من مكونات الحركة النسائية في الغرب. حيث رفضت الثابت وتمسكت بكون كل شيء خاضع للتغيير حتى الجنس، وبأن مبدأ الثبات مرتبط فقط بالسلطة الأبوية المتحكمة، وتكرسه التنشئة من خلال قنواتها لإعادة إنتاج نفس الثقافة حفاظا على مراكز الهيمنة والإخضاع.

كتاب المرأة والمشاركة السياسية بالمغرب، كتاب متوسط الحجم، عدد صفحاته 352صفحة. قسمته المؤلفة إلى قسمين، وكل قسم إلى فصلين، وكل فصل إلى مبحثين، وكل مبحث إلى مطلبين، وكل مطلب إلى فقرتين. في ازدواجية تحاكي ازدواجية سؤال/جواب، وكأنها تطرح الفكرة بين طرفي الموجود والمطلوب، للمقارنة بين البروباكاندا اللامعة من خلف الشعارات المرفوعة، ودهاليز الحقيقة التي تبطل مفعول السحر في الخطابات، وأما العنوان فقد كان منسجما مع مضمون الكتاب، حيث ابتدأ ب”المرأة” كخبر لمبتدإ محذوف, والواو واو عطف يفيد الاشتراك في الحكم, والمشاركة التي نعتها السياسية، اسم معطوف على المرأة، والمعطوف والمعطوف عليه يكونان على نفس الدرجة إذا كان العطف بالواو. وبذلك يصبح للعنوان وظيفتان: التصريح بحكم وإرجاء آخر للفصل بعد قراءة الكتاب. فأما الحكم المصرح به فهو أهمية المرأة كفاعل أساسي ومشارك في العملية السياسية من خلال طرحها في مقابل المشاركة السياسية، وأما الحكم المتروك للتداول فهو إرجاء تقييم المشاركة السياسية للمرأة في المغرب إلى ما بعد الاطلاع على تم طرحه بين صفحات الكتاب، دون أحكام مسبقة قد تكون نتيجة التأثر بأي عامل خارجي موجه لإرادة الإنسان. ثم إن العنوان طرح السياسة كعمل مشترك وليس كفعل منفرد، فالعمل السياسي لن يكون فعلا بانيا لأسس التنمية إلا من خلال المشاركة بديلا عن الاستفراد. أما غلاف الكتاب فقد غلبت عليه مساحات البياض الذي يوحي بأن الإشكالية التي تطرحها الدراسة، لاتزال تتسم، رغم ما أسالت من حبر، بالكثير من الفراغ الذي ينتظر الكتابة على ورقه الأبيض، ويتطلب المزيد من الخوض في غماره. وتتوسطه لوحة تعكس الكثير من التشابك والتعقيد، فكأنما تعكس محاولة الكاتبة لفك بعض رموز وطلاسم هذا التعقيد الذي رافق مجمل قضايا المرأة. وتلك أولى الرسائل التي تقرؤها أول تسائل غلاف الكتاب وعنوانه، قبل الخوض في مضمونه حيث تصدرت مقدمتان. كل منهما على قدر من الأهمية: فالمقدمة الأولى، لمدير مركز بن غازي الدكتور إدريس مقبول، أوجز من خلالها مضمون الدراسة، وتحدث عن خلاصاتها وأشاد بأهميتها وبقيمتها العلمية. أما المقدمة الثانية، فلصاحبة الدراسة موضوع الكتاب، وقد شكلت توطئة للقضايا التي ستناقشها فيما يستعرض من فصول ومباحث ومطالب: كقضية تمكين المرأة ومحوريتها في خلق التوازن داخل المجتمع وإدماج مقاربة النوع الاجتماعي كمؤشر لتقييم نجاعة خطط وبرامج التنمية. وبالتالي الحد من العوائق التي تفرز وضعيات التفاوت وعدم الإنصاف، والسياقات السياسية التي دفعت المغرب للانخراط في محيطه الإقليمي والدولي عبر المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات الهادفة إلى إنصاف المرأة وكان أهمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة المعروفة اختصارا ب”سيداو”. كما تطرقت المقدمة إلى تحديد هدف الدراسة الذي تجلى حسب صاحبته في: ” استعراض التجربة المغربية لإدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية” ص12. وقد استدعى ذلك الوقوف على مجموعة من المفاهيم المؤطرة لموضوع الكتاب حتى لا يعتريها اي غموض من شأنه أن يشوش على القارئ، كمفهوم المشاركة السياسية، ومفهوم مقاربة النوع الاجتماعي ومفهوم التمكين.

