منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ولا يزالون يقاتلونكم..

ولا يزالون يقاتلونكم../ محمد سالم المجلسي الشنقيطي

0

ولا يزالون يقاتلونكم..
بقلم:  محمد سالم المجلسي الشنقيطي

تذكير..
“ولا يزالون يقاتلونكم..”
أمريكا دولة عُدوان وطُغوَان، تَنفد دون إحصاء جرائمها المحابر، وتضيق عن ذكر مساوئها الطُّروس، ومهما وصفها المصاقع على منابر الحقّ، ورَقَم عنها المُلهمُون على صفحات التاريخ فلن يبلغوا حصاةً من صحراء ظُلمها المُقفرة من بَلال العَدل والمَعروف.

“أدريان هاملتون” كاتب بريطانيٌّ شَهير كثيرا ما وصف أمريكا بأنها دولة مارقة، تصنع الحروب، وتغرس النزاعات، وتنفق بسخاءٍ على أَشَدِّ الأسلحة فتكا، وتحمي إرهاب الدولة، وتسلح الاغتيالات الإسرائيلية وغيرها، هذا فضلا عن غزو البلدان، وتنفيذ الانقلابات، ونهب الثروات، وتمرُّدها على كل القوانين والأعراف، والشغف بالهيمنة على العالم.

أما الكاتب والدبلوماسي الأمريكي “ويليام بلوم” فقد ألف كتابه “الدولة المارقة” ووصفه بأنّه الكتاب الذي لا يريد لنا الأقوياء قراءته، وهو غاية في دقة الوصف وتكييف الأحداث والوقائع, ولذلك وصل فيه إلى حل ذكره في المقدِّمة، فقال: (لو كنت رئيسا فإنني سأوقف منذ الأيام الأولى العمليات الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية. أولا: سأقدم اعتذاري لكل الأرامل واليتامى والأشخاص الذين تعرضوا للتعذيب، ولأولئك الذين كان الفقر نصيبَهم، ولملايين الضحايا الآخرين للإمبريالية الأمريكية، بعد ذلك سأعلن في الجهات الأربع للعالم بأن التدخل الأمريكي في دول العالم قد انتهى بشكل نهائي، وسأخبر إسرائيل بأنها لم تعد أبدا الولاية الواحدة والخمسين من الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما مجرد دولة أجنبية، بعد ذلك سأقلص من الميزانية العسكرية بنسبة 90% على الأقل محولا الفائض إلى الضحايا كتعويضات..)

أما الدكتور الطبيب ستيفن مايلز فقد صنَّف كتابه “خيانة القسم” الذي كان غاية في توثيق وسائل التعذيب في السجون الأمريكية في العراق، والتي منها استعمال العلوم الطبية في التعذيب، فذكر من صوره الرَّهيبة ما ينفطر له كل صَلب, ولا يخطُر على بال ذي قَلب.
وإن تعجب فعجبٌ كون أمريكا تلبس كلَّ وَقت لباسَ المظلومين، وترفع دعوى المحرومين, فكيف إذا جُرحت جُرحا، أو أخِذَ منها ثَأرٌ!؟

ولقد استطاعت أن تكون داعية “السَّلام”، وحارسةَ “الحقوق”، وصانعة “الحضارة”، وقائدة الأمم, فانتظمت في سلكها الدُّولُ في حروبها على “الإرهاب”، وسارت خلفها لترسيخ “حقوق الإنسان”, ووقفت على أبوابها وتسابقت إلى ولائها طمعا في عَطائها, أو خوفا من غُلَوائها.
ألا فاعلمواْ -أيها المتبعون لنهجها والسائرون في ركبها- أنَّ بناءها خراب، ووعدها سراب، وأن بينها وبين خصومها داء الضرائر، وأنّه بالساعدين تبطش الكفَّان, ومن كان لها ساعدا فلن تَحميه حتَّى تحمِيَ نفسَها.

