منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مناقشة أطروحة الدكتوراه: القواعد الفقهية وتطبيقاتها المتعلقة بالعمل التطوعي

عثمان غفاري

0

 

نوقشت يوم السبت 23 جمادى الآخرة 1443هجرية الموافق ل 6 فبراير 2021 ميلادية على الساعة العاشرة والنصف صباحا برحاب كلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة محمد الأول بوجدة، وبالضبط بقاعة نداء السلام أطروحة جامعية عن وحدة تكوين الدكتوراه: العمل الاجتماعي في الإسلام وتطبيقاته المعاصرة.

أعدها الطالب الباحث مصطفى بوهبوه في موضوع: القواعد الفقهية وتطبيقاتها المتعلقة بالعمل التطوعي تحت إشراف فضيلة الدكتور: عبد الحفيظ دومر.

وناقشتها لجنة من الأساتذة الدكاترة تتكون من:

فضيلة الدكتور: محمد الطلحاوي رئيسا.

المزيد من المشاركات
1 من 10

فضيلة الدكتور: نورالدين قراط مقررا.

فضيلة الدكتور: محمد بنعمر مقررا.

فضيلة الدكتور: عبد الحفيظ دومر مشرفا.

وبعد دفاع الطالب عن أطروحته التي جاءت في أكثر من 340 صفحة ومناقشة اللجنة له في الموضوع والشكل والعنوان والخطة والمنهج والمصادر، امتدت لثلاث ساعات منحت اللجنة للطالب مصطفى بوهبوه درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية تخصص الفقه والأصول بميزة مشرف جدا مع التنويه والتوصية بالطبع.

وتقدم الطالب الباحث بتقرير موجز عن الرسالة العلمية المعروضة للمناقشة أمام هذه اللجنة العلمية وبحضور ثلة من الأساتذة وطلاب العلم وزملاء الباحث وأسرته الصغيرة والكبيرة.

هذا نصها الكامل:

بسم الله فاتحةُ كل خير، وتمامُ كل نعمة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

فضيلة الدكتور سيدي: “عبد الحفيظ دومر”

فضيلة الدكتور سيدي: “محمد الطلحاوي”

فضيلة الدكتور سيدي: “نورالدين قراط”

فضيلة الدكتور سيدي: “محمد بنعمر”.

أيها الحضور الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

سعيد بلقائكم في هذا اليوم المبارك، وأنا أسعد بأن أمثُلَ أمام هاته اللجنة العلمية المباركة، متعلما، ومتتلمذا، أقدم بين يديكم تقريرا مركزا عن الأطروحة التي حضرتها بعنوان: ” القواعد الفقهية وتطبيقاتها المتعلقة بالعمل التطوعي“.

لكن قبل البدء، اسمحوا لي السادة أساتذتي أعضاء اللجنة العلمية الموقرة أن أستهلّ هذا التقرير بكلمة في حق أستاذي الجليل العلامة سيدي “عبد الحفيظ دومر” حفظه الله، الذي تفضل بقبول الإشراف على هذا البحث ورعايته له منذ أن كان فكرة إلى أن استوى خلقا أتمناه سويا، فاللهَ أرجو أن يجزلَ له العطاء، ويجريَ الخير على يديه حتى يصير للرحمن وليا، وليشمله وولده بالرعاية التي خصَّ بها عباده المقربين، ويبوئه من الجنة مكانا عليا.

وإنه لمن منن الله على هذا البحث وصاحبه، أن يتفضل العالم الجليل، أستاذنا القدوة، سيدي “محمد الطلحاوي”، بقبول المشاركة في فحص هاته الأطروحة، رغم ظروفه الصحية، وأحسُّ بأن في استجابته وتفضله بالمشاركة في المناقشة، ما يدل على أهمية الموضوع، فلذلك، أملي أن يكون في هذا العمل ما يرضي اهتمامه، وما يستجيب لانتظاراته، فشكرا له أن يتولى احتضان أمثالي من مبتدئي الباحثين.