في القسم الأول من الكتاب والمعنون ب”مقاربة النوع الاجتماعي والمشاركة السياسية في المغرب”،  تطرقت الدكتورة صباح العمراني إلى الدواعي الموضوعية التي لفتت الانتباه إلى أهمية اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي في تحليل وتقييم السياسات العمومية، وقد تمثلت هذه الدواعي في واقع التهميش والإقصاء بسبب النظرة الدونية للمرأة كفاعل سياسي ومجتمعي، وكيف أسهمت الحركة النسائية المغربية من خلال نضال مستميت إلى تصدير قضايا المرأة للواجهة بوصفها شريكا في عملية التنمية، إضافة إلى ما دفعت إليه سياقات دولية حتمت دخول المغرب في دينامية عالمية من خلال مجموعة من الاتفاقيات. مما حدا بالفاعل السياسي إلى بلورة شروط الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان, عبر مأسسة مقاربة النوع وتبني إصلاحات تشريعية تهدف إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، والتي ظلت دون المستوى المطلوب رغم الخطط والبرامج والتشريعات، بسبب الكوابح التي جسدتها الخلفيات الثقافية والاجتماعية والسياسية بحسب ما جاء في هذا القسم الذي تطرق في فصل أول إلى : الإطار العام لإدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية، وفي فصل ثان إلى النوع والمشاركة السياسية: الاكراهات والرهانات. فكان لزاما أن تعرج على الحديث عن السياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجت مفهوم النوع الاجتماعي الذي اعتبرته حركات النضال النسائي قاعدة للدفاع عن قضاياها، وكيف تحمل هذا المفهوم موازاة مع التطورات التي عرفتها الحركات النسائية، حمولات فكرية وفلسفية زيادة على مضمونه الأصلي من خلال علم الاجتماع الذي أنتجه، ليعرف منعطفا ثوريا جسد تمرد المرأة ضد القواعد الاجتماعية واعتبارها أن الفروق الجندرية صناعة ثقافة بفعل عملية التنشئة وليست صناعة الطبيعة. وهذا ما كانت أكدت عليه آن أوكلي في كتابها الجنس الآخر، مما حدا بجزء كبير من الحركة النسائية في الغرب إلى التطرف، واعتبار الرجل سلطة مهيمنة تمثل تاريخيا حقبة طويلة من معاناة المرأة واستعبادها. هذا الإرث الثقيل الذي كرس النزعة الصراعية وجعل القيم كلها في سلة واحدة دون تمييز، هو ما دفع المجتمعات المحافظة إلى مقابلته بنفس التطرف حيث رفضته جملة وتفصيلا. والمغرب كباقي الدول الإسلامية واحد من هذه المجتمعات التي لها تمثلات سيئة عن مقاربة النوع، وتجلى ذلك على وجه الخصوص في أوج الخلاف حول خطة إدماج المرأة في التنمية، التي اعتبرت وقتئذ معول هدم للأسرة والقيم المجتمعية… لكن الموقف الرسمي عبر عن إرادة قوية في مشاركة النساء سياسيا عبر انخراطه في مجموعة من الاتفاقيات الدولية، وعمل على مواءمتها مع القوانين الوطنية عبر مجموعة من الإصلاحات التشريعية، كما استجاب المشرع إلى مجموعة من المطالبات النسائية، لتنهي هذا القسم بخلاصة مفادها: أن المسافة مازالت بعيدة بين التوجهات العامة المعبر عنها من خلال الدساتير المتعاقبة وآخرها دستور 2011، والتي أكدت جميعها على مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، وبين التمثيلية الهزيلة للمرأة في المؤسستين التشريعية  والتنفيذية أوفي الجماعات الترابية، خاصة على مستوى مراكز القرار. ويمتد عمق هذا الخلل حتى إلى الأحزاب والتنظيمات المدنية، مما يؤكد أن المعيقات التي تحول دون المشاركة السياسية للمرأة أكبر من سلطة القوانين، بل ترتبط أساسا بالتركيبة الاجتماعية التي تفرزها قنوات التنشئة المكرسة لقيم ثقافية وتصورات نمطية سلبية حول تواجد المرأة كفاعل سياسي، ولا ترتبط هذه النظرة بفئة يعمها الجهل والأمية، بل أصبحت نمط تفكير للمجتمع بأكمله انعكس على السياسة وتوجهاتها.

