منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المكروه في الفقه

المكروه في الفقه/ دين وسام

0

المكروه في الفقه

بقلم: دين وسام

تقديم:

  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

 يُعدّ فهم الأحكام التكليفية من أهمّ الأساسيات التي يجب على كلّ مسلمٍ معرفتها، فهي بوصلة توجّه سلوكه في مختلف جوانب حياته، وتُنظم تصرفاته وتُعينه على تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. فهي تندرج ضمن أقسام الحكم الشرعي الذي   عرفه ابن السبكي بأنه: خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير[1].

أما الحكم التكليفي فيقصد به أفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، وسمي تكليفيا لأن فيه تكلفا على الإنسان ومشقة[2]، كما أنه تكليف المكلف بفعل أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه. ووجه التسمية ظاهر فيما طلب به من المكلف فعل أو الكف عنه. وأما ما خير به المكلف بين فعل والكف عنه، فوجه تسميته تكليفيا غير ظاهر، لأنه لا تكليف فيه، ولهذا قالوا: إن إطلاق الحكم التكليفي عليه من باب التغليب.[3]

وينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام:

  • الواجب: ما أمر الله به ونهى عن تركه، كالصلاة والصوم.
  • المندوب: هو ما طلب شرع من المكلف فعله على سبيل الترغيب، ففاعله يُثاب على فعله ولا يُعاقَب على تركه، كصلاة النافلة والصدقة.
  • المحرم: هو ما نهى عنه الشرع على سبيل الالزام، ففاعله يعاقب على فعله ولا يثاب على تركه.
  • المكروه: هو ما نهى عنه الشرع على سبيل الترغيب في تركه، ففاعله لا يُعاقَب على فعله، لكن تركه أفضل.
  • المباح: هو ما أذن الشرع في فعله وتركه، فلا يُثاب فاعله ولا يُعاقَب تاركه.

إلا أنني في هذه الدراسة سأكتفي بالتركيز على تعريف المكروه ومعرفة صيغه وأقاسمه.

تعريفه:

المكروه في الأصل يطلق -قديماً- على المحرمات؛ لأن الله تعالى في سورة الإسراء ذكر بعض المحرمات فقال: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}   وفي القراءة الأخرى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) فالمكروه هنا بمعنى الحرام، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المحرم والمكروه في بعض الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ، فهذا الحديث يفهم منه التفريق بين التحريم والكراهة، وقد عرف المصنف المكروه بأنه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.

فالمكروه ما ترك تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، ويثاب على ذلك الترك، ومن فعله لا يعاقب على فعله؛ لأن الشارع لم ينه عنه نهياً جازماً، وهذا التعريف مثل التعريفات السابقة يمكن أن يعترض عليه، بأن المكروه قد يتركه الإنسان بغير نية التقرب فلا يثاب على تركه، فالأولى في تعريف المكروه أن يقال: هو ما نهى الشارع عنه نهياً غير جازم.[4]

وعليه فإن المكروه هو ما نهى الله عنه نهياً غير جازم، وفاعله لا يستحق العقاب، ومن تركه تقرباً إلى الله يثاب على ذلك.

صيغه ودلالاته:

الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي كما يلي:

الأولى: لفظة ” كره ” وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن اللَّه كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال “.

الثانية: لفظة ” بغض ” وما يشتق منها، ومنه قوله عليه الصلاة

والسلام: ” أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق “

الثالثة: لفظة النهي: ” لا تفعل ” إذا احتفت بها قرينة تصرفها عن التحريم إلى الكراهة مثل قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، فإن النهي في قوله: ” لا تسألوا ” للكراهة، وليس للتحريم، وقد صُرِف النهي عن التحريم إلى الكراهة بسبب قرينة صارفه، وهي آخر الآية، وهي قوله تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)،

فالسؤال عما لا يعرف ليس بحرام .وهناك صيغ غير ما ذكرنا للكراهة تعرف من سياق الكلام.

المسألة الرابعة: ما يطلق عليه المكروه:

اختلف في إطلاقات المكروه على ما يلي:

فبعض العلماء يطلق لفظ ” مكروه “، ويريد به الحرام والمحظور، وقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم اللَّه جميعاً، وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعاً منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ

فكرّهوا – لذلك – إطلاق لفظ التحريم. وبيَّن ابن القيم في ” أعلام الموقعين ” بأن هذا كان من أسباب غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ ” الكراهة “، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة وبعضهم يطلق لفظ ” مكروه ” على ما نهي عنه نهياً تنزيهياً، وهو الذي عرفناه هنا.

