منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الترجمة جسر للتواصل

0
اشترك في النشرة البريدية

سادت منذ أقدم الأزمنة فرضية مفادها أن العلوم تتسم بالكونية، وبالتالي فهي متاحة للعقل الإنساني مهما اختلفت لغته وثقافته وانتمائه العرقي أو الجغرافي، وهذا ما يؤسس لإمكانية التواصل ومد الجسور مع المخالف لغة وثقافة، وجنسا، مع عدم تسليم بعض رواد اللسانيات لهذا الطرح واعتبارهم أن الإنسان يفكر داخل حدوده، وأن اللغة لا تساير التغيير الذي يطال محيط الإنسان، وتفرض بالتالي رؤية كونية بعينها وتحجب غيرها، وتوجه وتحدد طريقة تحليل التجارب، كما أن اللغة تحتوي على ميتافيزيقا خاصة بها، وهذا ما يجعل إمكانية الترجمة مرتهنة بحدود لغوية يصعب تجاوزها في النصوص عموما، وفي النصوص الدينية بصفة خاصة،
وإذا كان النص الأصلي يحافظ على مكوناته دون أن يفقد من شبابه وحيويته، فالترجمة يعتريها الهرم، وتبقى في غالب الأحيان موسومة بالآنية والنسبية والقابلية للإعادة.

ورغم اقتناع كل ثقافة بأن ما دون لسانها عجمة ورطانة، وذهاب بعض المفكرين إلى أن إتقان المرء للغة مغايرة للغته يمنعه من بلوغ  البلاغة والفصاحة في لغته الأم، فالتاريخ يشهد أن الازدواجية اللغوية للخطيب شيشرو Cicero  هي التي أهلت اللغة اللاتينية لتصبح لغة الأدب والفلسفة، وأما أثر ازدواجية اللغة في الأدب العربي القديم مع عبد الله بن المقفع فلا يحتاج إلى بيان، كما أثمرت هذه الازدواجية حديثا مع كل من محمد حسين هيكل والمازني وغيره أعمالا أدبية ما كان لها أن تكون لولا التلاقح الحضاري الذي مر عبر بوابة الترجمة.

ويبقى مجال الصحافة ميدانا مفتوحا تلعب فيه تعدد اللغات دورا أساسيا، كما نشأ عن الهجرة لأسباب سياسية أو اقتصادية أو غيرها ضرورة التواصل بين الناس التي استدعت الترجمة، ولا يزال اسم بابل عنوانا لتعايش اللغات واختلاطها في ذاكرة اليهود والنصارى.

 

 مقاربة مفهوم الترجمة

الترجمة حاجة استدعتها ولا تزال تستدعيها الضرورة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد لعبت دورا هاما في تاريخ الإنسانية على مستويات مختلفة منها: الإسهام في تأسيس الحروف الأبجدية  والمعاجم اللغوية، ونشر المعرفة والعلم، والعقائد والأديان، فالمترجمون كانوا ولا يزالون وسطاء بين مختلف الثقافات والانتماءات، وجسورا للتواصل بين مختلف الشعوب، ووسيلة من وسائل بسط النفوذ، فالترجمة لم تفقد أهميتها لحاجة الإنسان الملحة إليها، ومع اختلاف موقف كل حضارة من الترجمة إلا أنها تتساوى في اللجوء إليها عند الحاجة، ومع أن تاريخ الترجمة ضارب في القدم فقد اعتبر المترجم مجرد وسيط متهم بوفائه للغته الأصل لأنه أدخل عليها لغة منافسة، وليس أهلا للاتمان على اللغة المكتسبة لأنه غريب عنها.

المزيد من المشاركات
1 من 62

ولم ترد مادة “ترجمة” في الموسوعة البريطانية، ولم تدرج ضمن الفنون اللغوية، فالاهتمام بهذا اللون من المعارف فرضته ضرورة التواصل في القرية الكونية المعولمة، في حين أن الترجمة الفورية عرفت طفرة متزامنة مع انعقاد المؤتمرات الدولية التي بدأت منذ سنة 1829م بمدينة بيز بإيطاليا.

مفهوم الترجمة لغة:

الترجمة مصدر ترجم يترجم ترجمة: بيَّن ووضَّح وفسَّرَ، وترجم له: ذكر سيرته وحياته، وترجم الكتاب: نقله من لغة إلى أخرى، وترجم عن آماله: أبانها وعبَّرَ عنها، وترجم القرار إلى عمل: نفَّذه ونقله من مستواه التنظيري إلى التطبيق.[1]

ويعرف ابن منظور الترجمة قائلا: (التُّرجمان والتَّرجمان: المفسر للسان…وهو الذي يترجم الكلام: أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى…)[2].

ويقتضي هذا التعريف أن تكون الترجمة عملية بسيطة متيسرة لكل من كانت له دراية بلغتين، ولا يعير بالا لخصوصيات كل لسان، ولا لما يلزم المترجم من مهارات من أجل المقابلة بين أدوات التعبير.

ولم يكن للفظ ترجم أو Traduire  وجود في اللسان الفرنسي قبل القرن السادس عشر، وأول من استعمله هو المترجم روبر إستين robert Estienne سنة 1539م، ويعود جذر الكلمة إلى فعل لاتيني شاذ ينصرف في الحاضر ب transferre، وفي الماضي بtranslatus ، وعرف المترجم عند اليونان باسم Interpres ومنه Interprète باللغة الفرنسية، والذي كانت وظيفته هي بيان ما استعصى على الفهم في نص من النصوص، كما كان يطلق على من يرافق المتوجهين إلى البلاد الأجنبية الذي عرف باسم dragomanno باللغة الإيطالية ،والظاهر أنه مشتق من اللغة العربية من كلمة ترجمان التي قد تكون مستمدة من الكلمة الأشورية القديمة ragamou[3].