وفي القسم الثاني من الدراسة المعنون ب”تجليات تبني مقاربة النوع في السياسات العمومية، تحدثت في فصل أول عن” الاستراتيجيات والخطط الوطنية التي تبنت النوع، كالاستراتيجية الوطنية من أجل الإنصاف والمساواة بين الجنسين سنة 2006، والتي قدمت خمس مستويات للتدخل: الحقوق المدنية، التمثيلية في مراكز اتخاذ القرار، الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، السلوكات الفردية والجماعية، والوسائل والآليات لترسيخ قيم الإنصاف والمساواة.  تلتها الخطة الحكومية للمساواة في أفق المناصفة 2011، اشتملت على تسع مستويات للتدخل اعتبرت ذات أولوية من بينها: ولوج متساو لنظام تعليمي جيد، وخدمات صحية، بنيات تحتية، فرص التشغيل، محاربة كل أشكال الفقر والهشاشة في صفوف النساء خاصة في الوسط القروي والعمل على نشر ثقافة المساواة ومحاربة الصور النمطية التي تكرس التمييز ضد المرأة. أيضا من الخطط التي تبنتها الدولة مستندة إلى مقاربة النوع: الميثاق الوطني لتحسين صورة المرأة في الإعلام والذي يهدف إلى الارتقاء بصورة المرأة من خلال وسائل الإعلام، عبر نشر ثقافة احترامها ومناهضة التمييز ضدها، مستندا في مرجعيته كما جاء في الصياغةإلى أحكام الشريعة الإسلامية في صيانة حقوق المرأة والدستور المغربي الذي أقر مبدأ المساواة والاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية. كذلك عبر إنجاز دراسات وتقارير بالإضافة إلى الآليات القانونية والمؤسساتية، كإصلاح مدونة الأسرة باعتباره مدخلا للتمكين من خلال سن مجموعة من القوانين التي أعادت الاعتبار للمرأة بصفتها إنسانا كامل الأهلية. ومن خلال مأسسة النوع الاجتماعي عبر إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. لتختم الفصل الأول بأن الجهود المبذولة من خلال الخطط والاستراتيجيات الهادفة للنهوض بأوضاع المرأة ، على أهميتها، لم تحقق النتائج المرجوة التي ماتزال بعيدة عن واقع التنزيل، وبأن ورش إدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية يحتاج مجهودا كبيرا لاستيعاب مدى أهميته في مسار البناء الديموقراطي، وإن القوانين والخطط والاسراتيجيات  وحدها غير كافية لإحداث طفرة نوعية على مستوى الواقع، إن لم تقدها إرادة الفاعل السياسي بإشراك المرأة تنظيرا وتسطيرا وتفعيلا.

