منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الالتراس من التشجيع إلى الاحتجاج

0
اشترك في النشرة البريدية

ما فتئنا اليوم في شمال أفريقيا خصوصا نسمع كثيرا بلفظ “الالتراس” يتردد على ألسن مشجعي كرة القدم، بل أكثر من هذا أصبحنا اليوم نصادفه في كثر من النشرات على وسائل الإعلام والتواصل. والالتراس كظاهرة اجتماعية لا نجد لها وجودا في الزمن القديم، فإذا ألقينا عليها لمحة تاريخية نجد أن أول مجموعة ألتراس ظهرت في شمال أفريقيا كانت سنة 1989 في ليبيا، لكن لم يكتب لها الاستمرار، حيث تم حلها وقمعها من طرف نظام القذافي بعد أسبوعين من تأسيسها، ثم بعد ذلك وبسنوات ليست بالهينة ظهر هذا النمط من التشجيع في تونس سنة 2001، والمغرب سنة 2005، ثم مصر سنة 2007. أما الآن فالالتراس أصبحت تقتحم جل مدرجات الأقطار العربية.

أرجع مجموعة من المحللين والمتابعين للظاهرة سبب هذا التنامي السريع لأسلوب التشجيع لارتباطه ببعض الأحداث الوطنية والدولية البارزة، كمشاركة الالتراس بمصر في ثورة يناير، ومشاركة بعض المجموعات بشكل رسمي في حركة 20 فبراير سنة 2011 بالمغرب، وكذا علاقتها ببعض الأحداث المؤلمة كحادثة البورسعيد بمصر، التي راح ضحيتها 73 قتيل حسب الإحصائيات الرسمية، وحادثة السبت الأسود بالمغرب. وهذا أيضا ما جعل منها ظاهرة يستلزم الوقف عندها ودراستها.

 

 

وقد تباينت تعريفات الالتراس بين رفض وقبول من قبل المنتمين لها. فمثلا التعريف الموجود في موسوعة ويكيبيديا يعتبره المنتمون وأعضاء الالتراس خاطئا ويمرر مغالطات كثيرة للرأي العام. ونظرا لضعف المراجع التي تناولت هذا الموضوع سنستعين بتعريف مستنبط من كتاب “الالتراس ثورة جيل لأكرم خميس” وآخر على لسان أحد أعضاء أحدا مجموعات الألتراس بالمغرب قمت باستجوابه. وسنبدأ مع هذا الأخير حيث يقول:

تعتبر “الالتراس فكرة أممية ظهرت داخل ملاعب كرة القدم، وكانت إيطاليا مهدا لهذه الفكرة قبل مئة سنة من هذا التاريخ، لتنتشر بعدها في القارات الخمس، وتعرف أوجها في أوربا الشرقية وشمال إفريقيا ثم شرق آسيا وأمريكا الجنوبية. جاءت هذه الفكرة كحركة تصحيحية من داخل ملاعب كرة القدم لتدافع عن قيم ومبادئ اللعبة لتقف سدا منيعا ضد الرأسمالية التي نخرت جسمها وضد كل من يريد استغلال اللعبة لأغراض سياسية أو تجارية أو شخصية كيفما كانت. لتحافظ على كرة القدم كلعبة شعبية بمبادئها السامية وهذا ما يعرف في الالتراس ب”ضد الكرة الحديثة”.