وأما كلمة Traductologie فتتكون من العلم Logos والترجمة traducto، وهي شعبة من شعب العلوم فرضت نفسها لما توسعت دائرة الترجمة، وأصل لها الفرنسي أنطون برمانAntoine Berman (1942-1991) عبر نظرية التجربة والتأمل، فالتجربة تسمح بتجاوز الصعوبات الناجمة عن التعارض بين اللغات الذي يجعل من الصعب استرجاع المعاني أو استنساخ المباني، والتأمل غالبا ما يقترن بالتجربة، ويهتم علم الترجمة بأشكالها الشفهية والمكتوبة بالجانب التنظيري والعملي، علما أن الترجمة تتكون من أربعة عناصر وهي: النص المترجم، والنص المترجم إليه، والمترجم، وطريقة الترجمة.

وإذا كانت الحرفية هي السمة الغالبة على الترجمة، فقد جعل سيسرون Ciceronومن جاء بعده من الترجمة فنا تطبعه حرية التصرف في النص والتركيز على المعنى، كما بدأت تظهر منذ عصر الأنوار ترجمات مختلفة أسهم في وجودها التقدم العلمي والتقني الذي رافق الضرورة الترجمية، والذي أفرز أدوات جديدة للترجمة عبر المعلوماتية جاءت لتلبي الطلب المتزايد على الترجمة فصار علم الترجمة ميدان الاختراع والتكامل المعرفي بامتياز.

فبدأت الترجمة كفن يقوم على التجربة والدربة، وكشكل من أشكال التواصل اللغوي والثقافي، ثم صارت فرعا من فروع الآداب أو الفلسفة أو الأنتروبولوجيا، واستقلت لاحقا بموضوعها ومفاهيمها ومبادئها كشعبة من شعب العلوم في منتصف القرن العشرين تحت مسمى traductologie، مصداقا لقول الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو Gianni Vattimo ” ليس هناك خط وصول نهائي للمعرفة”[4]، مع تمييز جيمس هلمس[5] James Holms بين التنظير للترجمة وتفعيلها، ولا زال التساؤل قائما حول حدود استقلال الترجمة، وكيفية تأصيلها.

وبعد أن صنفت الترجمة شعبة من شعب العلوم الإنسانية، وعلما من علوم اللسانيات، ظهرت اتجاهات تحاول أن تربط الترجمة بالعلوم الطبيعية أو Sciences Naturelles، وخاصة العلوم العصبية La Neurologie مع تركيز البحث على المترجم أكثر من التركيز على النص المترجم، فظهر اتجاهان يختلفان هدفا ومنهجا، وهما:

الاتجاه الأول: الذي يعتبر الترجمة فرعا من فروع العلوم الإنسانية، ويقيم وزنا للسياق وما يرافقه من أحداث تاريخية سياسية واجتماعية قد تترك آثارا واضحة في الترجمة، فتكون ترجمة خارجية للنص؛

الاتجاه الثاني: الذي يدرج الترجمة في العلوم الطبيعية، مستشهدا بما آلت إليه الترجمة من أتوماتيكية عبر تقنيات الحواسب التي تعتمد الرياضيات والمنطق، والأقمار الصناعية، والفاكس والبريد الإلكتروني، وكل هذه الآليات انعكست على حركة الترجمة ومردوديتها، فتكون الترجمة في هذه الحال ترجمة داخلية للنص.

ويتقاطع علم الترجمة مع تخصصات متعددة يستعير منها أدواته، وبالرغم من قدم الترجمة إلا أنها لم تعرف التنظير إلا مؤخرا لأنها تقوم أساسا على التجربة والدربة كما سبقت الإشارة إليه.

 

أنواع الترجمة ونظرياتها وإشكالاتها

تعنى الترجمة بنقل ألفاظ ومعان وأساليب من لغة لأخرى، وتتعدد مستويات الترجمة بتعدد مكونات النص من لغة وألفاظ، كما تتعدد أنواعها بتعدد مهامها، فهناك الترجمة الشفاهية والتحريرية والعلمية والأدبية، وأما المعنى الذي يريد صاحب النص التعبير عنه فهو كامن في ثنايا النص، فالمترجم في تفسيره وشرحه للنص قد يتجاوز حدود مهامه، وهذا ما يفسر صعوبة الترجمة عموما، وترجمة النصوص الدينية على وجه الخصوص، وهي صعوبة مركبة لارتباطها باللغة والخطاب والقصد، وهذا ما يربط قيمة الترجمة بفعالية الأفراد وأمانتهم.

وأما التمييز بين الترجمة والكتابة فحديث، لأن مفهوم النص الأصلي كان يلفه الغموض، وكانت الترجمة تهم ترجمة سابقة دون الرجوع إلى الأصل، ولم يكن يُنظر إلى الأمر بعين الريبة لأن الترجمة كانت أفقا مفتوحا لا يخضع لضوابط إلى أن وضع أتين دولي  Etienne Dolet المباديء الخمسة للترجمة وهي: حسن تمثل النص الأصلي، وإتقان لغة النص واللغة المترجم إليها، وتجنب الترجمة الحرفية، واحترام طرق التعبير اللغوي، واحترام تسلسل الكلمات من أجل إحداث الأثر المتوخى من النص المترجم والسياقات التي واكبتها والنظريات التي أطرتها، وتبقى إمكانية الخطأ الترجمي واردة، يقول روبر لاغوز Robert Laroseبأن الخطأ هو المسافة الفاصلة بين الهدف وما تحقق على أرض الواقع[6].