مضت عهود طويلة رمت فيها أمريكا المسلمين بالدَّواهي وطَغت عليهم سُيول ظلمها، وقلَّ فيها مَن يُواسيهم أو يسليهم أو يَتوجَّع..حيث ضاعت المروءات.
في غَمَرات هذا التَّوجُّه اللَّافت لا يكاد يُوجد مَن يَذكر –ولو بصوت خافت- أمرا لا تَزال رياحُه لواقِحَ لتلك الأجواء، فتُخصِّبها وتحمل أهلَها على التّعاطف مع بعض المسلمين أحيانا هُروبا من تَبعات ما سِواه، وإن حَمَل بَعضَهم على التَّعاطُف بقيَّةٌ من أخلاق الفطرة الَّتي دنَّسها الكفرُ الدَّخيل..فتلك من لطائف الرَّحمات الَّتي لا يَخلو منها زمان، يُردُّ لأهلها جميلُهم.

ذلك الأمرُ المؤثِّر نبضُ حياة واعد، وبشائر نَصر لائحة، وقدمُ عزٍّ راسخة، جدَّدت لوحتَه وزيَّنتها في هذه العصور صنائعُ أجيالٍ من الصُّبُر الصُّدُق، بذلوا مُهَجَهم رخيصةً في سبيل الله، وتَقطَّعت أشلاؤهم دفاعا عن الدِّين، وغصَّت بهم سُجون الطُّغاة، ورُقِم بهم على وَجه الزَّمان بُرهانٌ على نَجابةِ هذه الأُمَّة الوَلود.

يلهثُ كثيرٌ من النَّاس خلف القول إنَّ جراحات الأمَّة اليومَ كانت بأيدي أبنائها الَّذين جرُّوا عليها جريرةً بسببها رماها الغرب بثالفة الأثافي..وهو قول لم يَعتمد على استقراء ولا مناسبة صحيحة، ولو صحَّحوا المنطلق وبحثوا عن الخَلل, فردُّوا السَّبب إلى مكاسب الأمَّة السَّيِّئة لقام لهم شاهدٌ من قول المولى: (وما أصابَكم مِن مُصيبَة فَبِما كَسَبَت أيدِيكم)
ومع هذا السَّبب العامِّ المؤثِّر والقاعدة التَّربوية المصلحة يقوم على ساق القوَّة في أُفُق الوُضوح سَببٌ خاص تُنسَب به الجراحات والسَّيِّئات إلى مُجترِحيها, فقد قال سُبحانه: (ولن تَرضَى عنك اليهود ولا النَّصارى حتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم)
وقال سُبحانه: (ولا يزالُون يُقاتلونكم حتَّى يَرُدُّوكم عن دينكم إن استَطاعُوا)

وما أكرم النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما أرحمَه..فقد كان يَحنُو على الخلق حُنُوًّا أشدَّ من حُنُوِّ الأُمِّ على صِغارها، وكان يُشرق الأمانُ من كلماته, ويتدفَّق السَّخاءُ من يَديه، ويتضوَّع الإحسانُ من جَنابِه الطَّاهر، وملأ الدُّنيا عدلا وسلاما..ومع ذلك استمرَّت قُريشٌ في حَربه، ومسَّت المسلمين بقُروح، وبَقي اليَهودُ يحاربُونَه ويَكيدُون له، وكلَّما أُطفِئت من شرِّهم نار أوقَدُوا أُخرَى..فجاهدَهم وقد سالت في ذلك دماء، ورُكبَت مَشاقّ, حتَّى كُسِرت شوكتُهم المُتربِّصة، ورُدِع سَفهُهُم الطَّائش..وبقيَ باب الصِّراع والمُدافعة مفتوحا.

وليت شعري.. كيف نَطمع نحن اليومَ أن تُكَفَّ أيدِي سُفهائهم عنّا وتَخرس ألسنتُهم بأخلاق باردة، ومواقف عن ميادين العزِّ شاردة !!

إنَّها حقيقة بتغييبها يُغيَّب جهادُ حق، ويَضيع تاج عزَّة، حقيقة لا يَخلو زمَن من قبسٍ من أنوارها الَّتي تُبدِّد ظلام الطَّاغين، وترفع هِمَمَ الصَّادقين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.