منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المرأة في التصور الصوفي

0
اشترك في النشرة البريدية

إن الحديث عن المرأة لشيق، فكما يستَثِير في النفوس الجمال والعواطف الرهيفة، أيضا يثير في العقول تساؤلات كثيرة تخص حقيقتها ووضعيتها خلال التاريخ البشري الممتد مدى استفادتها من فرص التكريم التي عرضت عليها خاصة في الدين الإسلامي، ويدفع للكشف عن طبيعة الإشكالات التي واجهتها عبر التاريخ ولازالت. كل هذا يستفزنا للبحث أكثر من أجل الإعتناء بالمرأة خاصة المسلمة التي تستحق الرعاية والتوجيه سلوكيا ومعرفيا، لذلك سننقب في تاريخنا الإسلامي عن مشاريع منجزة حققت فيها المرأة المسلمة سعادتها التي لم تكن خارج إطار الله والقرب منه. حيث ارتقت في مقامات السلوك والعرفان، فوصلت إلى الكمالات فارتاحت وأراحت، ومن ثم تحتاج منا تجربة التصوف النسوي الإسلامي التفاتة لنستلهم منها حلولا ونستفيد منها في مواجهة الإشكالات المستعصية في حياتنا الراهنة.

الرؤية الصوفية للمرأة:

تميزت الرؤية الصوفية للمرأة في الفضاء الإسلامي بإعطاء نموذج خاص لها؛ فكان التعامل مع المرأة من حيث حقيقتها التي ذكرت في القرآن وعززتها السنة النبوية الشريفة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في تقدير المرأة واحترامها، فوجهت لها الدعوة إلى الإيمان والتعبد مثلها مثل الرجل؛ فكانت العناية شديدة بتربيتها على الصلاح، ولم تتجاهل المرأة لأي سبب بيولوجي تختلف به عن الرجل، بل كان مدعاة للرفق بها لا لإقصائها. والتصوف باتباعه النهج القرآني واقتدائه بخاتم النبوة محمد صلى الله عليه وسلم قدم قراءة عميقة للمرأة تختلف عن كل القراءات التي قدمت والتي تقف عاجزة أمام دقة الرؤية الصوفية في رفع كل زيغ شَابَ حقيقة المرأة.

لم يفرق الصوفية بين الرجل والمرأة لأن كليهما يمثلان المخلوق الإنساني الذي طلب منه الفناء في خالقه تعبديا، ولا مصلحة للتفريق بين الذكورة والأنوثة نتيجة تأويلات لمفاهيم دينية استغلت لأغراض أرضية؛ فمفهوم “الدرجة” المذكور في القرآن الكريم لا يؤدي إلى إلغاء حقيقة كل من المرأة والرجل. وهنا نجد ابن عربي الذي يعد أحد أكبر أقطاب الصوفية الذي أحدث ثورة مفاهيمية غير من خلالها الموقف السائد تجاه المرأة، فهو يقول: < اعلم أيّدك الله أن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل والمرأة لم يكن للرجال على النساء درجة من حيث الإنسانية>
إن المطلع على الرؤية الصوفية للمرأة يستطيع أن يكتشف الفرق بين الطرح العرفاني والطروحات التي رسخت دونية المرأة نتيجة ضيق الرؤية، والتي انعكست سلبا على مختلف العلاقات البشرية، وخلقَت للمرأة اوهاما تناضل من أجل تحقيقها، فيكون حالها حال سيزيف الذي لن يحقق مراده في إيصال الصخرة إلى أعلى قمة الجبل، بل ستسقط عليه في النهاية. لذلك كلما انسجمت المرأة مع حقيقتها كلما قضت على تلك الأهوام وأدت وظيفتها الوجودية متفادية الدخول في اللهو واللغو.

المرأة والتجربة الصوفية:

المزيد من المشاركات
1 من 62

لقد خاضت المرأة تجربة التصوف والعرفان ووصلت إلى مقامات عرفانية فكانت العابدة الزاهدة الصالحة العارفة، فيجب الإعتراف بأن المرأة قد سلكت هذا الطريق أُسوة بالرجل، وربما سبقته وأمتازت عليه أحيانا في بعض فصول التاريخ. ولقد ظهرت المرأة المتصوفة في بداية ظهور الحركات الصوفية، أي منذ القرن الثاني الهجري، بل يمكن القول: إن المرأة كانت رائدة في بعض الجماعات الصوفية.
إن انطلاقة التصوف النسوي الحقيقي كان مع العارفة الأكثر شهرة “رابعة العدوية” (185-105ه) والتي تعتبر الشخصية المؤسسة للتصوف وصلاح النساء بعشقها الإلهي وتجربتها الصوفية العميقة وأقوالها البالغة المعنى، والتأثير والتأثر في تاريخ التصوف عامة والنسائي خاصة، وهي بالتالي تمثل النمط الولائي بالنسبة للنساء.
لقد كان للمرأة الصوفية دور كبير في تفعيل الحياة الإجتماعية دينيا وفي المحافظة على الأخلاق الإسلامية وكانت بذلك مدعاة للتقدير والإحترام من طرف مختلف أطياف المجتمع، واحتلت مكانة مرموقة داخل المجتمع الإسلامي. فالتحرير من قيود النفس والهوى والشيطان وفق مشروع تزكية النفس هو المدخل لتحرير المرأة والرجل على حد سواء، لأنه السبيل لتعزيز إنسانية الإنسان والعيش وفق كرامة حقيقية لا مطلبية.
وإذا كان يشتهر على المرأة طغيان الوجدان على العقل. وكان الأمر متحققا وجوديا، فإنها الأقرب إلى الممارسة الصوفية؛ لأن القلب مرتكز التجربة الصوفية التي تتحقق فيها المعرفة. والوجدان إذا هيمن عليه حب الله والشوق إليه انعكس على صاحبه بالخير والصلاح. لذلك، فالاهتمام بتنمية الوجدان يدفع الذات إلى الخروج من ضيق المطالب ومُناشدة الحقوق إلى سعة الوجود. ومن ثمة، الترقي معرفيا وسلوكيا.

هذه عينة من ثمرة حركة التصوف النسوي الذي أكد على أنه حركة إيجابية في الواقع، وليس كما يحاك ضده من إشاعات وأفكار مغلوطة، تصفه بالسلبية والإنعزالية؛ فقد أثبتت المرأة المتصوفة في الغرب الإسلامي أهمية الإعتناء بتربية المرأة فهو المدخل للاعتزاز بشخصيتها، وأداء مختلف الأدوار المنوطة بها…

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.