وتؤطر مجال الترجمة نظريات من أشهرها:

نظرية التلقي: التي تربط قيمة الترجمة بقدرتها على تلبية حاجات المتلقي العلمية أو الأدبية التي تختلف من شخص لآخر، وتتأثر بمرجعيته وأهدافه، فيتعذر في غالب الأحوال أن تفي هذه الترجمة بالمقصود؛

نظرية التبليغ: التي تحصر العمل الترجمي في نقل خبر الأصل، فهي أقرب إلى الترجمة الحرفية التي قد لا تفي بالمطلوب فيتعذر إيصال المعنى؛

نظرية التأويل: ورائدها هانس جورج كادامير Hans George Gadamer(1900–2002) [7]الذي ذهب إلى أنه لا يسع المترجم إلا مخالفة النص الأصلي ليتأتى فهمه في اللغة المترجم إليها، فيحتاج مثلا إلى التصريح لما ألمح إليه الأصل، أو اختيار وجه من أوجه الدلالة والإعراض عما سواه، فتكون الترجمة إعادة لإنشاء النص بما لا يتوافق بالضرورة مع الأصل، والقصور عن بلوغ القصد في أغلب الأحوال، فتعتمد هذه النظرية على الملائمة بين المعنى الصريح والمعنى الضمني، وهذا ما يتحقق عبر التأويل وهو(فاعلية ذهنية، أي نشاط فكري إنساني يتوقف عليه تشكيل المضمون، وتجسيد الفهم، ويسهم في الإنجاز المعرفي، كما يسهم في عملية التواصل، فهو إجراء يعطي المعنى للأشياء بطرق مختلفة)[8] ، ويفترض التأويل فهم النقل وفهم القصد؛

النظرية التفاعلية: التي اختارها أوجين ندا Eugène Nida (1914–2011)[9]، والتي من شأنها أن تقدم في اللغة المترجَم إليها نصا معادلا للنص الأصلي في معناه وأسلوبه، وإن اختلفت لغته، وهذا ما يفترض أن يُحدث في القارئ استجابة شبيهة باستجابة القارئ الأول، ولا شك أن هذا مطلوب ومرغوب في كل ترجمة، وفي ترجمة النص الديني على وجه الخصوص، لكنه يظل صعب المنال إن لم يكن مستحيلا، ويرى الدكتور طه عبد الرحمن أن اللفظ الأنسب لنقل معاني القرآن الكريم هو الاقتباس الذي ينقل المترجم من الترجمة للنص إلى الترجمة عن النص.

ويمكن للترجمة أن تكون حرفية بترجمة كل لفظة بما يقابلها في اللغة المترجم إليها، أو ترجمة بالمعنى وهو المراد من الألفاظ، ويمكن أن يتصرف المترجم في النص لفظا ومعنى بغرض ملائمة المترجم لهوية المتلقي وكينونته لغة وعقيدة وثقافة، وهذا من شأنه أن يحد من عيوب الترجمة دون أن يلغيها شريطة أن يكون قصد المترجم سليما[10].

وتطرح الترجمة عموما إشكالية الضياع الترجمي الذي قد يهم اللغة، فإذ كان غرض المترجم هو الاستغناء عن النص الأصلي إما بإيجاز مخل بالمعنى، أو توسيعا للحقل الدلالي أو تضييقا له، أو ترجيحا للفظ أنسب لغرضه، أو أقرب إلى مضمون الأصل في نظره، كل هذا يتأثر بموروثه الثقافي وانتمائه العقدي، فيكون اختياره محكوما بما ألفه وما يسبق إلى ذهنه، وهذا ما يحد من فعالية الترجمة التي قد لا تحافظ على روح النص، وإذا كانت هذه خسارة بالنسبة لأي نص فهي خسارة ومساس بقداسة النص الديني، وتبقى إمكانية الخطأ سهوا، واحتمال عجز المترجم عن نقل المعاني والصور الجمالية بدقة أمور  واردة، لأنها لصيقة بالطبيعة البشرية.

 

 الترجمة في مسارها التاريخي

يعتبر تاريخ كل فن أو علم الأساس الذي يُبْنَى عليه حاضره ويُسْتَشْرَفُ به مستقبله، فتاريخ الترجمة من أفضل السبل للتعرف على هذا النشاط البشري الذي يتقاطع مع تاريخ الحضارات، ويلقي الضوء على الآداب والعلوم والثقافات والفلسفات والديانات، فبفضل دراسة هذا التاريخ أمكن التعرف على ما كان رائجا من آراء متضاربة بشأن العملية الترجمية، ويسرت الحفريات التي عرفها هذا التاريخ معرفة مباديء هذا الفن وطرائقه ومناهجه، والمترجمين الأوائل الذين أدوا في بعض الأحيان ثمنا غاليا لترجمات طالها نسيان أو تحريف منهم سيسرون Ciceron ( 107 ق.م-47 ق.م ) الفيلسوف والخطيب والسياسي والمترجم الروماني، والقديس جيروم Saint Jérôme ( 347-420) الذي تنسب إليه ترجمة التوراة إلى اللغة اللاتينية التي عرفت بالفلكاتLa Vulgate، وأتين دولي Etienne Dolet ( 1509-1546 م) مترجم أعمال أفلاطون، ومع أن الأمور تغيرت إلا أن مسؤولية المترجم تظل حاضرة بقوة[11].

وتطرح دراسة تاريخ الترجمة إشكالية شح شواهد المترجمين بشأن عملهم الترجمي، وعدم تناولهم لنشاطهم كموضوع قابل للدراسة مع الإشارة إلى الصعوبات المعترضة، والطرق المتبعة لحلها، ويشير أنطون بيرمان Antoine Berman الذي يعتبر المؤسس لعلم الترجمة إلى أنها لم تحض بدراسة نقدية على غرار الأعمال الأدبية والعلمية الأخرى، مع ذهاب بعض الدارسين إلى أن أغلب النظريات الترجمية الحالية ليست إلا نظريات قديمة بلمسات جديدة، وأنه إذا كان بين أيدي المترجمين حاليا أسس ينطلقون منها فالتراجمة القدماء هم مؤسسوها.

ويظهر من خلال الاستقراء التاريخي أن الترجمة عرفت زمانين متمايزين وهما:

الزمن الأول: من العصور القديمة أوAntiquité إلى عصر الأنوار الذي توارت فيه الاهتمامات بالترجمة كموضوع، وراء اهتمامات دينية أو سياسية أو أدبية أو فلسفية؛

الزمن الثاني: الذي عرف إرهاصات استقلال الترجمة في القرن التاسع عشر، لتتأكد في النصف الثاني من القرن العشرين عبر مدارس ونظريات وبرامج تدريس جامعية.