كما لا يفوتني أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان إلى أستاذي الدكتور المقاصدي سيدي : “نورالدين قراط” أحد أساطين كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة الذي عهدته متواضعا متمرسا بقضايا البحث والمقاصد الشرعية. وأستاذي الجليل، سيدي “محمد بنعمر” أحد الباحثين في قضايا التربية وأصول الفقه، فلهما مني الاعتبار التام، والتقدير العظيم، لتفضلهما بمناقشتهما هاته الأطروحة، وتدقيقهما النظر في مضامينها وصياغتها.

والشكر موصول إلى جميع من مد لي يد العون من أجل إنجاز هذا البحث، ولا يفوتني أن أشكر جميع الحاضرين الذين شرفوني بحضورهم ومتابعتهم.

أولا: دوافع اختيار موضوع البحث

السادة أعضاء اللجنة، أيها الحضور الكرام.

إن اختيار موضوع: “القواعد الفقهية وتطبيقاتها المتعلقة بالعمل التطوعي”، لم يكن اعتباطا، بل كان مؤسسا ومبنيا على دوافع كثيرة؛ منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو موضوعي:

  أما الدوافع الذاتية، أذكر منها ما يلي:

1. كوني أنتمي إلى وحدة تكوين الدكتوراه ــ التي أعتز بالانتماء إليها ــ والتي تحمل عنوان: “العمل الاجتماعي في الإسلام وتطبيقاته المعاصرة”.

2. اهتمامي بالعمل الاجتماعي باعتباري رئيس جمعية، وعضوا نشيطا بمجموعة من الجمعيات الخيرية التطوعية.

3. شغفي الكبير بعلم القواعد الفقهية، ورغبتي الكبيرة في دراسة هذا الفن من العلوم.

   أما الدوافع الموضوعية، يمكن إجمالها في النقط الآتية:

1. إماطة اللثام عن موضوع العمل التطوعي باعتباره وسيلة للبناء الحضاري.

2. شرف علم القواعد الفقهية، وقدرته من خلال حسن استثماره وتوظيفه ــــ على استيعاب أبعاد جديدةٍ، في مجالات تطبيقاته وتنزيل أحكامه الكليَّة على الواقع.

3. بيان شمولية الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وأنه مهما استجدت في حياة الناس من قضايا ونوازل فإن لها حكما في شريعة الله.

4. حاجة العمل التطوعي والقائمين عليه، إلى هذا العلم، في التنظيم والترشيد، وفي الترتيب والتسديد والتطوير، مما يجلِّي روح العمل التطوعي ومعالمه، ويحقق أهدافه ومقاصده.

5. رغبتي في ربط فروع ونوازل العمل التطوعي المعاصر بالقواعد الفقهية، مما دفعني إلى استقراء كتب الفقه الأصيلة، لجمع جملةٍ مختارة من القواعد الفقهية المؤثرة في قضايا منظومة العمل التطوعي، وإبراز بعض صوره التطبيقية المعاصرة، بطريقة يسهل الرجوع إليها، والاستفادة منا.

ثانيا: إشكال البحث

إن الإشكال الجوهري الذي حاولت الإجابة عنه في هذا البحث مفاده: ” إلى أي حد يمكن استثمار القواعد الفقهية في منظومة العمل التطوعي؟

وعن هذا الإشكال الجوهري تناسلت مجموعة من التساؤلات الفرعية التي يمكن إجمالها فيما يلي: ما مفهوم القاعدة الفقهية؟ وما مدى الاستدلال بها على الأحكام؟ ما مفهوم العمل التطوعي وما مشروعيته وخصائصه ومجالاته ومصادر تمويله؟ ما علاقة القواعد الفقهية العامة الكلية بالعمل التطوعي؟ وما أثر هذه القواعد في ضبط ما يطرأ ويستَجِدُّ من مسائل ونوازل العمل التطوعي؟ كيف يمكن أن نستثمر قواعد فقه الموازنات والأولويات في ترشيد العمل التطوعي تقديما وتأخيراً؟ كيف يمكن لقواعد المقاصد والوسائل أن تؤثر في الارتقاء بمنظومة العمل التطوعي؟

ثالثا: منهج البحث

بعد تأمل عميق في الأسئلة المتفرعة، تبين لي أن البحث يستلزم إقامته على ثلاثة مناهج:

1. المنهج الاستقرائي: يقوم على أساس التتبع والحصر والجمع لمجمل القواعد الفقهية المتعلقة بموضوع الرسالة والتي تَحَقَّقَ فيها مفهوم الكلية “القطع”.