وفي فصل ثان معنون ب”تدعيم الآليات الاجتماعية والاقتصادية المستجيبة للنوع الاجتماعي” وذلك من خلال المدخل الوقائي من جهة، متمثلا في تعميم التعليم للفتيات كحق أساسي ضمن منظومة حقوق الإنسان وكوسيلة من وسائل التنمية، وذلك عبر إصلاح منظومة التربية والتكوين من خلال الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي.  إذ بالرغم من كل الملاحظات بشأنهما، إلا أنهما عبرا عن استجابة الفاعل السياسي لنتائج التقارير التي تحدثت عن تهالك منظومتنا التعليمية واعتلالاتها، ومن ضمن ما جاءت به هذه التقارير نسب الهدر المدرسي كظاهرة ترتبط خاصة بالفتيات وعلى الأخص القرويات منهن بسبب التمييز الذي يؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص بين الجنسين،  وبسبب الثقافة التي ترى في الفتاة مستقبل ربة بيت لا حاجة لها بالتعليم,، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية والبنيات التحتية الداعمة. ودائما في المدخل الوقائي، ضمان الولوج المنصف للخدمات الصحية وفقا لتبني الخطة الحكومية للمساواة في أفق المناصفة، من خلال الخدمات الصحية المقدمة للأم والتكفل خلال فترة الحمل.  إضافة إلى الجهود المبذولة لمحاربة السرطان والقضاء على الأمراض المنقولة جنسيا…ثم عبر دعم السياسات الاجتماعية من خلال إحداث صندوق التكافل العائلي وصندوق دعم الأرامل.

المزيد من المشاركات
1 من 20

ومن جهة ثانية، سعت الدولة في جانب التمكين الاقتصادي، إلى إدماج مقاربة النوع عبر جندرة الميزانية التي يجب أن تضع في الاعتبار قضايا النوع وتبرمج خططها وفق ما يصب في تقوية مبدأ الإنصاف والمساواة، كما سعت إلى دعم مشاريع وأنشطة مدرة للدخل لفائدة النساء، خاصة عبر الاستفادة من ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وفي خاتمة القسم الثاني كما في الأول، نستخلص أن المغرب يمشي بسرعتين على قدر كبير من التفاوت، ينعكس ذلك من خلال شساعة الهوة بين التطور القانوني والتطور الاجتماعي.

وفي خاتمة الكتاب تطرقت مؤلفته إلى مجموعة من الخلاصات شكلت زبدة ما تمخضت عنه الدراسة. ولا أريد أن أخوض كثيرا في مضامين الكتاب الكثيرة أو أن تدفعني قراءته إلى هاجس تلخيصه، حتى لا أقطع على القارئ متعة التشويق المغري بالاطلاع على هذا البحث القيم لمن تهمه قضايا المرأة خاصة,وقضايا السياسة ومداخل الإصلاح الديمقراطي بشكل عام. فهو بحث يستحق المطالعة، خاصة بالنظر إلى تناوله الهادئ لقضايا ساخنة. وهو في الحقيقة هدوء يعكس شخصية صاحبته، الدكتورة صباح.

خلاصات:

– والكتاب بعد قراءته يدفع إلى التفكير في جملة من الخلاصات، تحيلنا بداية إلى السياق الدولي الذي دفع المغرب إلى الانخراط في مسيرة تحقيق المساواة وإقرار دولة الحق والقانون على مستوى النصوص، بناء على توصيات الجهات المانحة، والسياق المحلي الذي أصبح له نفوذه من خلال آليات الضغط والاحتجاج للحركات النسائية المرتبط بفكر أصبح كونيا بفعل العولمة عابرا للحدود.

– الكتاب يحمل اعترافا بمجهودات الحركة النسائية المغربية التي نجحت إلى حد ما في جعل قضايا المرأة تتصدر الواجهة وتحظى بالاهتمام الرسمي، استنادا إلى ما راكمته من كم نضالي أسهم في توجيه السياسات وتعديل القوانين.