وهناك أسطورتان أسستا للترجمة، وتركتا بصمتهما في المخيال العام، وهما:

أسطورة برج بابل: قد يبدو تعدد اللغات واختلافها مذهلا إذا أُخِذَ بالاعتبار تماثل دماغ الإنسان وجهازه الصوتي واحتياجاته الأساسية، فاللغة تسمح بالتواصل داخل مجموعة معينة وتشكل عائقا للتواصل خارج  هذه المجموعة، والجواب عن سؤال التعدد اللغوي يوجد بعضه في التوراة في أسطورة بابل التي تجعل من هذا التعدد عقابا عن تطاول البعض ببناء صرح يبلغ عنان السماء، فبلبل الله تعالى لسانهم ومنعهم من التواصل[12]، فتكون الترجمة عصيانا لأوامر عدم التواصل ونوع من التجذيف أو Blasphème، لهذا يذهب العهد الذي يحمل اسم  Megillath Taanith  le traité Rabbiniqueوالذي ينسب إلى القرن الأول الميلادي إلى أن العالم أظلم لمدة ثلاثة أيام لما ترجمت التوراة إلى اليونانية.[13]

وأسطورة الترجمة السبعينية للتوراة: استنادا إلى الأسطورة التي تحكيها رسالة أغستي La lettre d’Aristée  [14] فقد أمر بطيلموس الثاني بتعيين اثنين وسبعين حاخاما، ست من كل قبيلة من قبائل اليهود الإثني عشر، فتشمل الترجمة السبعينية حاليا مجموع ترجمة العهد القديم إلى اليونانية التي تحققت ما بين القرن الأول والثالث ق.م، مع أن المؤرخين يذهبون حاليا إلى أن هذا النص أسطورة، وأن النص السبعيني نتج عن  ترجمات متعددة، في حين أن كتب العهد القديم الأخرى لم تترجم إلا بعد التوراة بقرنين، واختلفت القيمة الأدبية للترجمات باختلاف المترجم، ويذهب مختصون من أمثال دانيلو وموميكليانو[15] Danielo et Momigliano بأن هذه الترجمة لم تكن معتمدة في المعابد اليهودية حيث كان يقرأ عادة النص العبري، وقد يلجأ إلى الترجمة أو إلى الشرح، في حين أن النصارى الأوائل اعتمدوا النسخة السبعينية كنص مرجعي.

وأفصحت لفافات Les rouleaux البحر الميت التي اكتشفت بقمران سنة 1947 عن أجزاء من ترجمة التوراة إلى اللغة الآرامية التي يقول المؤرخون أنها كانت في القرن الأول والقرن الثاني ق.م.

ولا يُنْظَرُ إلى الترجمة بعين الرضا حين يتعلق الأمر بالنصوص المقدسة وهو ما عرف بالمعارضة من أجل الضرر أو l’Objection préjudiciable ، فاعتبرت ترجمة التوراة مثلا تدنيسا لقدسية النص، وفي أحسن الأحوال  نوع من الإلهام من شأنه أن يعطي نصا مشابها للأصل، وفي كلتا الحالتين يفقد النص أصالته.

واستنكفت الحضارة الهلينية (اليونانية) Hellénique من الترجمة لشعورها بالقوة والهيمنة، واعتبرتها خصيصة للشعوب المغلوبة التي تقتفي أثر الغالب وتتبنى لغته، وهذا عكس ما ذهب إليه الرومان الذين عرفت الترجمة من اليونانية إلى اللاتينية في عهدهم ازدهارا منقطع النظير باعتبارها وسيلة من وسائل الجدل، وعرفت الترجمات التي تحمل توقيع المترجمين أول ما عرفت بروما، وأول مترجم عرف هو ليفيوس أندرونيكوس الذي ترجم سنة 240 ق.م الأديسا.

وكانت تهمة خيانة الترجمة سارية المفعول عبر المثل الإيطالي “المترجم خؤون”tradictore, traditore[16]، الذي يذكر المسيحيين بالانشقاق الذي حدث في صفوف المتنصرين الأوائل بعد تسليم بعضهم نسخا من الكتاب المقدس للسلطات الوثنية الرومانية، وتمكينها من الاطلاع على مضامينها بعد ترجمتها إبان ما سمي بالمحنة الكبرى في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي في عهد الإمبراطور ديوكليتيانوس diocletianus  الذي أمر بتعذيب كل من تنصر، وهذا بعض ما يفسر نفور الكنيسة بداية من الترجمة، ولم يتغير موقفها إلا عند احتكاكها وتأثرها بالحضارة الإسلامية، ولم تزدهر ترجمة النص الديني غربا إلا بعد الإصلاح الديني البروتستانتي وما رافقه من رد الاعتبار للغة العبرية.

وهذا ما رسخ في الأذهان ضرورة حفظ النص الديني وعدم ترجمته، وظهرت ثنائية الكلمة في مقابل الفكرة[17]، فانحاز القديس أوغستن إلى الترجمة الحرفية للنص المقدس، في حين أن معاصره القديس جروم اختار طريقا وسطا بالتحيز إلى الترجمة الحرفية بالنسبة للنص الديني، والتركيز على المعنى لباقي النصوص، ولم تتخلص الترجمة من هذه الثنائية إلا مؤخرا.

الترجمة في الشرق

الترجمة في الحضارة المصرية

يمتد عصر الفراعنة من الألفية الثالثة قبل الميلاد إلى سنة 332 قبل الميلاد حين وصل الإسكندر إلى مصر، وعرفت الترجمة عند الفراعنة لحاجة مصر لإقامة علاقات سياسية واقتصادية مع جيرانها، كما كان المترجم يقوم بدور الوسيط في العلاقات الدبلوماسية، وقد تم العثور علي ألواح في تل العمرانة يرجح أنها وصلت إلى مصر من أشور (بين النهرين) ومن عند الحيثيين بالأناضول، وكانت مكتوبة بالخط المسماري وتعود إلى عهد أخناتون بالقرن الخامس عشر قبل الميلاد، كما عثر الباحثون على رسائل مصرية بين آثار الحيثيين بنفس اللغة، وهذا ما يدعو إلى افتراض أن الكتابة المسمارية كانت الكتابة الرسمية بين الدول، وهذا ما يستلزم وجود مترجمين، وأوثر عن هيرودوت Hérodote أن المجتمع المصري  في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد كان يتكون من سبع طبقات اجتماعية من بينها طبقة المترجمين التي دعت إلى وجودها الضرورة السياسية والتكتل مع الشعوب التي توجد حول بحر إيجي  égéeوالناطقة باللغة اليونانية، وهذا ما فرض وجود مترجمين يتقنون هذه اللغة.