2. المنهج التحليلي: وذلك من خلال تحليل كلام المتقدمين من علماء القواعد وتجلية موقفهم من مسألة الاستدلال بالقاعدة الفقهية على الأحكام، دون إغفال ماهيتها وحقيقتها هذا من جهة، وم جهة ثانية تحليل ما جمعته من القواعد التي يلائم موضوعها مجال العمل التطوعي، وترتيبها في مجموعات، تكوِّن وحدة فقهية مترابطة، ثم دراستها وبيان معانيها، ومظانها، وتطبيق هذه القواعد في قضايا ونوازل العمل التطوعي.

3. المنهج الوصفي: وذلك بتتبع ودراسة واقع العمل التطوعي المعاصر من جهة الوجود، والفروع والمجالات والصور والموارد والتكيف الفقهي، في الكتب الفقهية والدراسات والأبحاث المعاصرة، وترتيبها منهجيا ضمن فصول ومباحث ومطالب.

وحرصا مني على وجود منهجية عامة للبحث، التزمت في كتابة الدراسة وصياغتها بالآتي:

ــ كتابة الآيات القرآنية بالخط العثماني وعزوها إلى موضعها من المصحف الشريف برواية ورش عن نافع بطريق الأزرق. وأحيانا أرجع إلى كتب التفاسير بعد الاستشهاد بالآية للوقوف على مغزاها إن تطلب المقام ذلك.

ــ تخريج الأحاديث النبوية وعزو متونها إلى من أخرجها من أصحاب المصنفات الحديثية، بذكر الكتاب، والباب الذي ورد فيه الحديث، ورقم الحديث، والجزء، والصفحة أحيانا، هذا إذا كان الكتاب مرتبا على الكتب والأبواب الفقهية، أو مسند الصحابي، إذا كان مرتبا على المسانيد، مع ذكر الجزء والصفحة. وإذا أوردت الحديث مرتين أشير إليه في المرة الثانية بعبارة سبق تخريجه. وقد ميزت الحديث عن غيره داخل المتن بقوسين هكذا: قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم (…) وأرجع إلى شروح هذه الدواوين للبحث عن فقه الحديث إن تطلب الأمر ذلك.

ـ اعتمدت المصادر والمراجع الأصلية في العزو. وقد ميزت أقوال الأئمة والعلماء والباحثين…بقوسين مزدوجين هكذا: قال الإمام: “…”

ــ بعد استقراء القواعد الفقهية التي لها صلة بموضوع البحث، وبعد النظر فيها، قمت بتصنيفها على شكل مواضيع من باب التسهيل، فهناك قواعد عامة، وقواعد يجمعها رابط واحد، كقواعد فقه الموازنات والأولويات، وقواعد الوسائل والمقاصد.

ــ وبعد كتابة القاعدة، أقوم بإيراد الألفاظ الأخرى للقاعدة إن وُجِدت، مع بيان المعنى اللغوي والإجمالي لهذه القاعدة، وأذكر مستندها الشرعي تأصيلا لها من الكتاب والسنة وما أجمع عليه أهل الحق من هذه الأمة، ومن غيرها من مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة، ومن ثم التطبيقات والفروع التي تجمعها القاعدة في مجال العمل التطوعي.

ــ عند الحديث عن كل قاعدة، أذكر فيها ثلاثة معالم رئيسة وهي:

ب ــ شرح القاعدة وبيان معناها الإجمالي.

ت ــ التأصيل الشرعي للقاعدة.

ج ــ تطبيقات القاعدة في مجال العمل التطوعي.

رابعا: الدراسات السابقة:

من الدراسات والأبحاث التي تناولت العمل الخيري بشقيه الإلزامي والطوعي، واستثمرت بعض القواعد الفقهية والأصولية منها في مسائل وقضايا العمل الخيري، ما يلي:

1. أثر القواعد الأصولية في تأصيل العمل الخيري (المشروعية والإجراءات).