وإذا أطلق لفظ ” مكروه ” انصرف إلى هذا، وهو المكروه كراهة تنزيه، وهو الذي نحن بصدده الآن لأن كلًّا من الأحكام الأربعة خص باسم غلب عليه كالواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، فاقتضى ذلك اختصاص ” المكروه ” باسم غالب عليه كغيره من الأحكام، ويكون هذا الاسم هو ” المكروه “.

وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع. وبعضهم يطلقه ويريد به ترك ما مصلحته راجحة كترك المندوبات.

  • بيان نوع الخلاف:

هذا الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لأن الإطلاقات السابقة اختلفت باختلاف مراد كل مطلق من إطلاقه، فلم يرد الخلاف على موضع واحد، فمن أطلق الإطلاق الأول – وهو أنه مراد به الحرام – حدَّه بحد الحرام.

ومن أطلق الإطلاق الثاني – وهو ما نهي عنه نهي تنزيه – حدَّه بالنهي عنه الذي لا زم على فعله – وهو الموضوع الذي نحن بصدده الآن.

ومن أطلق الإطلاق الثالث – وهو: ما وقعت الشبهة في تحريمه – حدَّه بأنه الذي فيه شبهة وتردد.

ومن أطلق الإطلاق الرابع – وهو: ما أريد به ترك ما مصلحته راجحة – حده بترك الأولى.

  • المسألة الخامسة: إطلاق ” المكروه ” بين الجمهور والحنفية:

الجمهور إذا أطلقوا لفظ ” مكروه ” انصرف إلى المكروه كراهة تنزيهية – وهو الذي عرفناه فيما سبق – وذلك لأنهم لا يسمون بهذا الاسم غيره، وإن كانوا لا يخالفون في جواز إطلاقه على الحرام كما سبق في المسألة الرابعة، أما الحنفية فإنهم إذا أطلقوا لفظ ” المكروه ” انصرف هذا اللفظ غالباً إلى المكروه تحريماً.

  • بيان نوع الخلاف:

الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ حيث إنه راجع إلى اصطلاح كل من الفريقين، ولا مشاحة في الاصطلاح.

  • المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟

لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن المكروه منهي عنه حقيقة. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء.

وهو الصواب؛ للأدلة الآتية:

الدليل الأول: أن استعمال المنهي في المكروه قد شاع في لسان اللغة والشرع، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولا يوجد شيء يمنع من ذل.

الدليل الثاني: أن كلمة ” النهي ” تطلق على ما كان النهي فيه لحرمته كما تطلق على ما كان النهي فيه لكراهته وعدم استحسانه، ولا فرق بينهما إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.

المذهب الثاني: أن المكروه منهي عنه مجازاً، وليس حقيقة. وهو لبعض العلماء مستدلين بقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا). وجه الدلالة: أن هذا النص يقتضي أن الانتهاء لازم عن المنهي عنه، وترك المكروه غير لازم، فكان المكروه منهيا عنه مجازاً لا حقيقة، أي: لو كان المكروه منهياً عنه حقيقة للزم من ذلك الانتهاء

عن فعله، وإن لم ننته حلَّ العقاب، ولكن حقيقة المكروه أنه طلب الانتهاء عنه، ولكن لو فعلناه لما كان علينا عقاب، إذا يكون النهي عنه نهيا مجازاً، لا حقيقة.

جوابه:

يمكن أن يقال في الجواب عنه: إننا نظرنا إلى غير ما نظرتم إليه، فنحن نظرنا إلى إطلاق لفظ النهي على المكروه، وأنتم نظرتم إلى حكمه، ففرق بينهما.

  • بيان نوع الخلاف:

الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه أي أثر؟

وذلك لاتفاقنا مع أصحاب المذهب الثاني على أن المكروه مطلوب ترك فعله وإن كان طلبا غير جازم. المسألة السابعة: في حكم المكروه:

إن المكلف يثاب في ترك المكروه امتثالاً، وإذا فعله فلا يعاقب على فعله، ولكن يقال عنه بأنه مخالف. قال القاري في ” فتح العناية”: إنما يكون – فعله لوثة مخالفة في صحيفة الإنسان.

المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه:

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يتناول المكروه. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجرجاني، والإمام مالك، وبعض المالكية كابن خويز منداد، وأكثر الشافعية، والحنابلة. وهو الراجح عندي؛ للأدلة التالية:

الدليل الأول: أن المكروه – كما سبق – منهي عنه نهياً غير جازم، والنهي يقتضي ترك الفعل، أما الأمر فإنه يقتضي إيجاد الفعل، فيلزم من ذلك أن الأمر والنهي متضادان، وإذا كانا متضادين فإنه لا يمكن أن يطلب ترك الشيء في حين أنه يطلب فعله. أي: يستحيل أن يكون الشيء مأموراً به منهيا عنه في آن واحد،

فينتج: أن المكروه لا يتناوله الأمر المطلق.

الدليل الثاني: أنه إذا كان المباح ليس مأموراً به كما سبق بيانه مع أنه ليس منهيا عنه، فمن باب أوْلى أن المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق؛ لأنه منهي عنه.

الدليل الثالث: أنه يوجد تنافي بين حقيقة الأمر، وحقيقة المكروه

فالأمر هو: استدعاء وطلب، والمأمور به مستدعى ومطلوب فعله كالواجب والمندوب. أما المكروه فهو مطلوب الترك، إذن: ليس مستدعى ولا مطلوباً

فعله، فيكون المكروه منهياً عنه.

المذهب الثاني: أن الأمر المطلق يتناول المكروه. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجصاص، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة.

أدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: أنه يجوز أداء صلاة عصر يومه بعد تغير الشمس، فهو مأمور به شرعاً، وهو مكروه.

جوابه:

يمكن أن يقال – في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في صلاة العصر، بل إن سبب الكراهة هو: التشبه بعباد الشمس.

الدليل الثاني: أن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق)، يتناول طواف المحدث، وهو صحيح عند الحنفية، وهو مكروه.

جوابه:

يمكن أن يقال – في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في الطواف، لأنه تعظيم للبيت، بل الكراهة لوصف في الطائف، وهو المحدث، والحدث ليس من الطواف.

  • بيان نوع الخلاف:

الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة في كثير من المسائل الفقهية، ومنها: لو طاف مكلف على غير طهارة، أو طاف منكوسا وهو المقلوب الذي رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل “، فهل يدخل في الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق). اختلف العلماء في ذلك، وكان سبب اختلافهم هو: اختلافهم في المسألة السابقة:

فأصحاب المذهب الأول – وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا يتناول المكروه ذهبوا إلى عدم دخول تلك الصورة المؤداة في الأمر، ولو فعل لا يكون مجزئاً بسبب: أن المكروه لا يدخل في مطلق الأمر.

أما أصحاب المذهب الثاني – وهم القائلون: إن الأمر المطلق يتناول المكروه فقد ذهبوا إلى أن ذلك الفعل بتلك الصورة المؤداة يدخل في الأمر، وإن كان حكمه مكروهاً إلا أنه يجزي عن الطواف – لو توضأ مكلف وضوءاً منكساً دون ترتيب، فهل يدخل في مطلق الأمر بالوضوء ويجزئ عنه؟

اختلف العلماء في ذلك، وسبب اختلافهم هو اختلافهم في المسألة السابقة.

فأصحاب المذهب الأول – وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا يتناول المكروه ذهبوا إلى أن الوضوء المنكس لا يدخل في مطلق الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك لا يجزئ.

أما أصحاب المذهب الثاني – وهم القائلون: إن الأمر المطلق يتناول المكروه – فقد ذهبوا إلى أن الوضوء المنكس يدخل في مطلق الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك فإنه يجزئ

المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن المكروه ليس من التكليف.

ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمكروه لا كلفة ولا مشقة فيه كما اتضح ذلك من بيان حقيقة المكروه السابق في المسألة الثانية، ومن بيان حكم المكروه السابق في المسألة السابعة.

حيث بيَّنا: أن المكلَّف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر وثواب، وإن لم يتركه فلا إثم عليه، وهذا لا مشقة ولا كلفة فيه، بخلاف الواجب والحرام، فالمشقة والكلفة فيهما واضحة؛ حيث إن المكلَّف إن فعل الواجب فله أجر، وإن تركه فعليه إثم، وإن ترك الحرام فله أجر، وإن فعله فعليه إثم، وكل ذلك للابتلاء.

المذهب الثاني: أن المكروه من التكليف.

ذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وبعض الشافعية وبعض الحنابلة.

دليل هذا المذهب: استدل هؤلاء بقولهم: إن المكروه لا يخلو من مشقة وكلفة،

فشمله معنى التكليف.