فبرزت طبقة المترجمين منذ القرن الخامس قبل الميلاد، مع ندرة الشواهد لصالح الترجمة في الكتابات الهيروغليفية رغم ظهور الكتابة في الألفية الثالثة قبل الميلاد في بلاد مصر، والتي تركزت في تأريخ المعارك الحربية والأساطير الدينية للحضارة المصرية، مع وجود آثار معدودة لترجمة النصوص الرسمية والمراسلات، أشهرها تلك التي تبادلوها مع حضارة ما بين النهرين mésopotamienne[18]، والتي كانت تكتب بالمصرية ثم تترجم، مع غياب الأصل المترجم، فيغلب على الظن أن الترجمة كانت شفوية.

وبعد موت الإسكندر سنة 323 ق.م تقاسم جنرالاته ملكه Empire ، وحصل بطيلموس الأول على مصر وبدأ اهتمام اليونان في عهد البطالمة بالترجمة، فترجم القس مانتون Manéthonتاريخ مصر في ثلاثين جزء  بطلب من بطيلموس الأول أو المنقذ Plotémée Soter (305 ق.م – 283 ق.م)، وصارت اللغة اليونانية اللغة الرسمية لمصر، وأسس بطيلموس متحفا احتوى على مكتبة الإسكندرية الشهيرة سنة 290 ق.م، فصارت الإسكندرية قطب الثقافة عوض أثينا، وصار بطيلموس الثاني على نهج أبيه وترجم التوراة إلى اليونانية لسببين: الأول هو حب الاستطلاع والتعرف على التوراة، والثاني هو الحصول على رضا ودعم اليهود الذين كانوا يشكلون نسبة مهمة من ساكنة الإسكندرية.

واكتشف جيش بونابارت Bonaparte نصبا Une Stèle مكتوب بالهيروغليفية والديموطيقية écriture hiéroglyphe et démotique [19]، ومرفقا بترجمة يونانية، يعود إلى سنة 196 ق.م، ويتزامن مع حكم بطيلموس الخامس، فأسهم هذا الاكتشاف في تمكين شامبليون من فك رموز الهيوغليف سنة 1822م.

الترجمة في حضارة ما بين النهرين

تشمل حضارة ما بين النهرين كل من آشور في الشمال، وبابل في الجنوب، وكانت العلاقة بينهما تتراوح بين التواجد السلمي أو انتصار إحداهما على الأخرى، واكتشفت أوربا الفن الأشوري في منتصف القرن العشرين بفضل الحفريات الأثرية في موقع خورشيد le site de Khorsabad، بعد أن تم اكتشاف مكتبة اسوربانبال assourbanipal ملك أشور من سنة668 -626 ق.م، حيث جمع هذا الملك وثائق مختلفة منها النصوص المؤسسة للثقافة البابلية وضمنها نص يشبه قصة الطوفان التي توجد في التوراة، والذي عُرِفَ لاحقا أنه جزء من ملحمة جيلكامش  Gilgamesh ، إلى جانب نص آخر بشأن بداية الخلق.

وإذا كان هذا الاكتشاف قد أثبت أصالة ما جاء في التوراة بهذا الشأن، فهو في نفس الوقت يقدح في أقدميتها، وقد أشار سامويل نوح كرامرSamuel Noah Kramer[20]إلى وجود تناظر بين بعض الموضوعات التي تناولتها التوراة وبعض نصوص الأساطير السومرية، ويعزو ذلك إلى التأثير المحتمل للكنعانيين، وهذا ما يتجلى بوضوح في التقارب بين قصيدة سومرية تحمل عنوان إنكي نهوغصك Enki et Ninhursag التي تناولت موضوع الجنة وهبوط آدم، كما أن ملحمة جيلجامشGilgamesh [21] انتشرت عبر الترجمة في أقطار الشرق الأوسط، مع احتمال انتقاءات العبريين منها لأغراض دينية.

الترجمة في بلاد الغرب

تعتبر اليونان مهد الحضارة الغربية الذي انبثقت منه النصوص المؤسسة، التي تظل المرجع ونقطة الانطلاق لما عرفه الغرب من نصوص أدبية استمدت منه مادتها أو شكلها أو أسلوبها، أو حاولت أن تحاكيه أو تكرمه بترجمات  لتبرز مميزاته، وما يثير الدهشة ويشكل خصوصية الحضارة اليونانية هو أنها بالرغم من المبادلات التجارية التي تستدعي التواصل وبالتالي اللغة، فإنه لا توجد آثار تدل على الاهتمام بالترجمة، ورغم تملك اليونان لناصية الثقافة والفلسفة لم تؤثر عليها دراسة للترجمة، وهذا ما يدل على عدم اهتمامها بهذا النشاط الفكري، وعدم جعله موضوعا للدراسة أو أداة من أدوات المعرفة، وهذا راجع في قسط منه إلى الشعور بالتفوق  واعتبار الأمم الأخرى برابرة، مع بداية محتشمة للترجمة مرافقة لحوارات أفلاطون(427 ق.م-) الذي أشار إلى فضل مصر الثقافي على اليونان، وذكر زيارة رجل الدولة اليوناني سولون Solon لمصر، ونقله لما حكاه كاهن عن أسطورة L’Atlantide وترجمته، فتبنى اليونان هذه الأسطورة دون أدنى إشارة إلى أصلها المصري.