وهو بحث من إعداد د. عبد الجليل زهير ضمرة، وقد حاول صاحب هذا البحث استثمار قواعد أصولية في تأصيل العمل الخيري في جانبي المشروعية والإجراءات. فالدراسة جيدة في بابها إلا أنها لم تتجه لدراسات القواعد الفقهية التي بنيت عليها أحكام العمل التطوعي في الإسلام.

2. توظيف القواعد الفقهية في ترشيد العمل الخيري:

وهو بحث للدكتور عادل بن عبد القادر بن محمد ولي قوته، شارك به في مؤتمر ” العمل الخيري: ريادة ونماءً”، ويبدو من خلال العنوان بناء هذا البحث على دعامتين:

الأولى: علم القواعد الفقهية. والثانية: توظيف هذا العلم واستثماره بتنزيل الأحكام الكليًّة للقواعد في ترشيد العمل الخيري. وقد انتقى جملة مختارة من القواعد الفقهية التي يلائم موضُوعها موضوع “العمل الخيري”. فالبحث رغم أهميته إلا أنه قصير جدا، كما أنه لم يتعرض للحديث عن القواعد الفقهية الكبرى وعلاقتها بالعمل التطوعي، إضافة إلى قواعد فقه الأولويات وقواعد الوسائل والمقاصد. وهذا ما سيحاول البحث معالجته بعد الدراسة التأصيلية للعمل التطوعي.

3. القواعد الفقهية والأصولية ذات الصلة بالعمل الخيري وتطبيقاتها:

وهو بحث للدكتور عبد الله المصلح تقدَّم به إلى “مؤتمر العمل الخيري الخليجي الثالث” يومي 20 ــ 22 يناير 2008م، حيث تناول فيه الباحث أهمية العمل الخيري وتعريفه، وأهم القواعد الفقهية والأصولية ذات الصلة به، وقد اطلعت عليه فوجدته بحثا قصيرا لا تتجاوز عدد صفحاته خمس وعشرين صفحة، كان نصيب القواعد الفقهية منها ثلاث صفحات فقط، وقد تناولها بشكل مختصر جدّا.

4. العمل الخيري الإسلامي بين التأصيل وإمكانية التفعيل:

بحث من إعداد الدكتورة: فاتحة فاضل العبدلاوي الرباط ــــ المملكة المغربية ـــ حيث بيَّنت الباحثة أن المقصود بالعمل الخيري ذلك النشاط الاجتماعي والاقتصادي الذي يقوم به الأفراد أو الممثلون في الهيئات والمؤسسات والتجمعات الأهلية ذات النفع العام بهدف التقليل من حجم المشكلات، والإسهام في حلها بالمال أو الجهد أو بالفكر…وهو مفتوح في وجه الجميع أيا كانت الملة أو النحلة وفق شروط حددها الفقهاء وأهل التخصص كثير منها قابل للتجديد والتطوير والاجتهاد، حسب ما تمليه قاعدة: “جلب المصالح ودرء المفاسد” وهي قاعدة فقهية لها صلة بالبحث الذي أشتغل عليه. فالبحث جاء مختصرا، كما أنه ليس من موضوعاته ربط العمل التطوعي بالقواعد الفقهية.

5. كتاب “أصول العمل الخيري في الإسلام في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية”:

كتاب للشيخ القرضاوي بيَّن فيه عناية الإسلام بالعمل الخيري، وأنه من المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. والكتاب غني بمادته العلمية إلا أنه ليس من موضوعاته القواعد الفقهية المتعلقة بالعمل التطوعي وتطبيقاتها عليه.

6. كتاب” العمل الاجتماعي في الإسلام”.

كتيب للدكتور مصطفى بن حمزة تناول فيه العمل الاجتماعي في الإسلام من حيث حركته ومنهجية ترسيخه في حياة الناس وفق رؤية معرفية إسلامية، كما تناول نماذج من صور العمل الاجتماعي في الإسلام. فالكتيب عالج أهمية العمل الاجتماعي في الإسلام مع بعض صوره، فهو مقتصر على هذه المسألة فقط.

7. القواعد والضوابط المؤثرة في أحكام العمل الخيري.

