منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حقائق تاريخية (1) الحرب على غزة تكشف عن المستور؛

حقائق تاريخية (1)  الحرب على غزة تكشف عن المستور/ الدكتور أحمد الإدريسي

0

حقائق تاريخية (1) الحرب على غزة تكشف عن المستور؛

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

أولا: تـقديــم

منذ بداية الحرب على الفلسطينيين وهي مدعومة بتواطؤ غربي وعربي، وصمت عالمي على معاناة الفلسطينيين عامة، وأهل غزة بشكل خاص، من ترهيب ونهب ممتلكاتهم، وحصار شامل؛ برا وبحرا وجوا. إضافة إلى محاولات تهجير سكان قطاع غزة خارج فلسطين.

غير أن الحرب على قطاع غزة فضحت المجتمع الدولي، الذي يدين الضحية ويساوي بينها وبين الجلاد، ويدعو الطرفين إلى خفض التصعيد، مع أن الكيان الصهيوني هو الذي يصعد اعتداءاته، فهو الذي ينتهك جميع القوانين والأعراف والمواثيق الدولية. كما فضحت هذه الحرب الأنظمة العربية والإسلامية، لأنها وقفت عاجزة حتى عن إدانة ما يقوم الكيان الصهيوني من جرائم بحق الفلسطينيين، بل إن دولًا منها اصطفت مع الصهاينة ووفرت لهم الدعم لمواصلة جرائمهم بحق الفلسطينيين.

لذلك فإن المتتبع لما يحدث في غزة من تقتيل للأبرياء وتهجير للمدنيين، وتدمير شامل للبنية التحتية، ومحاصرة أكثر من مليوني نسمة في مساحة صغيرة من الأرض، وحرمانهم من الاحتياجات الأساسية والضرورية، يدرك جيدا أن الإنسان المعني والمقصود في قضايا حقوق الإنسان هو الإنسان الغربي حصرا، أما انتهاكات حقوق الإنسان غير الغربي فلا تدخل تحت هذه المواثيق المنمقة التي تقر بالحقوق والحريات للإنسان بغض النظر عن عرقه وجنسه ودينه ولونه. إضافة إلى تغيير عدد من الحقائق التاريخية.

ومن جهة أخرى فإن انتصار المقاومة في غزة فيه تهديد للحضارة الغربية، وانصار غزة والمقاومة الفلسطينية هو انتصار لكل فلسطين، ويليه تحرير المسجد الأقصى، وبداية تحرير الأمة العربية والإسلامية، بإذن الله. وهذا ما سأناقش في هذه السلسلة، وذلك في خمسة مقالات متتالية، وهي:

1- حقائق تاريخية.

2- الكشف عن زيف حقوق الإنسان.

3- الحرب على غزة حرب عقدية واقتصادية.

4- بداية سقوط الحضارة الغربية.

5- انتصار غزة؛ وتحرير المسجد الأقصى.

============================================

ثانيا: حقائق تاريخية:

1- لا حقّ لليهود في زيارة الحائط:

إن زيارة اليهود للحائط ليست حقا لهم، بل كانت منحة محددة بموجب (أوامر الدولة العثمانية)، وبموجب (أوامر الحكم المصري للشام)، ولم تكن إلا استجابة للطلبات المتكررة بزيارة المكان، ودون السماح لهم بإقامة شعائر الصلاة في هذا المكان، ويكتفى بالدعاء بلا صوت ولا إزعاج، ولا أدوات جلوس أو ستائر.. وكان ذلك منحة من الحكومات المسلمة كنوع من التسامح الديني، مع أنه ليس حقاً تاريخيا ولا دينيا ولا عقاريا.

2- التقاضي حول القدس والمسجد الأقصى:

تقاضى المسلمون واليهود حول قضية القدس والمسجد الأقصى[1]: هل هو حقٌ للمسلمين، أم هو الهيكل المزعوم لسليمان – عليه السلام – وهو حق تاريخي لليهود؟، فماذا قال المحكمون الأوربيون والقضاة المحايدون والمحامون وعلماء التاريخ والآثار الدوليون ولم يكن بينهم عربي ولا مسلم واحد عن المسجد الأقصى وعن الحائط الغربي العتيق للمسجد الأقصى، هل هو حائط المبكى، وهل هو حق لليهود أم هو حائط البراق وهو حق وملك للمسلمين؟!  وماذا كان قرار تلك اللجنة الدولية؟.

أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، اندلعت ثورة البراق عام 1929 ضد المستعمر البريطاني، احتجاجاً على تسهيلات قدمها الانجليز لليهود للوصول والصلاة عند الحائط الغربي للمسجد الأقصى ولم تهدأ الثورة أبداً، إلا بعد أن قبل الانجليز إحالة النزاع إلى محكمة دولية للبت في الموضوع: هل الحائط هو حائط البراق الإسلامي، أم هو حائط المبكى اليهودي؟!

