منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا اصطفت الأنظمة العربية مع الصهاينة لاقتلاع حماس؟

لماذا اصطفت الأنظمة العربية مع الصهاينة لاقتلاع حماس؟/المهدي اليونسي  

0

لماذا اصطفت الأنظمة العربية مع الصهاينة لاقتلاع حماس؟

بقلم: المهدي اليونسي

      اصطفت الأحزاب، وتحركت أساطيل الظلم برا وبحر وجوا، واستنفرت شياطين الجن والإنس وهرعت الأنظمة وتكالب الإعلام، وبكت عيون المنافقين، واختُلِق الكذب ودوت صفارة يوم القيامة، لمحاصرة بعض الكيلومترات من التراب عليها كائنات بشرية، لم يعرف العالم الحديث قط أشباههم ولا أمثالهم، أصبحوا في لحظة واحدة حديث الألسن وشواهد الصورة، وعناوين الأخبار والجرائد، وقدوة الأطفال، فيقف الإنسان مشدوها مستغربا: أَبِحَقٍّ أن تكون هذه الثلة بهذه القوة وبهذه الصلابة وبهذا التخطيط والتنفيذ، وهي المحاصرة ستة عشر سنة من البر والبحر والجو؟!! حطموا في  غفلة تاريخية قصيرة، وَهْمًا بناه الصيانةُ بإسمنت الفتك والقتل، وبدماء الألآف من الأبرياء والنساء والأطفال عبر عقود، وأسقطوا في برهة أصنام التكنولوجيا المتألهة، وأشعلوا في قلوب المطبعين والمستبدين وعَبَدَةِ كرسي الحكم رهبة، لم يعيشوا مثلها قط…

     ولئن كان موقف الغرب المنافق المجاهر بعداواته للإسلام والمسلمين، المصطف مع الصهاينة طولا وعرضا حتى في كذبهم وتزييف الحقائق، يبقى موقفا مقبولا نظرا لازدواجية المعايير عنده، ونظرا لتغليب مصالحه على الأخلاق والقيم والإنسانية، فإن الذي يشك فيه الإنسان هو : ماهية الأنظمة العربية التي تصطف سرا وجهرا مع الصهاينة في محاولة لاقتلاع حماس، بالسكوت المخزي لها، وبترك الوقت كافيا للصهاينة كي يبيدوا غزة بما فيها بما يفوق ثلاث مرات القنبلة الذرية التي ألقاها الإرهاب الأمريكي على الشعب الياباني خلال الحرب العالمية الثانية.. لكن يزول هذا الشك بسرعة عندما نعرف أسباب هذا  العداء الوجودي لحركة حماس من طرف الأنظمة العربية..، ولعل هذه هي أبرز الأسباب:

  • حماس والنموذج الإسلامي الخالد:

        بعد سيطرة حماس على قطاع غزة وقطع الصلة مع سلطة عباس العميلة، وإخراج عصابة دحلان منه، سطرت لنفسها ولشعب غزة مسارا يستمد مشروعيته من الشريعة الإسلامية، فاستثمرت أولا وأخيرا في الإنسان، عبر تعليم يعتبر الأرقى عربيا، لا على مستوى البرامج والأفق فقط، وإنما أيضا على مستوى الممارسة والنتائج، الشيء الذي نتج عنه القضاء على الأمية بصفة نهائية، على الرغم من محدودية الميزانيات المادية واللوجستيكية بسبب الحصار الصهيوني والمصري المفروض عليها، واستثمرت في الإنسان على مستوى التنشئة الاجتماعية والتربية الفكرية والسياسية والأخلاقية والقيمية، فالجريمة المنظمة تكاد تنعدم في غزة، فهذه الحرب الصهيونية ألزمت القِوى الأمنية على مغادرة مقراتها وأخلت حتى الشوارع، ومع ذلك لم تسجل ولا حالة سرقة واحدة..، الأخلاق تغزو كل الأماكن العامة، وحتى الحاضنة الشعبية للمقاومة لم تستطع كل الضربات الصهيونية المتتالية عبر سنوات ان تشق هذه الحاضنة أو تفتت في عزيمتها، لأنها بُنيت على الحب والوضوح وعلى المشروع المجتمعي الواضح المنطلق من التبني العام للمواطنين لشرائع الإسلام، والبرنامج السياسي المؤطر  بجوهرية مقاومة الصراع مع الصهاينة…، ويكفي أن تعقد مقارنة مع بعض الدول العربية على مستوى بعض المؤشرات الدالة على عظمة أهل غزة من مثل: صلاة الفجر، ومواسم حفظ القرآن الكريم، وقوة خطباء الجمعات، وفصاحة ألسن الأطفال وتعلمهم ونظافتهم، ومستوى النبوغ الفكري..تجد البون شاسعا والفرق بينا واضحا..، قارن بين جيش غزة (المقاومة) الذي لا يرقى إلى مستوى جيش وبين الجيوش العربية تصبك الدهشة، عقيدة المقاومة عالية سامقة تطلب الكرامة والتحرير، وتبتغي وجه الله وعزة الإسلام وكرامة المسلم، وعقيدة الجيوش العربية ذليلة مقيتة، أرفع ما تسمو إليه حفظ صلف الحكام ولو على جماجم ودماء الشعوب، وتأبيد استبدادهم بعدما أُقنعت هذه الجيوش وَهْما أن ما دون هؤلاء الحكام الفوضى والقتل..، سلاح المقاومة متجدد صنعتها أياديها المتوضئة، على بدائيته يحمل روحا فاتكة ودمارا هائلا، يكنس وهن المن للمُعطي، ويترك قرار المقاومة حرا مضاء لا تلدغه قبضة الارتهان لمن أنفق، أما سلاح الأنظمة فمرهونة حركته لمن سلح، ومكدوس في سراديب العجز، يعلوه صدأ الجبن، وتفتك به تعرية الهزيمة والخوف من مجابهة العدو الحقيقي، وهو الذي اشترته الملايير من دراهم عَرَقِ الشعوب ضدا على تعليمها وصحتها ونموها، لتُقتل به آخر المطاف إذا ما فكرت يوما ما في الثورة على حكامها..

     أفرزت لنا غزة نموذج المسلم المحب لوطنه المتفاعل مع مجتمعه، المتشبع بأخلاق دينه والمتشرب لثقافة الرفعة والانتصار، المثقف العالم الجهبذ، النظيف الحصيف الذي لا يعرف المستحيل، وأفرزت لنا المسؤول الرباني الذي تقوده الرقابة الربانية لا التخمة القانونية، تؤشر له نظافة الطرقات، وهندسة البنايات، وجمالية المساحات وذوقية الساحات، وفاعلية المؤسسات..

      هذا النوع من النموذح الذي يجسد نجاح الإسلام في كل الميادين بَدْءً من التوحيد مرورا بالحياء وانتهاءً بإماطة الأذى عن الطريق، ويكنس في الآن نفسه نظريات التحرر  من الدين باعتباره نظاما “رجعيا “متخلفا”، هو الذي تخاف منه الأنظمة العربية المستبدة، لأنه نموذج لا يتوافق مع طبيعة وجودها، ولا مع طريقة ديمومتها،  وبالتالي فالصراع معه صراع وجودي، ولذلك كان السكوت المطبق على اقتلاع حماس.. ولكن أنى لهم ذلك.. فالفكرة بذرة أنى وجدت الإخصاب نمت وترعرعت..

  • صلابة العلاج والمنهج الذي تقدمه حماس في مواجهة الكيان الصهيوني.

     إن الدواء الذي تقدمه حماس في مواجهة العدو الصهيوني المحتل هو الأنجع على مستوى تاريخ الصراع من النكبة إلى الآن، ولم تسطع كل الأنظمة العربية بكل ما تملك أن تنال من الهيبة المزعومة للكيان مثلما فعلت حماس في سويعات قليلة في يوم السابع من اكتوبر الخالد، فقد كشفت عورة العدو  وأسقطت عنه قناع الوهم والجبروت، وأظهرته للعالم على أن بيته أوهن من نسج العنكبوت، ولولا تداعي الغرب لنجدته، لكان قد هوى.. ومع ذلك سيهوي بإذن الله..

