منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كورونا: ضعف المطلوب، والطالب أضعف

الحسن شعيب

1

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: “وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب” الحج، 73.

مما علق بالذاكرة من فصول الدراسة بالقسم الابتدائي، نص ماتع رائع عنوانه: “القاضي والذباب”، ورحم الله مؤلفي تلك الكتب وأجزل لهم العطاء. تحكي قصة هذا النص عن قاض متكبر متعجرف –وما أكثر من هذه أوصافهم- يرهب الناس، ولا يتكلم أحد في مجلسه إلا بإذنه، حتى إن المتخاصمين يسلحون من شدة الخوف، فجاءت يوما ذبابة وحطت على جبينه، فانتظر أن تطير من تلقاء نفسها، لأن طرده للذبابة بيده يسقط هيبته في نفوس من في مجلسه، صبر وصبر، فحطت الذبابة على أنفه، فبدأ يُجَن، وصاحبتنا نزلت قليلا لشفته، قبل أن تحط قريبا من عينه، كأنها كانت تقرأ أفكاره، والقاضي بين مطرقة الذبابة وسندان الألسنة، وفي النهاية استسلم وتحركت يده. هكذا سخر الله سبحانه مخلوقا ضعيفا جدا أذل قاضيا متجبرا ومرغ أنفه في الوحل.

حين نقرأ كتاب الله تعالى، نقف على قصص مخلوقات صغيرة قصها الله علينا للعبرة، حتى نتعلم منها درسا ألا نستخف بأي شيء مما خلق. نقرأ في القرآن قصة حشرة صغيرة أكلت منساة نبي، وهبه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، حشرة صغيرة نخرت ما كان يتوكأ عليه، فخر، فتعلمت الجن درسا، وكانت تَجِدُّ في العمل ظانة أن المتكيء على عصاه هناك يراقبها. ونقرأ تحدي الحق سبحانه للمشركين أنه لو حطت ذبابة على رأس كبير آلهتم والتقطت بأرجلها المتناهية في الصغر شيئا وسرقته وطارت، فلن يستطيعوا تخليص ما أخذت من بين أرجلها الصغيرة “ضعف الطالب والمطلوب”. كما لم يستح الله تعالى أن يضرب لنا مثلا ما بعوضة. أليس البعوض يمص دم المتكبر وهو نائم لا يصدها عنه عسسه ولا حرسه.

واليوم لا حديث في الشرق ولا في الغرب إلا عن كائن مجهري صغير لا يرى بالعين المجردة حتى، فعل في العالمين ما لم تفعله الصواريخ العابرة للقارات، وما لم تفعله الدسائس والمكائد. جرثومة صغيرة هوت بتعاملات البورصات، وعطلت حركة الطيران في العالم كله، وأخرجت أموالا طائلة كانت مخبأة، وألغت أنشطة رياضية وثقافية لم تنجح مسيرات مليونية ولا احتجاجات جماهيرية في إلغائها. كما تسببت في الخوف والهلع والرعب في العالم كله، ولم تفرق بين قاض ومتهم، ولا بين رئيس ومرؤوس، ولا بين أبيض ولا أسود. حشرة لا ترى أدخلت الناس إلى بيوتهم، واستطاعت أن تسجنهم داخل الجدران ما شاء الله. أبعد هذا يعتد الإنسان بقوته وعلمه وماله وجبروته؟

المزيد من المشاركات
1 من 68

لقد أظهر فيروس كوفيد 19 ضعف الإنسان ولا شيئيته، أظهر له أنه لا مهرب وله ولا ملجأ من الله إلا إليه، وبتعبير القرآن “لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم”، أو بتعبير إدوارد سنوودن، لا مكان للاختباء « No place to hide» فهل يتعظ بنو آدم ويستفيدون دروسا في الحياة وللحياة، ويعترفون بنقصهم وضعفهم؟ هل يعيد الإنسان المتكبر والمتعجرف المستغني بأمواله وعلومه وأسلحته النظر في حاله ومآله، أم أن طبيعة البشر تأبى ذلك؟ ألم يقص الله تعالى علينا في القرآن قصص أقوام جاءهم الموج من كل مكان وأحيط بهم، فدعوا الله إذا هو أنجاهم أن يفعلوا ويفعلوا، فلما أنجاهم الله عادوا لأسوء ما كانوا عليه، ولله در القائل:

سترى إذا انجلى الغبار × أفرس تحتك أم حمار

إنها حقائق كثيرة ستكشفها هذه الزوبعة حين ينجلي غبارها.

لقد قال زعماء العالم بأنهم استنفدوا حلول الأرض، وبقي باب السماء فقط مفتوحا، وصلى الجميع ليرفع الله هذا البلاء، والمؤمن ديدنه الدعاء، لهذا نختم هذه المقالة به، نختمها بمناجاة جميلة رقيقة تنسب للإمام الزمخشري، افتتحت بقدرة الله على رؤية المخلوقات الضعيفة والمتناهية في الصغر، وانتهت بطلب الغفران والصفح والعفو:

يـا مـن يـرى مـد البعـوض جناحهـا × فـي ظلـمــة الليــل البـهــيــم الأليـل

ويـرى منـاط عروقـها فـي نحرهـا × والـمخ مــن تـلـك العــظـام النحــل

ويـرى خـريـر الـدم فــي أوداجـهـا × مـتـنـقـلا مـن مفصـل فـي مفـصـل

ويرى وصول غذى الجنين ببطنها × فـي ظلمــة الأحـشـا بغيــر تمـقــل

ويرى مكان الوطء مـن أقدامهـا × في سيـرها وحثيـثـهـا المستعجـل

ويرى ويسمع حس ما هو دونها × فـــي قـاع بحـر مـظـلــم مـتـهـول

أمـنـن عـلـي بتـوبـة تـمـحـوا بهـا × مـا كـان منـي فـي الـزمـان الأول

والحمد لله رب العالمين.

تعليق 1
  1. شهيد خليل يقول

    رائع كعادتك أيه الجميل، أحبك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.