منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا أغلقت المساجد وتم حظر التجول، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « لا عدوى »؟

اشترك في النشرة البريدية

تمهيد

إن مما يؤسف له في ما يجري ببلادنا من هجوم فيروس كورونا، غياب صوت العلماء والدعاة، أو لنقل على وجه التحديد خفوته، توجيها وإرشادا للحائرين، وطمأنة واحتضانا للتائهين، وكأن مهمة العلماء والدعاة والأئمة انتهت بغلق المساجد، وكأن الشريعة قاصرة ـ والعياذ بالله ـ عن الإجابة على قضايا الناس وهمومهم في كل زمان ومكان.  وإنما هي في الحقيقة فرصة عظيمة ساقها الله تعالى إن أحسن الدعاة استغلالها، يرجع فيها الناس إلى ربهم، ويصطلحون معه ويتوبون؛ هذا الغياب، فتح مجالا لبعض الحداثيين المتنطعين أن يزايدوا على الإسلام وأهله ويسخروا ممن يدعو إلى الدعاء، إذ لا صوت يعلو اليوم فوق صوت علماء الفيروسات وأرباب المختبرات .

وبعيدا عن الرد على من جعل ديدنه الهجوم على جميع مظاهر إسلام الناس وإسلاس قيادهم لله رب العالمين، وتوكلهم عليه ولجوئهم إليه، ارتأيت في هذا المقال أن أستحضر نازلة من نوازل « المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب »، وأذكر ما أجاب فيها فقيه مالكي، بما قد ينفعنا فيما يحدث اليوم ببلادنا، ويجيب عن سؤالنا المفترض، الذي جعلناه عنوانا، يجيبنا من ذلك الزمن ـ مع اعتبار الفارق بين طواعين زمانهم وأوبئة هذا العصرـ في انتظار أن يقوم لهذا الأمر أهله ويجيب عن أسئلة الناس اليوم علماء زمننا وبلدنا، وهم الأقدر والأجدر.  نسأل الله تعالى العافية لوطننا وأمتنا وللبشرية جمعاء.

 لماذا أغلقت المساجد وتم حظر التجول، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « لا عدوى »؟

من المواضيع التي تجند لها بعض المشارقة ، الإنكار على غلق المساجد خلال هذه الجائحة، وقد قرأت للدكتور حاكم المطيري الكويتي فتوى طويلة جعلها في شكل بيان يلقيه للناس من خلال موقع تويتر، يحتج فيه على هذا الإجراء ويستند إلى حديث صحيح، هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا عدوى » وقد وجدت في نوازل الونشريسي مسألة تجيبنا إن شاء الله تعالى عن هذا السؤال.

المزيد من المشاركات
1 من 13

جاء في نوازل المعيار: « وسئل أيضا (الأستاذ أبو سعيد بن لب) ، عن الوباء وفرار الناس بعضهم من بعض فيه؟ فأجاب بأن قال : حديث « لا عدوى ولا طيرة »[1] وحديث: «  لا يحل المُمْرِضُ محل المُصح حيث شاء » وحديث : «  فِر من المجذوم فرارك[2] من الأسد » وهو في البخاري، مع قوله: لا عدوى في حديث واحد .» [3] ثم استرسل الشيخ رحمه الله تعالى يذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:

أـ المذهب الأول:  معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى، نفي للطِيرة.

قال شيخنا رحمه الله : « إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « لا عدوى ». لا يعدي داء أبدا، نفي لوجود ذلك، ووقوعه بطريق العموم، فينفي أن تكون، وقد أدخل مالك في الموطأ، هذا الحديث تحت ترجمة الطيرة، التي معناها: أن مكروها يجلب مكروها، أو يسببه، فصارت العدوى تجتمع مع الطيرة في معناها ، بهذا التنظير . »[4]

 

ب ـ المذهب الثاني:  معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى، نفي  لأحكامها التي كانت في الجاهلية.

قال شيخنا رحمه الله تعالى: «  المذهب الثاني: أن يكون قوله عليه السلام « لا عدوى » نفيا لأحكامها التي كانت للجاهلية، بناء على اعتقاد صحتها في زعمهم، لا نفيا لوجودها، فلم يتعرض الحديث للوجود ، لكنه تعرض للأحكام العلمية، ويبقى الوجود الله أعلم بحقيقته، لأنه من علم الغيب. » [5]

ثم تطرق رحمه الله تعالى لمقصد هذا الحديث بهذا المعنى الذي أشار إليه، وهي ألا يجتنب الناس بعضهم بعضا، إذ كان من أحكام الجاهلية أن تُتَّقى مؤاكلته أو مساكنته حذرا أن يعدو ما به إليك ..

 

ج ـ المذهب الثالث:  معنى قوله صلى الله عليه وسلم « لا عدوى » ، نفي التأثير والفعل، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه .

قال شيخنا رحمه الله تعالى متحدثا عن هذا المذهب الثالث: «  قوله عليه السلام: لا عدوى ، معناه : نفي أن يكون لشيء من الأشياء عدوى في شيء بالتأثير فيه، والفعل، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه، فأبطل اعتقاد الجاهلية للعدوى بوجه التأثير ، كما نفى أن يقال: مُطرنا بنوء كذا » على ما كانت الجاهلية تقوله من ذلك الاعتقاد.. » [6]

وهذه المذاهب التي أوردها الشيخ رحمه الله في فتواه، لا تنفي وجود العدوى، بقدر ما تنفي ما قد يعلق بها من الطيرة أو اعتقاد التأثير من المرض نفسه، وما قد ينتج عن ذلك من أحكام الجاهلين، من ترك تطبيب المريض وخدمته ومساكنته وغيرها .

ثم يتكلم الشيخ رحمه الله عن حديث: «  لا يحل المُمْرِضُ محل المُصح حيث شاء » وحديث : «  فِر من المجذوم فرارك[7] من الأسد » قائلا: « أمر الله بالبعد عن المجذوم كما تفر من الضرر، والمهالك، ووجوه المعاطب، فرارا من قدر الله إلى قدر الله. لسنا نخرج عن القدر كيف يتصرف أحوالنا، كما قاله الفاروق رضي الله عنه، ولذلك أيضا نهى أن يورد الممرض على المصح، لئلا تمرض الصحاح بفعل الله تعالى عند ورود الممرض، فتكون المرضى كالسبب في ذلك. »[8] إلى أن قال رحمه الله تعالى جامعا بين حديث « لا عدوى » و الحديثين السابقين: «  الذي يظهر لي ولا شك في صحته، أن العمل على شاكلة ذلك (أي البعد عن المجذوم وعدم اختلاط المريض بالمصح) إنما هو ما لم يؤد إلى تعطيل الفروض، وتضييع الحقوق، وسد أبواب المرافق، والمصالح على المرضى »[9]

والذي يظهر والله أعلم من هذه النازلة ربطا بغلق المساجد ببلادنا ومنع التجمعات، أن القرار سليم إذ العدوى واقع تثبته في زمننا خبرة الخبراء، وإنما يتعين اعتقاد الفعل من الله تعالى، لا من المرض نفسه، وهو ضابط مهم وتوجيه مبارك يجنبنا ويلات الطيرة والشرك عياذا بالله تعالى، ويردنا إلى الله تعالى توكلا ودعاء ويطفئ من نار الهلع وشدة الارتباك، « فقد قالوا في قوله عليه السلام: « المطعون شهيد » :إنه الصابر عليه، المحتسب أجره على الله، العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه، أما من جزع من الطاعون، وكرهه وفر منه، فليس بداخل في معنى الحديث »[10]   كما تنبهنا النازلة إلى واجب آخر يؤديه عنا مشكورين رجالُ الصحة ونساؤها، بارك الله في جهودهم، وهو واجب رعاية المرضى وتطبيبهم وعدم تعطيل حقوقهم وعلى رأسها ، حفظ أنفسهم.

ونختم هذا المقال بوصية مباركة من شيخنا رحمه الله تعالى، يقول: «  فوَصُّوا أهل تلك النواحي بالتوكل على الله، وإعمال الجد في توفية حقوق الله، وليقل من لا يسأل بعدا منهم، أو خالط مرضاهم ما جاء في الحديث في شأن الطيرة، فإنها لن تضره بفضل الله: « اللهم لا طير إلا طيرك[11]، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك »[12] إلى أن قال : « وليكن فيما يدعو به الناس هناك: ربنا أنت الله الذي لا إله إلا أنت، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا، وخطايانا، أنت رب العالمين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك »[13]

اللهم آمين ، والحمد لله رب العالمين.

[1] أخرجه البخاري (5757)، وأخرجه مسلم (2222) وأخرجه الترمذي (2143) وأخرجه أبو داود (3916) … وغيرهم

[2] أخرجه أحمد في مسنده (9429) وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (24912) وأخرجه ابن حزم في المحلى (ج3: ص 119)

[3] المعيار ، الونشريسي ج 8 ص 309

[4] المصدر نفسه، ص 309

[5] المصدر نفسه ص 312

[6] المصدر نفسه ص 313

[7] أخرجه أحمد في مسنده (9429) وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (24912) وأخرجه ابن حزم في المحلى (ج3: ص 119)

[8] المعيار ، الونشريسي ج 8 ص 312

[9] المصدر نفسه ص 314

[10] المصدر نفسه ص 315

[11] أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (ج 24: ص 201)

[12] المعيار ، الونشريسي ج 8 ص 315

[13] المصدر نفسه ص 317

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. رشيد يقول

    خطر لي فهم و الله اعلم مدى صحته ان المقصود من ( لا عدوى ) فيه نهي عن نشر العدوى اي لا تساهموا في إصابة غيركم بعدواكم
    و على هذا الفهم يترتب حكم تجنب زيارة من به عدوى أو مخالطته او ….حتى يحصر المرض في الشخص المصاب و لا ينقله لغيره
    و الله تعالى اعلى و اعلم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.