مقال للدكتور هاني الجبير منشور على الانترنت على موقع مجلة البيان بتاريخ 26/ 10/ 2010م. وقد ذكر الباحث في هذه المقالة تسعة وثلاثين قاعدة، مما له علاقة بالعمل الخيري، وفيه أمثلة قليلة، نظرا لطبيعة المقالات، كما أنه ليس من مسائل البحث التأصيل للعمل التطوعي وشروطه وخصائصه ومقاصده ومجالاته وموارد تمويله.

8. القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية.

بحث للدكتور عيسى صوفان القدومي منشور، أصله صفحة دورية في مجلة الفرقان، ويحتوي على خمسين قاعدة وضابط فقهي تقريبا، وفيه تطبيقات لا بأس بها لهذه القواعد الفقهية، لكنها قليلة نظرا لما يتطلبه العمل الخيري، ومن ثم لتجدد نوازله وتطورها في وقتنا المعاصر، كما أن البحث قد خلا من المناقشات الفقهية للأحكام المتعلقة ببعض التطبيقات المتعلقة بالعمل الخيري، ولم يتعرض الباحث لتأصيل العمل الخيري، ولا لمجالاته، ولا لمقاصده، ولا لموارده.

الجديد في الدراسة:

ولعل أحدَكم يقول: ما وجه الجدة في البحث وموضوعه، أقول حينها.

يمكن إبراز الجدة في هذا البحث وموضوعه من ناحيتين:

  • من الناحية النظرية: تتمثل في كون هذه الدراسة تحاول أن تؤصل لمفهومي العمل التطوعي والقواعد الفقهية من خلال ضبط المفاهيم، والربط بين الاجتهادات العلماء، مع ترتيب هذه المادة العلمية وتوضيحها وهذا الشيء مفقود في الدراسات السابقة.
  • من الناحية التطبيقية: تتمثل في كونها تروم استثمار جملة من القواعد الفقهية التي لها صلة بقضايا العمل التطوعي قديمها وحديثها، وتصنيفها على شكل مواضيع منتظمة لتسهيل الرجوع إليها، ومن ثم بيان أثرها في نوازل وأحكام العمل التطوعي، مع مراعاة المستجدات التي طرأت على الحياة المعاصرة.

بهذا فإن البحث سيكون بمثابة مواد فقهية مرتبة، يسهل على العاملين في حق العمل الخيري التطوعي الرجوع إليها، كما يسهل في المستقبل إدراج القضايا والنوازل المستحدثة ضمنها، أملا أن يكون هذا البحث نواة لمشروع بحثي ضخم، يستوعب أدق التفاصيل في مجال العمل الخيري التطوعي.

رابعا: هيكل البحث

قسّمت هذا البحث إلى مقدمة ومدخل مفاهيمي، وبابين كبيرين، وخاتمة.

خصصت المقدمة لذكر إشكال البحث، ومنهجه، ودوافع اختياره، وقيمته العلمية، وإبراز الدراسات السابقة في الموضوع، ثم الانتقال إلى وصف دقيق لمحتوى الدراسة.

أما المدخل المفاهيمي فقد أفردته لتأصيل مصطلحات البحث وأهم مبادئه الأساسية، وقد اشتمل على فرعين اثنين: تحدثت في الفرع الأول عن دلالة القواعد الفقهية في الاصطلاح العام، والقاعدة الفقهية في الفقه خصوصا، وبيان مدى حجية الاستدلال بها على الأحكام. ووقفت في الفرع الثاني عند تعريف العمل التطوعي، والمصطلحات المتقاربة له، ثم انتهيت إلى بيان أركانه وشروطه.

أما الباب الأول: وهو الشق النظري من الأطروحة فقد عنونته ب:” العمل التطوعي: مشروعيته، مقاصده، خصائصه، مجالاته، ومصادر تمويله”، وقد جاء تفصيله في ثلاثة فصول: الفصل الأول: تعرضت فيه لمشروعية العمل التطوعي، والثاني بينت فيه خصائص العمل التطوعي وأهم مقاصده، والثالث تطرقت فيه لمجالات العمل التطوعي وأهم مصادر تمويله.