وأما النصوص العبرية فكانت في بداياتها شفهية، وتزامن في القرن الثالث قبل المسيح ثلاثة أشكال للنص العبري، وهي: النص الماسوري، والأسفار الخمسة السامرية بلهجة قريبة من الآرامية، والشكل الذي سيكون أصل النسخة السبعينية أو La Septante، ويبدو أن كتابة بعضها بدأت سنة 1300 ق.م، وفي سنة 721ق.م أخذ الأشوريون السامرة وهجروا ساكنتها، وهدم ملك بابل القدس سنة587م وهجر جزء كبيرا من سكانها فكانت نهاية مملكة يهودا في الجنوب وتدمير النصوص الدينية، ثم تم دمج يهودا la judée في الامبراطورية الفارسية منذ سنة 538م، وهذا ما أعطى لهذا الإقليم استقلالية وأمكنه من إعادة كتابة نصوصه المقدسة، فكلمة توراة أو قانون لا توجد في اليهودية، وهي كلمة استعملها الأحبار للتدليل على مجموع شهود تنزل الوحي بسيناء، وقسمت النصوص الدينية اليهودية إلى عدة مجموعات، وهي:

التوراة التي تشمل مجموع الكتب الخمسة التي أطلق عليها الكاثوليك ابتداء من القرن الثاني للميلاد اسم أسفار موسى الخمسة أو pentateuqueوأصل الكلمة يوناني، واثنتا عشرة كتاب تاريخ، وخمسة كتب شعر، وسبعة عشر كتاب في النبوءة أو Les Nebiim.

 

الترجمة في الحضارة الإسلامية

    ظهر الإسلام في منطقة الحجاز بغرب شبه الجزيرة العربية، وبالتحديد بمكة والمدينة اللتان تقعان على الطرق التجارية التي تربط الأراضي السورية بالشمال باليمن بالجنوب، ومصر وأثيوبيا عبر البحر الأحمر، وشرقا بالجزيرة العربية وهي صحراء في معظمها يقطنها البدو الرحل، ولم تكن شبه الجزيرة معزولة عن منطقة المتوسط  مركز الثقافة آنذاك، فقد اتصل العرب في أسفارهم التجارية بالثقافات الهيلينية الإغريقية اللغة والثقافة، والساسانية التي حكمت بلاد الفرس واتخذت الآرامية لغة رسمية في بعض الحقب التاريخية، فوجدت دويلات عربية موالية لكل من البيزنطيين والساسانيين،[22] كما عاش عدد من اليهود والنصارى في الواحات الخصبة بجزيرة العرب، ويبدو أن الحارث بن كلدة تعلم الطب بفارس، وأما النضر بن الحارث فقد أخذ الطب عن أبيه، وأخذ شيئا من علوم الأوائل عن الفرس ووظفها لمجادلة النبي ﷺ.

فهيمنت الحضارة الإسلامية على شعوب آسيا وأوربا الشرقية والجنوبية وشمالي إفريقيا، وحمل المسلمون في فتوحاتهم عقيدتهم الإسلامية ولغتهم العربية، وأخضعوا حضارات وثقافات مختلفة منها من أسلم وتبنى اللغة العربية وقدم للمسلمين أعمالا نوعية في الفقه واللغة والتاريخ والفلسفة والآداب، ومنها من استعرب وظل على دين آبائه من نصرانية ويهودية ومجوسية، فترجموا إلى اللغة العربية تراث أممهم، وشغلوا مناصب في دواوين الخلفاء.

وإذا كان في مقدور اللغة العربية أن تصمد في الميادين الأدبية، فإن لغة الدواوين والعلوم التي نقلت عبر الترجمة من اللغات الفارسية والسريانية واليونانية والهندية استدعت تطورا لغويا طال المعجم والمنهج وأبرز القدرة الاستمرارية الخلاقة للغة العربية.

وسبق الحركة الترجمية حركة تعريب السجلات أو الدواوين التي شملت مختلف الأنظمة كالمالية والشرطة والمظالم والجيش وغيرها، وذلك في عهد عمر ابن عبد العزيز بن مروان (95) بعد أن وُجِد من أتقن اللغة العربية من الموالي، فعربت دواوين العراق والشام ومصر، ونشطت في العراق على وجه الخصوص عملية التدوين التي شملت اللغة العربية التي وضعت لها معاجم، كما وضعت قواعد النحو، ودونت لاحقا مختلف العلوم.

ويغلب على الظن أن نقل العلوم إلى اللغة العربية بدأ بالمشافهة، يقول ابن أصيبعة أن الطبيب ماسرجويه قام بتفسير كتاب في الطب باللغة السريانية بعنوان “أهرن” في عهد عبد الملك بن مروان، وأشار ابن النديم إلى أن من التراجمة الأوائل من كان ينقل عن الفارسية كابن المقفع والمؤرخ البلاذُري، ومنهم من نقل عن اللغة الهندية كابن وحشية وابن دهن الهندي، ومنهم من نقل عن السريانية أو مباشرة عن اليونانية كابن ناعمة الحمصي وحنين ابن إسحاق، كما حذق البعض صناعة الطب من كتب اليونان كآل بُختيشوع ويوحنا بن ماسويه.

ولم يكن توسط اللغة السريانية في الترجمة عن اليونانية قاعدة عامة، بل كانت هناك ترجمات مباشرة من اليونانية إلى العربية، وكانت المصطلحات اليونانية تنقل إلى العربية حرفيا أو عبر الاشتقاق والنحت والنقل، وتُظْهِر رسالة الحدود للكندي قدرة اللغة العربية على تبيئة مصطلحات فلسفية، إما بألفاظ عربية أصيلة مشتقة أو جامدة معروفة في أساليب الكتاب والأدباء، منها العلة والعقل والنفس والطبيعة وغيرها، وصنف اشتق بطريقة غير مألوفة أو جاء كمصدر صناعي أو قيد بوصف، وصنف من الكلمات عربت من أصلها اليوناني مثل الهيولي والفلسفة.