جوابه:

يمكن أن يقال – في الجواب عنه -: إننا لو رجعنا إلى حقيقة المكروه لوجدنا أنه لا مشقة حقيقية فيه، ولا إلزام في ترك الفعل.[5]

أقسام الكراهة:

الكراهة كراهتان: كراهة تحريمية، وكراهة تنزيهيه.

فالتحريمية هي: التي ثبتت بدليل ظني، أي: حديث آحاد، مثل: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه)، فهنا الكراهة كراهة تحريمية، ولا مشاحة في الاصطلاح.[6]

قال الزركشي في البحر المحيط: الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ: مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ، وَالْحَرَامُ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَالْوَاجِبِ مَعَ الْفَرْضِ.

ويقول أيضا في مسألة قد تكون الكراهة شرعية، أنها قد تكون وذلك لتعليق الثواب عليها، وقد تكون إرشادية أي لمصحة دنيوية ومنه، «كَرَاهَةُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَكْلَ التَّمْرِ لِصُهَيْبٍ وَهُوَ أَرْمَدُ»، وَمِنْهُ كَرَاهَةُ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ عَلَى رَأْيٍ، وَالنَّظَرِ فِي الْفَرْجِ.

ويقول أيضا في البحر: المكروه هل هو منهي عنه؟ المكروه الذي هو ضد المندوب هل هو منهي عنه أم لا؟ فهو نظير الخلاف السابق في المندوب هل هو مأمور به؟ من قال: النهي للتحريم فليس عنده بمنهي عنه، ومن قال: للتنزيه أو للقدر المشترك بينه وبين التحريم، أو هو مشترك بينهما فهو منهي عنه، ويدل على أنه غير منهي عنه قوله تعالى: «وما نهاكم عنه فانتهوا» وحكى القاضي الحسين في تعليقه في كتاب الأيمان وجهين في أن فعل المكروه هل هو معصية أم لا؟ وقال: إن الشافعي مرض القول فيه ومال إلى أنه معصية، فقال: وأخشى أن يكون معصية يعني في الحلف بغير الله. ثم قال القاضي: المعصية ضربان: محرم يتعلق به الإثم، ومعصية من طريق المخالفة لا يتعلق بها إثم، فتوقف الشافعي عن كونه معصية فيها إثم، وحكى الرافعي في باب الصيد والذبائح عن الشيخ أبي حامد أن ترك التسمية على الذبيحة يقتضي الإثم مع تصريحه بكراهة الترك.[7]

وختاما فإن الإنسان إذا عرف المكروه، وعلم كيف ينبت أن هذا مكروهاً، وجب عليه أن يجتنبه ويتركه تورعا عن الشبهات استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. رواه أحمد لأن من توسع في المباح وقع في المكروه لا محالة، ومن توسع في المكروه وقع في الحرام لا محالة، وفي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.


قائمة المصادر والمراجع:

  • علم أصول الفقه عبد الوهاب خلاف الناشر: مكتبة الدعوة – شباب الأزهر (عن الطبعة الثامنة لدار القلم)
  • الإبهاج في شرح المنهاج (على منهاج الوصول إلي علم الأصول للقاضي البيضاوي) المؤلف: شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى، 1404هـ – 1984م عدد الأجزاء:3
  • البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي، الناشر: دار الكتبي الطبعة الأولى 1414 هـ 1994م عدد الأجزاء8
  • تسيير أصول الفقه محمد حسن عبد الغفور مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
  • الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، دار النشر: مكتبة الرشد الرياض الطبعة الأولى: 1420هـ – 1999 م عدد الأجزاء:5
  • شرح الورقات في أصول الفقه الشيخ ددو الشنقيطي مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
  • الحكم الشرعي حقيقته، أركانه، شروطه، أقسامه، المؤلف دكتور يعقوب الباحسين، طبعة مكتبة الرشد ناشرون

[1] الابهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، السبكي 49

[2] ينظر الحكم الشرعي حقيقته، اركانه، شروطه، أقسامه، المؤلف دكتور يعقوب الباحسين ص 41

[3] علم أصول الفقه عبد الوهاب خلاف ص 102

[4] شرح الورقات في أصول الفقه الشيخ ددو الشنقيطي ص 13

[5] الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ عبد الكريم بن علي بن محمد النملة

[6] تسيير أصول الفقه محمد حسن عبد الغفور

[7] البحر المحيط في أصول الفقه للإمام الزركشي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.