منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حدد هدفك: ماذا تريد من شهر رمضان؟

0
اشترك في النشرة البريدية

يقول حسن البصري رحمه الله : “يا ابن آدم إنما أنت أيام معلومة كلما ذهب يومك ذهب بعضك” فكم من أيام مضت وها هي تمضي وما من يوم ينشق إلا وينادي يا آبن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.

وها نحن مقبلون على أعظم الأيام عند الله تعالى وهي أيام شهر رمضان المبارك الكريم، حاملة لنا معها بشريات كثيرة، ومنح ربانية عظيمة ما بين رحمة الله، ومغفرة للذنوب، وعتق من النار، ومضاعفة الحسنات، فكيف نستغل هذه الأيام؟ وماذا عسانا أن نفعل فيها؟

لا شك أنه بدون هدف ستمر الأيام عبثا، وتنتهي كما تنتهي بلا تميز ودون فائدة، وبناء على هذا ومع اقتراب شهر رمضان المبارك حريٌّ بنا أن نجلس جلسة متأنية مع أنفسنا ونحدد الهدف الرئيس الذي نريد أن نبلغه في هذا الشهر العظيم. 

فما هو هدفي من شهر رمضان؟

سأحاول أن أجيب عن هذا السؤال في هذه الأسطر، لعل أن تتضح لنا الطريق، وتنكشف لنا السبل.

المزيد من المشاركات
1 من 64

الهدف الأول: تحصيل التقوى

تحقيق التقوى أول هدف من أهداف شهر رمضان المبارك، ولعل القرآن الكريم قد وضح لنا هذا المقصد من الصيام في قوله تعالى:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

قال عبد الرحمن السعدي ــ رحمه الله في تفسير هذه الآية ــ ذكر الله حكمته في مشروعية الصيام فقال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.

فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله، راجيا بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى.

ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى

فتحصيل هذا المقصد وهو تقوى الله ــ عز وجل ــ هو أول هدف من رمضان ينبغي على كل مسلم أن يعيه جيدا، قصد تجديد العهد مع الله تعالى عهد العبودية الخالصة لله تعالى.

الهدف الثاني: الفوز بمغفرة الذنوب

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ”. فالموفق من أردك رمضان ونال المغفرة، والمحروم من حرم هذه المغفرة ولم يتعرض لها.

وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ:” آمِينَ آمِينَ آمِينَ” قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: “إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ”.

فوجه الدلالة في هذا الحديث أنه من أدرك رمضان ولم يُغْفر له فقد خسر خسرانا كبيرا، فقد جعل الله تعالى أولى هذا الشهر رحمة ووسطه مغفرة ونهايته عتق من النار، وجعل فيه ليلة خير من ألف شهر، فمن لم يغفر له في هذا الشهر متى يغفر له.

فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من تنمى على الله الأماني وقال إن الله غفور رحيم. فلابد من الأخذ بالأسباب والاجتهاد في العبادة، فليس دخول الجنة بالأمر السهل الهين فلابد من تكاليف، وليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. 

الهدف الثالث: تدبر القرآن والاهتداء بنوره

من الملفت للانتباه أن هناك ارتباطا وثيقا بين القرآن الكريم وشهر رمضان، فشهر رمضان هو الشهر الذي اختصه الله تعالى بنزول أعظم المعجزات فيه، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

فقد ثبت عن بعض الأئمة ومنهم الإمام مالك ــ رحمه الله ـــ حجة الأمة، وإمام دار الهجرة، وسفيان الثوري وغيرهم ــ رحمهم الله جميعا ــ، أنهم كانوا يفرون من مجالس العلم والافتاء، ويقبلون على قراءة القرآن وتدبر معانيه. 

قال ابن رجب: ” كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة في كل ست ليال وكان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث وكان قتادة يختم في كل سبع دائما وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة وعن أبي حنيفة نحوه وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.

قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه “. فهكذا كان حال السلف مع القرآن قراءة وتدبرا.

فهذه بعض الأهداف التي سطرناها في هذه المقالة التي ينبغي على كل مسلم أن يغتنم الفرصة لينال منها ولو القليل، ولابد مع هذا كله أن يضع خطة لتحقيقها، فالأهداف من دون خطط أحلام وأمنيات، والله تعالى لا يتعامل معنا بالأماني (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، لا بد من جهد واجتهاد (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا).  

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.