عين وزير المستعمرات البريطاني في 13 سبتمبر 1929م لجنة عرفت باسم لجنة “شـو” للتحقيق في الأسباب المباشرة للانتفاضة ووضع التدابير لمنع تكرارها، وكان من توصياتها لتحديد الحقوق والادعاءات تجنباً لحدوث انتفاضات أخرى، اقترحت الحكومة البريطانية على مجلس عصبة الأمم تشكيل لجنة لهذا الغرض، حيث وافق مجلس العصبة في 15 مايو 1930م على تشكيلها برئاسة وزير الشؤون الخارجية السابق في حكومة السويد رئيساً، وعضوية نائب رئيس محكمة العدل في جنيف، ورئيس محكمة التحكيم النمساوية الرومانية المختلطة وحاكم الساحل الشرقي لجزيرة سومطرة السابق وعضو ببرلمان هولندا، وهي لجنة دولية محايدة وعلى أعلى مستوى قضائي وتحكيمي.

وصلت اللجنة إلى القدس في 19 يونيو 1930 حيث أقامت (شهراً كاملاً) في فلسطين، وكانت في كل يوم تعقد جلسة أو جلستين.. أثناء الجلسات التي عقدتها اللجنة وعددها 23 جلسة استمعت إلى شهادة 52 شاهداً، من بينهم 21 من حاخامات اليهود و30 من علماء المسلمين، وشاهد واحد بريطاني، وقدم الطرفان إلى اللجنة 61 وثيقة، منها خمس وثلاثون مقدمة من اليهود، وست وعشرون وثيقة مقدمة من المسلمين.

وتوالت الوفود من أنحاء العالم الإسلامي إلى القدس للدفاع عن القضية وإعلان تمسك المسلمين بملكية الحائط، فقد سافر من مصر أحمد زكي ومحمد علي علوبة ومحمد الغنيمي التفتازاني، ومن العراق مزاحم الباجه جي، ومن لبنان صلاح الدين بيهم ومن إيران ميرزا مهدي، ومن أفغانستان السيد عبد الغفور، ومن أندونيسيا أبو بكر الأشعري وعبد القهار مذكر ومن الهند عبد الله بهائي والشيخ عبد العلي، ومن بولونيا مفتيها الدكتور يعقوب شنكوفتش.. إضافة إلى عدد من الشخصيات الفلسطينية البارزة: عوني عبد الهادي، أمين التميمي، أمين عبد الهادي، جمال الحسيني، محمد عزت دروزة، راغب الدجاني والشيخ حسن أبو السعود، إضافة إلى شخصيات أخرى شاركوا من مراكش والجزائر وطرابلس والمغرب وسوريا وشرقي الأردن.

وثبت للمحكمة الدولية، أن حجة المسلمين كانت هي الغالبة، إذ استطاع دفاعهم أن يثبت أن جميع المنطقة التي تحيط بالجدار وقفٌ إسلاميٌ بموجب وثائق وسجلات المحكمة الشرعية، وأن نصوص القرآن وتقاليد الإسلام صريحة بقدسية المكان عندهم.

3- قرار لجنة “شـو”:

جاء قرار المحكمة بعد أكثر من خمسة أشهر من بدء جلسات اللجنة الدولية في القدس، وبعد أن استمعت إلى ممثلي العرب المسلمين وممثلي اليهود، وأطلعت على كل الوثائق التي تقدم بها الطرفان، وزارت كل الأماكن المقدسة في فلسطين، وعقدت اللجنة جلستها الختامية في باريس من 28 نوفمبر إلى 1 ديسمبر 1930م.

وانتهت اللجنة بالإجماع إلى قرارها الذي استهلته بهذه الفقرة؛ “للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من مساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف، وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير”. ونصت أيضا: إن أدوات العبادة وغيرها من الأدوات التي يجلبها اليهود ويضعونها بالقرب من الحائط لا يجوز في حال من الأحوال أن تعتبر أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له. وكان قرار المحكمة الدولية يقضي بملكية القدس الشريف للمسلمين، وتضمن القرار عددا من النقاط الأخرى، أهمها: “منع جلب المقاعد والرموز والحُصُر والكراسي والستائر والحواجز والخيام، وعدم السماح لليهود بنفخ البوق قرب الحائط”.

وقد وضعت أحكام هذا الأمر موضع التنفيذ اعتباراً من يونيو 1931، وأصدرت الحكومة البريطانية كتابا أبيضا عن الموضوع اعترف بملكية المسلمين للمكان وتصرفهم فيه. وقد حمل كل من الحكم الدولي والكتاب الأبيض اليهود على التزام حدودهم، كما أصدر ملك بريطانيا على أساس ذلك المرسوم الملكي المعروف باسم ”مرسوم الحائط الغربي لسنة 1931″، نُشر في حينه في الجريدة الرسمية لفلسطين.

وسنناقش في المقال الموالي، بإذن الله، “دور الحرب على غزة في الكشف عن زيف حقوق الإنسان” التي يتباهى بها الغرب ومن والاه.


[1] – كان ذلك أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1929.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.