     إن معادلة حماس القائمة على أن ما أُخذ بالقوة فلن يُرد إلا بالقوة، تُسقط باللكمة القاضية الرهانَ على المفاوضات مع الصهاينة، الذي توهمته الأنظمة العربية طوال صراعهم المصلحي، والذي انتهى بهم للهرولة المخزية نحو التطبيع اللا مشروط .. ومعلوم أن شريان حياة  هذه الأنظمة مرتهن بالغرب، وليس بالداخل لأنهم يعلمون يقينا أن علاقتهم بشعوبهم كعلاقة الماء بالنار..

       وبالتالي فنجاح خيار حماس بالمواجهة العسكرية مع الصهاينة يحرج هذه الانظمة- إن كانت طبعا تملك في وجهها ذرة حياء- أمام شعوبها، وتعلم يقينا أن كل المفاوضات مع هذا العدو ، ما هي إلا إطالة في عمره، وهروب لها من ميدان المقارعة والمواجهة، ولذلك فإسقاط حماس إسقاط لهذه المعادلة الناجحة..

  • بناء الإنسان قبل بناء العمران

      إن اليد اليهودية الممتدة إلى كل أنظمة العرب، أطالتها التنشئة الغربية الصهيونية لرؤوس هذه الأنظمة عبر التغلغل الدافئ إلى قصورها ومراكز القرار فيها، فسيطرت على منابع المال، وطوعت الإعلام خدمة لأجندتها، وخرمت التعليم بتبعية مقيتة، وغرست أنياب التفقير والتجهيل والرُّهاب في أجساد الشعوب حتى شل السم كل الجسد، فحولت بعدئذ الشعوب إلى كم هامل خامل يجثو على رصيف الطرقات تنخره الشهوات وتحركه الأنانيات، وتخذره التفاهات، وتُحول انتصاره في مباراة كرة القدم  إلى نصر  للتاريخ، يتبجل به أمام الصين الذي لا تملك فريقا قويا مثلها!!!..

     إن الاستثمار  في الإنسان التي سطرته حماس في أرض غزة،  أيقظ الغرب كله وتوحد على قلع حماس، لأنه يعي أن الطريق الذي تَقَدَّم منه الغرب هو الطريق نفسه الذي تسير فيه حماس، وهو لا يريد أن يرى شعبا، له دين كامل ولغة ولادة وأمة شبابية وكم هائل، وخيرات تترى،  وتنوع نادر ، وسُرَّة أرض معتدلة يسكنها، يراه يتفوق..، فتفوق المسلمين يعني اندحار الغرب، وتوحد المسلمين يعني نهاية الكيان، واستيقاظ المسلمين النهاية لهم.. لذلك توحدوا على قلع حماس حتى يبقى الغرب الصهيوني جالسا على ربوة السبق التكنولوجي والعلمي يراقب ويفتك بعصى من حديد كل من شب عن الطوق من الشعوب المسلمة، حتى تبقى مهيضة الجناح مُفَلَّجةَ القواطع حافية المخالب، لتبقى مرضعة الغرب لبأ خيراتها، وخلاءً يتغوط فيها بُعاره الشيطاني..

       لكن هل تحلو للأنظمة العربية الجلوى، وتتعسل لهم الحلوى، وتنكشف لهم البلوى  بإسقاط حماس؟؟!!

    كلا والله!!، إن هذا وهم الواهمين وسكرة الحالمين وحلم اليائسين، يأيها الأوغاد: هذه حجة الله عليكم، وناقة صالح لكم، وصخرة الفضح بكم، على ظهرها تنكسرون،  وفي يمها تغرقون وعلى أسطر بياضها تنتحرون، إنها فكرة، والفكرة شجرة وارفة، إنها ذكرى، والتذكرة ناطقة إنها دين، ودين الله منتصر، إنها باب فُتح والباب لن يغلق إلا بنصر مستحق..” وما الله بغافل عما يعمل الظالمون”…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.