وتعتمد حركة الالتراس للتعبير عن رأيها وأفكارها على مجموعة من الطرق والوسائل التي تكون إبداعية في غالبها، يطبعها الجمال الفني. ويضيف عضو مجموعة الالتراس قائلا: تعمل حركات الالتراس على أن تكون مختلفة عن البقية في التعبير والتشجيع كالجمعيات الرياضية وروابط المشجعين التي يؤسسها النادي، كما تختار حركات الالتراس المدرجات خلف المرمى “المنعرج” كمكان لها، نظرا لانخفاض ثمن تذاكره، كما أنه مكان مناسب تمريره من خلاله رسائلها. كما تعمل حركات الالتراس على “القفز” المتواصل طيلة 90 دقيقة مع رفع أعلام وألوان الفريق وترديد أغاني تمجد لتاريخ النادي والمدينة، وتمرر مجموعة من الرسائل في أغانيها تعنى بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية، وما يعانيه المشجع من قمع وبطش. وأثناء هذا القفز هناك بعض الأعضاء داخل الالتراس يعملون على قرع الطبول لضبط إيقاع المجموعة. وأعضاء آخرين مكلفون برفع رسائل خطية ذات محتوى معين حسب الظروف. ومن وسائل التعبير كذلك هناك “التيفوات” أو “الدخلات” وهي عبارة عن لوحات فنية تشكلها الجماهير عند الفريقين وتختلف وسائل التعبير وأشكالها حسب إبداع كل مجموعة.

المزيد من المشاركات
1 من 20

تمتاز حركات الالتراس بتعصبها وولاءها الشديد لفريق واحد وقد يصل هذا التعصب أحيانا وليس غالبا إلى العنف، لكنها تنبذه ولا تحبذه وتختلف تماما عن مجموعات الهوليغانز التي تميل دائما إلى العنف.

أما فيما ما يتعلق بتمويل الالتراس يقول العضو إن: مجموعات الالتراس تعتمد على التمويل الذاتي في أعمالها وذلك عبر جمع المساهمات المادية وبيع منتجات التشجيع التي تحمل هي الأخرى أفكار ورسائل الالتراس، كما تسهر حركات الالتراس على استقلالها الذاتي حتى تحافظ على حرية أفكارها وأعمالها ومبادئها المتمثلة أساسا في الإخلاص، الوفاء، التحدي والثبات، والتي تعمل على ترسيخها ونشرها داخل المدرجات. وتعادي حركة الالتراس أغلب وسائل الإعلام وخاصة الرسمية منها لأنها تنشر عنهم صورا مغلوطة، وتصفهم بالمشاغبين. كما تعادي جهاز الداخلية للدولة الذي هو الآخر يحارب هذه الحركة ويعمل جاهدا على تفكيكها والزج بأعضائها في غياهب السجون خدمة وحماية لمصالح أصحاب المال الذين يعملون على الاستفادة من اللعبة والضرب بقيمها ومبادئها عرض الحائط. انتهى

أما أكرم خميس في تعريفه للألتراس يقول “الألتراس ULTRAS هي الحب الزائد أو التعصب لكيان ما لدرجة التضحية من أجله، وهي كلمة لاتينية الأصل وهي بدقة الفئة المشجعة للفريق الرياضي

والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد. غير أنها شاعت عالميا كتعبير عن الجماعات المنظمة التي تتولى عملية التشجيع في ساحات كرة القدم بشكل احترافي.

فالألتراس لا يجتمعون حول مطالب وإنما وراء الكيان (الفريق)، فهي ثقافة جديدة سمتها الرئيسية التنظيم المحكم والتلاحم والاستمرارية.

أما نشأة الالتراس فيقول عنها خميس أنها: جاءت مختلفة، فقد تمت في قلب وهج رياضي، لم يتوقع أحد أن يصل امتدادها إلى قلب معادلة الشارع والسلطة، كان ذلك سنة 2007(هنا أكرم خميس يتحدث عن الألتراس بمصر) عندما أسس عدد من شباب الإسكندرية الأهلاوي ألتراس “رد دفليز” ثم قامت مجموعات مثلهم في القاهرة بتأسيس ألتراس أهلاوي.

قال المدير الفني لفريق الأهلي مانويل جوزيه في أحد تصريحاته شهادة على دور جماهير الأهلي “أنه لم يرى في حياته جمهورا بهذا العطاء، معتبرا أنه فخور بالعمل مع فريق بهذه الجماهير المبهرة” ويضيف أكرم خميس أن الشباب العربي الفاقد للأمل المقيد في حريته بدت له مدرجات الملاعب الساحة الوحيدة لإخراج طاقاته المكبوتة. ففي البداية ظل الأمر مجرد محاولة لتقليد الجماهير الأوربية المنظمة التي تظهر بين حين وآخر على شاشات التلفاز وكان ذلك هو المدخل الذي ظهرت منه جماعات التشجيع المنظم فجاءت ألتراس “أهلاوي ” ثم “زملكاوي ” وصولا إلى أندية المحافظات.