أما الباب الثاني: وهو الشق التطبيقي من البحث، وقد تضمن هذا الباب كذلك ثلاثة فصول، تطرقت في الفصل الأول للقواعد الفقهية العامة وتطبيقاتها في العمل التطوعي ضبطاً وترشيدا، أما الفصل الثاني فقد أفردته لقواعد فقه الموازنات والأولويات وأثرها في ترتيب الأعمال التطوعية تقديماً وتأخيراً، وفيما يخص الفصل الثالث فقد استثمرته للحديث عن بعض قواعد المقاصد والوسائل التي لها علاقة بالارتقاء بالعمل التطوعي قصد تطويره وإنمائه.

وفي الأخير عمدت إلى وضع خاتمة: ضمنتها أهم النتائج التي توصلت إليها في مسيرتي البحثية، علاوة على جملة توصيات هامة للنهوض بالمجال الاجتماعي التطوعي.

نتائج البحث:

ومن خلال هذه الدراسة خَلُصتُ إلى نتائج؛ أهمها:

1. سَعة ورقيُّ علم القواعد الفقهية، وأنه قادر ـــــ من خلال حسن استثماره ودقة توظيفه ــــ على استيعاب أبعادٍ جديدة، في مجالات تطبيقاته وتنزيل أحكامه الكلية.

2. للمسلمين إرث فقهي عظيم، يساعد الباحثين والفقهاء على معالجة وتأصيل نوازل وأحكام العمل الخيري التطوعي.

3. إن تأصيل العمل الخيري تأصيلاً شرعيّاً من ضروريات النهوض به وضبط أحكامه وتنميته وتطويره، وقد عنَّ لي أن القواعد الفقهية على تباين مشربها، قادرة بحمولتها الاجتهادية وبعده التأصيلي على تحقيق هذه الأهداف لكونها تتناول العمل التطوعي بكل مجالاته تناولاً تامّاً، باعتباره جزءاً من النَّشاط الإنساني.

4. أن العمل التطوعي مبدأ إسلامي أصيل يستمد مشروعيته من القرآن الكريم، والسنة والنبوية، وأصول الشريعة الكلية، وقواعدها الفقهية والمقاصدية.

5. العمل التطوعي من مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، كونه يشجع على إقامة مصالح ضعاف المسلمين، ودرء المفاسد عنهم، والتعاون والتماسك، وتنمية المجتمع، وتربية نفس الإنسان على الرحمة وحب الخير، وتحريره من الرّق والعبودية والاستغلال.

6. ربانية مصدر العمل التطوعي في الشريعة الإسلامية خاصية تميزه عن غيره من الأعمال الخيرية التطوعية في الأديان والحضارات الأخرى.

7. مجالات العمل التطوعي في الشريعة الإسلامية متعددة بتعدد قدرات الناس على فعل الخير.

8. العمل الخيري في الإسلام له موارده ومصادره، كالأوقاف، والوصايا، والهبات، والصدقة عن الأموات، والأموال المكتسبة من حرام إذا لم يعرف أصاحبها، ومعونات المنظمات العالمية والدول غير الإسلامية.

9. أن العمل التطوعي يفتقر على الدوام إلى مواكبة شرعية تضبط مسائله وأحكامه المطردة، إذ لا يمكن لهذا العمل أن يرتقي إلى الأفضل ترشيدا وتدبيرا وتطويرا إلا في ضمان وثيق من الاجتهاد العصري الذي يحوط مجالاته بضوابط شرعية متينة.

10. إن من جملة الأدوات الاجتهادية التي تعين الباحث على التأصيل لقضايا العمل التطوعي ونوازله الطارئة قواعد الفقه على اختلاف أنواعها.

11. أن حسن استثمار هذا القواعد يعين فقهاء العصر على التأصيل لقضايا العمل التطوعي وترشيده وضبطه وترتيب أولوياته والارتقاء به نحو الأفضل.

12. إسهام قواعد فقه الموازنات والأولويات في ضبط مسائل العمل التطوعي، والرقي به.

13. في العناية بقواعد فقه الموازنات والأولويات في مجالات العمل التطوعي حفاظ لمقاصد الشريعة.