– أكيد أن الكتاب لم تقصد منه صاحبته مجرد سياحة فكرية للقارئ أو مجرد تدافع في حلبة السياسة، إنما قراءته توحي بهاجس حملته الدكتورة صباح مثل الكثيرات من المنتميات للمشروع الإسلامي. هو هاجس الإجابة عن سؤال العدالة والإنصاف من خلال تثمين المكتسبات من جهة، ومن جهة ثانية إدراك الحكمة فيما وصل إليه الفكر الإنساني الذي يعتبر مشتركا لا جنسية له، دون أحكام مسبقة تفوت فرصة استثمار هذا الإرث وتقييمه وتقويمه، في إطار التوفيق بين المرجعية التي تمثلها المؤلفة كأصل ثابت، والنموذج الذي تقدمه حركات النضال النسائية، خاصة وأن المشروع الإسلامي، وإن كان يعتمد على الأصول المرجعية التي تؤكد على مبدأ الإنصاف والعدالة، إلا أن الجمود الفقهي الذي ارتهن لمفهوم الفتنة ومبدأ سد الذرائع وجعل الاجتهاد الفقهي فيما يتعلق بقضايا المرأة متخلفا عن مبادئ الشريعة وأصولها، وبالتالي لم يعط نموذجا يجيب عن أسئلة الإنصاف المرتبطة بالواقع والتي لايزال يتناول تقييمها في إطار عام، سواء من ناحية الأجوبة أومن ناحية النقد للفكر الغربي الذي بالغ في أحيان كثيرة دفعت إلى حد التطرف والمغالاة، واختزل مظلومية المرأة في حدود الصراع مع الرجل بما قد يهدد تماسك النسيج الاجتماعي. إلا أنه برع في صياغة نموذج أكثر واقعية يجتذب اهتمام المقهورات والمهمشات، وفرض نفسه بما حقق من مكتسبات ارتبطت بالتمكين السياسي للمرأة ويسر ولوجها لمراكز القرار، فاستطاعت بالتالي الدفاع عن مصالحها فيما يلي ذلك ويتبعه.

– من الخلاصات أيضا أن ما يتذرع به في غياب المرأة عن دوائر صناعة القرار، غياب وجود الكادر النسائي القادر على مهام الإدارة والتسيير. والحقيقة عكس ذلك، فمن خلال الجهود التي بذلت في تقديم الخطط المتعلقة بإدماج النوع في السياسات العمومية والتي أظهرت الكثير من القوة على مستوى المقترحات وعلى مساوى آليات التنزيل وعلى مستوى الكم الهائل من الأرقام والمعلومات التي تأسست عليها التقارير، والذي كان من حصاد عمل الحركة النسائية ، وبقيادة نسائية. يظهر أن الكادر النسائي يتمز بكفاءة عالية وعلى قدر كبير من الالتزام والمسؤولية في الانخراط الفاعل. والأكيد أن هناك  العديد من الكفاءات المغمورة التي يطويها حصار العقليات التي لا ترى في المرأة إلا ربة بيت في إطار شروط معينة يضعها المجتمع بعيدا عن العمل السياسي.

– وبالنظر إلى مساحات الفراغ المهول بين الموجود والمطلوب، حيث أن الكتاب يشير في خاتمة كل قسم أو فصل أو مبحث إلى نقض الجدوى من الجهود المبذولة. وبالتالي  يمكن اعتبار الإصلاحات القانونية، على أهميتها، قليلة الفاعلية في غياب ديمقراطية حقيقية وشاملة يحترم فيها الإنسان بغض النظر عن جنسه. هذا المدخل الديمقراطي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال تغيير جذري للأفكار والذهنيات التي تعتبر أصلا للأفعال، وإرادة سياسية تتجاوز ضيق المنافع الذاتية إلى وسع المصالح الجامعة. فبالنظر إلى حجم الجهود المبذولة والميزانيات المرصودة مقارنة مع ضآلة الحصيلة التي لا تلامس المأمول،  يظهر أن الخلل يتعلق بالإرادة ولا يتعلق بالشعارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.