منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من قال إن كورونا لا يصيب المسلمين؟

اشترك في النشرة البريدية

تناسلت التغريدات لبعض الأقوال المزعومة للمسلمين مفادها أن داء كورونا المستجد لا يصيب المسلمين وإنما الكفار فحسب، وأن المرض هو انتقام من الصين الشيوعيين بسبب طغيانهم وتنكيلهم بأقلية الإيغور المسلمة. لكن المرض وصل إلى بلدان المسلمين الذين رفعوا من أسعار الكمامات والمواد الغذائية…..ثم ذيلت التغريدات بمقولة: كان أبوجهل أبا للجهل فلما مات تبناه المسلمون.

وفي معرض الرد على هذه التغريدات وتفكيك الغبش الذي يحيط بالتاس من جراء تفشي هذا الفيروس أقول:

لم يقل بهذا عالم مسلم معتمد، وجل من ردد هذه الفكرة هم العوام وجلهم جاهلون بمقاصد الإسلام. أما العلماء والدعاة فيعلمون أن الله لا يعجل لعجلة أحد وأن ما أصاب المسلمين الإيغور من ظلم وتنكيل وترحيل ليس جزاءه دنيوي حتمي كأن يكون وباء ينتقي المجرمين من بين الصالحين، بل قد يؤخر الله العذاب إلى ما بعد الموت.

إن الوباء إذا جاء لا يستثني أحدا صالحا كان أو طالحا، ومن أخذ بالأسباب نجا حتى ولو كان كافرا، ومن استهتر واتكل دون الأخذ بالأسباب هلك حتى ولو كان من الصالحين، ولقد قدم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه الشام فلما علم بتفشي الطاعون فيها لم يتكل على إيمانه ولا على صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل عاد من حيث أتى فرارا من المرض وأخذا بالأسباب، ولو استهتر ودخل الشام لمات هناك كما مات غيره، وقال مقولته الشهيرة: نفر من قدر الله إلى قدر الله.

وقد يقول قائل: وما ذنب الصالح أن يأخذه البلاء مع غيره، ألا ينجيه صلاحه؟

المزيد من المشاركات
1 من 17

والجواب أن البلاء لا يكون عذابا له وإنما ابتلاء وتطهير ويبعث يوم القيامة على نيته. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم” فقالت يا رسول الله: يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ فقال:” يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم” متفق عليه وهو للبخاري.

ومن جهة أخرى فإن البلاء والهلاك إذا قدر لا ينتقي الطالح ويترك الصالح لحديث أم سلمة وهي تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث” وهنا يستشكل على البعض كيف يكثر الخبث مع وجود الصالحين؟ والجواب: أن الرجل قد يكون صالحا في نفسه وليس مصلحا لغيره أو ساكتا عن الشر الذي يصدر من غيره، وليس من شرط الصالح ألا تقع منه المعصية بل تقع المعصية حتى من الصالح، فقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعينا عليه لكنه يقصر فيه.

وقد ورد هذا الحديث بلفظ آخر عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إذا ظهر السوء في الارض أنزل الله بأسه بأهل الأرض. قلت يا رسول الله: وإن كان فيهم صالحون؟ قال نعم وإن كان فيهم صالحون يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى رحمة الله ومغفرته.” رواه أحمد.

والناظر اليوم لحال المسلمين على كثرتهم لا يجد فيهم من الصلاح واتباع الشرع إلا بمقدار وجود الشعرة السوداء في الثور الأبيض، يملأون المساجد لكنهم يفتقدون الهيأة الإيمانية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن في الصلاة حتى أصبحت بمثابة عادة يؤدونها لإراحة الضمير وإخلاء الذمة ليس إلا.

إن هؤلاء المصلين لا ينطوي حالهم في المساجد على تعاملهم خارجه مختصرين الدين في ركعات ينقرونها في المساجد جافة لا تؤثر في تعاملهم خارجه. فتراهم يتسابقون للمساجد خشية أن تفوتهم الصلاة بل ويغلقون محلاتهم غير آبهين بما يفوتهم من ربح البيع وقت الصلاة بل ويعلقونها كليا يوم الجمعة، فإذا خرجوا من المساجد خلتهم أناسا غير من كانوا فيها: غش في البيع وإنفاق للسلع بالحلف الكاذب وتطفيف في الميزان وترك للزكاة وإيذاء للناس بالألسن والأعين وتتبع لعورات الناس وأنانية وإيثار للنفس على الغير وقد ظهر هذا جليا مع هستيريا التبضع مع ظهور البوادر الأولى لأزمة كورونا بوطننا الحبيب.

فأي فرق بينهم وبين غيرهم؟ وكيف يقارنون بغيرهم من غير المسلمين في تضامنهم وتعاونهم وتعاملهم الذين يرون أنهم يستحقون الوباء لكفرهم؟ أولا يستحق المسلمون البلاء بسبب ذنوبهم وجشعهم؟ وهل يستحقون النصر والنجاة من هذا البلاء وهم على هذا النوع من سوء الأخلاق؟

إن البلاء إذا عم لا يحابي أحدا، بل قد يصيب المسلمين دون غيرهم، ولقد مات خير الناس وخير من وطئ الثرى بعد الأنبياء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في طاعون عمواس أمثال أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، ومعاذ بن جبل وسهيل بن عمرو.

فماذا نقول بعد هذا؟

إن البلاء الذي يعم اليوم مرده للذنوب التي سودت الأرض وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما أكثر ذنوب الأمة اليوم.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا من قبلهم، و لم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذو بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم  يمطرو، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم.” رواه ابن ماجة والحاكم.

والمتأمل في أحوال المسلمين يجد أن كل هذه الذنوب الخمس وغيرها واقعة في ديار المسلمين وبالتالي استحقت النتائج الخمس وأكثر، وسنن الله لا تحابي أحدا، والمرض سوط الله يسوق به العباد إليه، وينبههم إلى ضعفهم وحاجتهم إلى الرجوع إلى خالقهم مهما تقدمت علومهم وبلغوا ما بلغوا فإنهم يبقون ضعفاء ليعلموا ” أن القوة لله جميعا” والله أعلى وأعلم.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.