وإذا كان السوريان الذين لم يكونوا متمكنين من أساليب اللغة العربية قد اقتصروا في ترجمتهم لعلوم الأوائل من اللغة اليونانية على تعريب المصطلحات الفلسفية، فقد عرفت هذه الترجمات تحسنا حين أعاد ترجمتها من أتقن اللغة العربية، فتيسرت قراءتها بعد أن صارت أكثر وضوحا، وهذا ما قام به كل من ابن سينا وابن رشد.

وهذا لاينفي اندماج بعض المصطلحات اليونانية في النسيج اللغوي العربي منها إكسير وبطاقة وغيرها، ونمت المصطلحات الفلسفية في اللغة العربية بشكل متواز مع الاهتمامات الفلسفية اعتمادا على الاشتقاق والاقتباس داخل الأصول العربية، فنقلت معظم علوم اليونان إلى السريانية في كل من الشام والعراق، تلبية لرغبة المسيحيين واليعاقبة والنساطرة في دراسة تلك العلوم بلغتهم وليس بلغة الكنيسة البيزنطية التي انفصلوا عنها دينيا، ووجد المسلمون في الحواضر التي فتحوها مدارس للسريان والفرس والقبط كانت تدرس فيها علوم الأوائل من فلسفة وفلك وطب ورياضيات.

فاهتمت الترجمة بنقل التراث الذي يلبي متطلبات الحياة العامة كالطب والصيدلة والفلك ثم الهندسة والحساب والميكايكا والفلاحة، مع تعدد الترجمات قصد التنقيح والتوضيح كما فعل حنين بن إسحاق لترجمة بعض كتب جالينوس في الطب.

وما لبثت هذه الكنوز المعرفية أن نقلت إلى الديار الغربية في حركة ترجمية عكسية انطلاقا من الأصول العربية وأسدت إلى الغرب خدمة جليلة، وكانت الوقود للنهضة التي بدأت إرهاصاتها منذ القرن الثالث عشر الميلادي.

خاتمة

فرض اختلاف اللغات وضرورة التواصل بين بني البشر اللجوء إلى الترجمة التي بدأت كفن قائم على التجربة والدربة، ثم اندرجت في العلوم الإنسانية، لتجد لها موقعا ضمن العلوم الطبيعية وتحديدا ضمن العلوم العصبية، بعد ما آلت إليه من أتوماتيكية عبر تقنيات الحواسب التي تعتمد الرياضيات والمنطق، والأقمار الصناعية، والفاكس والبريد الإلكتروني، كما فرضت الترجمة نفسها لأسباب منها الهجرة، وظلت تهمة الخيانة لصيقة بالمترجم منذ ما يسمى بالمحنة الكبرى عند النصارى، وهذا بعض ما يفسر إعراض الكنيسة بداية عن ترجمة النصوص المقدسة.

وأما تاريخ الترجمة فضارب في القدم في الشرق والغرب، فعرفت في الحضارة المصرية لأسباب سياسية واقتصادية،كما عرفت في حضارة ما بين النهرين التي اشتهرت فيها ملحمة جيل كاميش التي تحتوي على نص مشابه لقصة الطوفان التي توجد في التوراة، إلى جانب نص آخر بشأن بداية الخلق، مما يرجح الظن بأخذ اليهود عن هذه الملحمة.

وأما في الغرب فقد ترفع اليونان ابتداء عن الترجمة، واعتبروا أن ما دون لسانهم عجمة ورطانة، في حين أن الرومان ترجموا عن اليونان ما أسعفهم على الجدل، وأخذوا عن الحضارة المصرية دون الإشارة إليها.

ويمكن التمييز في تاريخ الترجمة بين الزمن الأول الممتد من العصور القديمة أوAntiquité إلى عصر الأنوار الذي توارت فيه الاهتمامات بالترجمة كموضوع وراء اهتمامات دينية أو سياسية أو أدبية أو فلسفية، والزمن الثاني الذي عرف إرهاصات استقلال الترجمة في القرن التاسع عشر، لتتأكد في النصف الثاني من القرن العشرين عبر مدارس ونظريات وبرامج تدريس جامعية، كما عرفت نظريات منها: نظرية التلقي التي تربط قيمة الترجمة بقدرتها على تلبية حاجات المتلقي العلمية أو الأدبية، ونظرية التبليغ التي تحصر العمل الترجمي في نقل خبر الأصل، ونظرية التأويل التي تعتمد على الملائمة بين المعنى الصريح والمعنى الضمني عبر التأويل، والنظرية التفاعلية التي يمكن أن تقدم في اللغة المترجَم إليها نصا معادلا للنص الأصلي في معناه وأسلوبه، وإن اختلفت لغته.

وأما في العالم الإسلامي فقد بدأت الترجمة بتعريب الدواوين وما دعت إليه الحاجة في ميادين الفلاحة والطب والفلك وغيرها، لتشمل لاحقا مختلف العلوم بما فيها الفلسفة، وطاوعت اللغة العربية الترجمة عبر الاشتقاق وغيره، ولم يكن التوسط السرياني قاعدة عامة بل كانت هناك ترجمات عن الأصل اليوناني، كما عرفت مراجعات لترجمات السريان التي لم تف بالغرض لقلة زاد السريان من اللسان العربي، وبهذا أسدت الحضارة الإسلامية خدمة جليلة للإنسانية.

 

المراجع باللغة العربية

  • تاريخ الترجمة العربية بين الشرق العربي والغرب الأوربي، د.عوني عبد الرءوف-مكتبة الآداب، القاهرة-مصر،ط1/ 1429 هـ-2008 م.
  • الترجمة العلمية، ندوة لجنة اللغة العربية لأكاديمية المملكة المغربية، طنجة، 19-20 رجب1416 ، 11-12 دجنبر1995 م.
  • فقه الفلسفة الفلسفة والترجمة، د.طه عبد الرحمن- المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، ط3 / 2008 م.

المراجع باللغة الفرنسية

Histoire de la traduction repères historiques et culturelles, Michel Ballard de boeck 1ère édition, 2013.