كما يرى خميس أن: هناك من اعتبر أن هؤلاء الشباب هم صنيعة النظام الراغب في إيجاد قوة يمكن الاعتماد عليها عندما تحين لحظة التوريث، غير أن العارف بطبيعة السلطة في مصر سيجد أن هذه التلميحات تتجاوز الحدود الممكنة من حيث المنطق، لم تكن هذه الجماعات تصلح لمهمة من هذا النوع فالدولة المصرية لا تقبل بهيمنة غيرها على الجماهير، ومن حيث التاريخ تشير الدلائل المتاحة إلى أن الألتراس نشأت بدوافع من داخل مؤسسيها وليس من تحفيز من الخارج، أما من ناحية التطبيع فكان من المستحيل علي الدولة المصرية بعمقها السلطوي أن تقبل بمن ينزع عنها هيمنتها على قطاع من الحياة في مصر حتى لو كان مدرج تشجيع، كما كان مستحيلا على الألتراس بروحه الجامحة المتطلعة دوما لإدراج أشكال و فنون غير التقليدية للتشجيع داخل المدرجات وخارجها، أن تقبل بالتطبيع، وبتعبير أدق شكلت الألتراس  نقيضا للسلطة وبالتالي للجهاز الأمني الذي تمدد في عهد مبارك إلى كل مفاصل الحياة مستظلا برغبة رئاسة غي معلنة لجعله مركز قوة يستند عليه سيناريو التوريث ساعة التنفيذ.

تقول إحصائيات السنوات العشر الأخيرة في عهد مبارك أن الأمن كان صاحب الكلمة الفاصلة في أدق تفاصيل الحياة العامة، بدأ من تعيين أئمة المساجد وخدامها مرورا باختيار العمد في القرية وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات وصولا إلى أعضاء البرلمان والوزراء. الوزير نفسه نفى تماما أن تكون هناك علاقة بين الدولة وتأسيس الألتراس في مصر، وبتعبيره فإن الأمن لم يكن يسمح بأي حركة جامعة لشباب دون أن يشرف عليها بنفسه ودون أن تكون جزءا من خططه وهذا مستحيل في حالة الألتراس. ويشهد على ذلك أيضا، أن اصطدام الألتراس مع أجهزة النظام وسياسته التي ظهرت بعد وقت وجيز من تأسيسها وتحديدا في نهاية 2007 عندما حول ألتراس أهلاوي مدرجات إستاد القاهرة لمظاهرات كبيرة ضد تخاذل الحكام العرب في العدوان الصهيوني على قطاع غزة. انتهى

وهكذا فالألتراس يومها وكما هي عليه اليوم في المغرب  تعبر عن مزاج الشارع الغاضب، و تجسد في الوقت ذاته لرؤية جيل جديد رفض الخضوع. كما نجد أن الالتراس كحركة اختلفت عن باقي الحركات الجماهيرية الأخرى لا من ناحية التنظيم ولا من ناحية التمويل.  بل أكثر من  كل ذلك في الالتراس تذوب الاختلافات الأيديولوجية والاتجاهات السياسية، كما أن أعمار معظم أفرادها  تتراوح بين 16و 25 سنة، في حين أن جمهور المشجعين التقليديين يضم فئات عمرية تصل إلى الستين سنة، وبالتالي فالألتراس ليست  تعبيرا عن حزب أو أشخاص ولكنها فعل جيل عبر عن نفسه بالحب الزائد لكرة القدم فهي من نقلت الجمهور من حشد من الناس إلى حركة اجتماعية منظمة وواعية.

المراجع   

       _  موسوعة ويكبييديا الالكترونية

 

_أكرم خميس،”ثورة جبل التراس”،المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الطبعة الأول، 2016

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.