14. ضرورة تفقه العاملين والقائمين على مؤسسات ومشاريع العمل الخيري التطوعي بفقه الأولويات والموازنات، قصد ترتيب الأولويات والتفاضل في إنفاق الأموال والجهود والأوقات.

15. قدرة قواعد الوسائل والمقاصد في وزن مجال العمل التطوعي، من حيث اغتناء مصادره، وتوسيع آفاقه، والارتقاء به نحو الأفضل.

أهم التوصيات:

1. ضرورة توعية المجتمع بأهمية العمل التطوعي وفضله ونشر ثقافته، من خلال تنظيم مؤتمرات ولقاءات ومحاضرات ودورات تكوينية وتدريبية من أجل إعداد قيادات وأطر جديدة للنهوض بهذا العمل نحو التقدم والارتقاء ومواكبة المستجدات المعاصرة.

2. توجيه الباحثين للاعتناء بدراسة فقه العمل الخيري التطوعي دراسة شرعية عملية لحاجة هذا الباب المهم للتأصيل والترتيب والتنمية والتطوير.

3.ضرورة القيام بدراسة فقهية موسعة في القواعد والضوابط الفقهية المؤصلة للعمل الخيري التطوعي.

4. التنسيق بين المؤسسات والجمعيات الخيرية قصد تحقيق الأهداف المرجوة بشكل أسرع، مع مراعاة فقه الموازنات والأولويات والمآلات.

5. نشر الأبحاث والدراسات العلمية الشرعية المتميزة المتعلقة بالعمل التطوعي وتوزيعها على العاملين في هذا المجال المبارك.

6. توجيه الاهتمام بشأن الجمعيات والمؤسسات التي تهتم بالعمل الخيري التطوعي.

7. إثراء البحث العلمي في العمل الخيري وذلك بمزيد من البحوث والدراسات وتقوية هذا المشروع بإصدار مجلات علمية متخصصة للعناية بالعمل الخيري التطوعي، من حيث أصوله وقواعد وضوابطه الشرعية.

8. وضع موسوعة للقواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بالعمل الخيري التطوعي، وذكر تطبيقاتها القديمة والمعاصرة، على صورة يسهل الرجوع إليها من طرف المتخصصين والباحثين.

9. البحث عن الجهات والمصادر التي يمكنها أن تمول المشاريع الخيرية من الأفراد والمؤسسات حتى تسد مكمن الداء في المجتمع بموازاة مع ما تقوم به الدولة من مجهودات في هذا المجال.

10. إنشاء مراكز علمية متخصصة تهتم بمجال العمل الاجتماعي التطوعي بلغات مختلفة.

11. تدريب الشباب على العمل الخيري في مجالاته المختلفة مع تخصيص جوائز رمزية للعاملين المتميزين في هذا المجال للمزيد من الجهد والبذل والعطاء.

ولا يفوتني في الأخير أن أتقدم بخالص الشكر والامتنان لفضيلة العلامة الدكتور سيدي عبد الحفيظ دومر الذي أشرف على هذه الأطروحة، فإن كان فيها من حسنات فبفضل مجهوداته. أدعو الله أن يتقبل ذلك في ميزان حسناته. كما أشكر الدكاترة الأجلاء أعضاء اللجنة العلمية كل باسمه وصفته، على تفضلهم قبول مناقشة هذا البحث.

وإنـي لـمتشوف اليوم لتوجيهاتهم، وعاقد العزم على تنفيذ التصويبات والـمقترحات التي سيجود بـها نظرهم السديد، الذي عهدناه في أمثالهم، فهم منارات هدىً لهاته الرسالة، وأسـماؤهم نياشينُ زينةٍ علميةٍ، أفخر بالانتساب إليها ما حييت.

وفي الختام أقول الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأسأله سبحانه أن يتجاوز عني ما حصل من خطأ وغفلة وتقصير، وأن يجعل هذا العمل متقبلا عنده محصلا لمرضاته، وأن ينفع به الباحثين والعاملين في مجال العمل الخيري، والله سبحانه أعلى وأعلم، وصلي اللهم على خير الورى، وشفيع المخلوقات نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.