L’importance d’étudier l’histoire de la traduction-un préalable à la pratique,Selwa Tawfik, université de Montréal.

Poétique du traduire, Henri Meschonic, Paris: Verdier, 1999.

Les Problèmes théoriques de la traduction, Préface De Dominique Aury, Georges Mounin, gallimard, 1963.

La retraduction comme espace de traduction, Antoine Berman, Palimpsetses, 1990.

 

[1]  المعجم العربي الأساسي للناطقين بالعربية ومتعلميها، تأليف وإعداد جماعة من كبار اللغويين العرب، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989، ص 196-197 بتصرف.

[2]  لسان العرب، ابن منظور، طبعة جديدة مصححة وملونة، اعتنى بتصحيحها أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي- دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت-لبنان، ط3/ 1419هـ-199م ، مادة ترجم، ج2 ، ص2.

[3]  تعني كلمة Ragamu: يتكلم أو يرفع دعوى، للتوسع يمكن الرجوع إلى كتاب: تاريخ الترجمة العربية بين الشرق والغرب، د,محمد عوني عبد الرءوف-مكتبة الآداب، القاهرة-مصر، ط1/ 1429هـ-2008 م، ص 15.

[4] Il n’y pas de ligne d’arrivée définitive du savoir.

[5] Mathieu Guidère, Traductologie , introduction à la traductologie, penser la traduction : hier, aujourd’hui, demain, traducto, de boeck superieur, 3ème Edition , 2016 .

[6] L’erreur désignerait l’écart entre les fins visées et les fins réalisées.

 

[7]  هانس كادامير فيلسوف ألماني تتلمذ على مارتن هيدجر Martin Heidegger ومن أشهر منظري التأويل الفلسفي، وقع إعلان أساتذة الجامعات والمدارس العليا الألمانية لصالح هتلر.للتوسع يمكن الرجوع إلى معجم الفلاسفة

Dictionnaire Des philosophes , Noella Baraquin et jaqueline laffite , armand colin, 2ème edition , 2000,p 143.

 

عالم الفكر العدد4 المجلد41 يونيو2013، الترجمة والتأويل التداولي،د.أحمد كروم، صـ200 .[8]

[9] أوجين ندا مترجم أمريكي وصاحب النظرية اللغوية الاجتماعية للترجمة، وهو صاحب النظرية اللغوية الاجتماعية للترجمة، درس اللغات في أكثر من خمس وسبعين دولة، كما أشرف على دراسات لغوية، وأنجز أبحاثا، وأسهم في برامج تعليمية همت أكثر من مائتي لغة من لغات أمريكا اللاتينية، شغل منصب مدير البحث الترجمي في منظمة” التحالف الإنجيلي العالمي “.

 

[10]  فقه الفلسفة، الفلسفة والترجمة، د.طه عبد الرحمن – المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، ط3/ 2008م، صـ 302 – 306.

[11]  يقول ابن خلدون بشأن التاريخ: “…وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق…” مقدمة ابن خلدون، المجلد الأول-دار البيان، ص4.

[12]  Allons !descendons , et là confondons leur langage, afin qu’ils n’entendent plus la langue, les uns des autres, Genése 11 : 7.

 

[13]

[14] La lettre d’Aristée fait partie des apocryphes de l’anci

en testament, c’est-à-dire des écrits imités des Saintes écritures ou générées par elles ; considérés comme d’origine douteuse ils ne sont pas admis dans le canon biblique. Histoire de la traduction, p19.

[15] Histoire de la traduction, p 18.

 الترجمة العلمية، ندوة لجنة اللغة العربية لأكاديمية المملكة، طنجة 19-20 رجب 1416هـ، 11-12 دجنبر 1995 م، صـ 23.[16]

[17] يقترن كلام الله تعالى بصفة الخالقية، وبهذا يعاكس مفهوم الوضع اللغوي، و نتج عن هذه الثنائية جدلا في القرون الوسطى فاعتبر أتباع أفلاطون والقديس أغستن بأن الكلام تجل للأفكار فتوجد علاقة عضوية بين الفكرة والكلمة، بينما اعتبر أرسطو ثم القديس طوماس بأن حقيقة الأفكار لا توجد إلا في الأذهان، ونتج عن القناعة بأنه توجد علاقة بين الكلمة وما تحمله من معنى ريبة فيما يخص ترجمة النصوص المقدسة التي عممت في ميدان الشعر، ولتجاوز هذه الإشكاليات اقترح التأويل، أو الترجمة الحرفية مع تسلسل هرمي للغات فالأصل الإلاهي للنص الديني يحول دون الوصول المباشر إلى المعنى الذي يستدعى عملا تفسيريا  قد لا يقود بالضرورة إلى الفهم ، فأدى العمل الهرمنتوقي للتوراة إلى تعليقات عرفت بالتلمود Talmud  والمدراشmidrash.

 

[18]  كانت حضارة ما بين النهريين تتكون من أشور في الشمال وبابل في الجنوب، مع رجوح دفة القوة لصالح إحداهما في فترات معينة، للتوسع يمكن الرجوع إلى كتاب تاريخ الترجمة، ميشل بالاغ، ص 11 – histoire de la traduction,Michel Ballard.p11

[19]  ظهرت الهيوغليف في القرن الثالث ق.م مستوحاة من الفن التصويري وتحولت إلى كتابة ديموتيك في عهد البطالمة

 

 [20]  تاريخ الترجمة، صص 11-12.

[21]   جيلجامش ملك اوروك، ساد سنة 2650 ق.م، يعتبر إله الظلمات في الأساطير السومرية، وهو بطل الملاحم ومن أشهرها ملحمة جيلجاميش التي عرفت نجاحا كبيرا.www.universalis.fr

 [22]  تاريخ الاستشراق وسياساته الصراع على تفسير الشرق الأوسط، زكاري لوكمان، ترجمة شريف يونس-دار الشروق، القاهرة-مصر، ط1/2007، ص62.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.