منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثبات المؤمنين وحزم وجدية المسئولين عند نزول البلاء بهم

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

ونحن نعيش هذه الأيام انتشار وباء “كورونا”، وقد اضطرب الناس (وما ينبغي لهم) وكثر الكلام في الموضوع (وفيه الغث والسمين)، يجب أن ننظر إليه أنه قدر الله تعالى وأمره، وأنه من كسب الإنسان، وظلمه وجهله.

أولا: حكم الدُّخول، والخروج في الأرض الَّتي نزل بها الوباء؛

لابد للمؤمن من أخذ الأسباب والاحتياط من الأوبئة والأمراض، والوقاية منها، ومن ذلك عدم التنقل من وإلى البلد في وقع في البلاء، مثل الطاعون الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذا سمعتم به –يقصد الطاعون- بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه).

اختلف الصَّحابة رضي الله عنهم في مفهوم النَّهي عن الخروج، والدُّخول، فمنهم من عمل به على ظاهره، ومنهم من تأوَّله، والَّذين تأوَّلوا النَّهي أباحوا خروج من وقع في أرضه الطَّاعون، وقد حرص سيدنا عمر على إِخراج أبي عبيدة من الأرض الَّتي وقع فيها الطَّاعون إِلا أنَّ أبا عبيدة رضي الله عنه اعتذر، كما أنَّ ابن الخطاب طلب من أبي عبيدة أن يرتحل بالمسلمين من الأرض الغمقة الَّتي تكثر فيها المياه، والمستنقعات إِلى أرضٍ نزهةٍ عالية، ففعل أبو عبيدة، وكانت كتابة عمر إِلى أبي عبيدة بعد أن التقيا في سَرْغٍ، وسمعا حديث عبد الرَّحمن بن عوف بالنَّهي عن الخروج، والقدوم إِلى أرض الوباء، ورجع عمر إِلى المدينة، ويظهر: أنَّ الوباء كان في بدايته، ولم يكن قد استشرى، واشتعل لهيبه، فلمَّا رجع عمر إِلى المدينة؛ وصلته أخبارٌ بكثرة الموت في هذا الطَّاعون.

المزيد من المشاركات
1 من 18

إن حكمة النَّهي عن الخروج فراراً من الطاعون هي؛ أنَّ النَّاس لو تواردوا على الخروج، لضاعت مصلحة مَنْ عجز عن الخروج بسبب هذا المرض أو غيره، ولفقد من يتعهَّده حيّاً وميتاً، ولو أنَّه شُرع الخروج، فخرج الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضُّعفاء، وأرى أن هذا قياس على كبيرة “التولي يوم الزحف”، حيث قال العلماء: (إِنَّ حكمة الوعيد من الفرار من الزَّحف؛ لما فيه من كسر قلب مَنْ لم يفرَّ، وإدخال الرُّعب فيه بخذلانه).

ثانيا: ثبات المؤمنين ويقينهم:

أخبر الله تعالى عن الإنسان ببعض ما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة، والجبن والهلع؛ فإذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير. وإذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها، فقال تعالى: “إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا”. (المعرج: 19-21). روى الإمام أحمد عن أبي هريرة‌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “شر ما في رجل شح هالع، وجبن خالع”.

لكن المولى عز وجل، وهو العليم بكل شيء، الخبير بخلقه من البشر، استثنى المؤمنين الثابتين، والذين هداهم إلى الخير ويسر لهم أسبابه، وهم المصلون، فقال عز وجل: “إلا المصلين”، “الذين هم على صلاتهم دائمون” فهم يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم. ويلزمون السكون والتضرع والخشوع، كما عز وجل: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون: 1-2). (يُـنظر: تفسير ابن كثير، ج:8 / ص:227).

كما أنهم يتصدقون، ولا يخافون الموت، ويخشون عذاب ربهم؛ فيستغفرون ويتوبون إلى الله؛ فمدحهم بقوله: “والذين في أموالهم حق معلوم. للسائل والمحروم. والذين يصدقون بيوم الدين. والذين هم من عذاب ربهم مشفقون. إن عذاب ربهم غير مأمون”. (المعارج: 24-28).

إن المؤمن يتعامل مع الطارئ ومنها الوباء بحكمة وثبات ويقين، ومن ذلك:

* التضرع إلى الله تعالى أن يرفع هذا الضرر عنا وعن البشرية جمعاء، وأن يجعل في طياته الفرج القريب من هذا العنت الذي مس الناس بما كسبت أيدي المفسدين في الأرض، وأن يجعله مفتاحا لهداية أفواج من الناس توبة إلى الله ورجوعا إلى دينه سبحانه، وبثا للسلام والأمن في صفوف الأمم جميعا.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

* التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع.

* اتخاذ الأسباب المادية والاحتياطات اللازمة.

* الفرار من قدر الله إلى قدره سبحانه كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه.

* زيادة اليقين في الله تعالى وحسن الظن به سبحانه، ومواجهة كل تهويل مبالغ فيه وكل نشر للرعب بين الناس، أو تهوين من شأنه الإعراض عن الحقائق التي تنطق بها الوقائع؛

* الإكثار من الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع هذه البلوى عن الناس، وذلك بالأدعية المأثورة فِي جميع الأوقات الأحوال، خاصة في أوقات الاستجابة، والحسبلة والتفويض عقب الصلاة، والتصدق على المحتاجين فإنها مما يطفئ غضب الله تعالى.

ثالثا: سياسة سيدنا عمر رضي الله عنه في التعامل مع الوباء:

في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فقه التعامل مع الأوبئة ما ينفعنا في هذه الظروف، وذلك أنه في العام الثامن عشر من الهجرة وقع شيءٌ فظيعٌ مروِّعٌ، وهو ما تذكره المصادر باسم (طاعون عِمَواس) وقد سمِّي بطاعون عِمَواس نسبة إِلى بلدةٍ صغيرة، يقال لها: عِمَواس حيث كانت أول ما نجم الدَّاء بها، ثمَّ انتشر في الشَّام، فنسب إِليها.

1- رجوع عمر من سَرْغ على حدود الحجاز والشَّام:

لما أراد سيدنا عمر رضي الله عنه أن يزور الشَّام للمرَّة الثَّانية، سنة 17هـ، خرج إِليها، ومعه المهاجرون، والأنصار حتّى نزل بِسَرْغٍ على حدود الحجاز والشَّام، فلقيه أمراء الجند، فأخبروه: أنَّ الأرض سقيمةٌ، وكان الطَّاعون بالشَّام، فرجع بعد أن شاور أصحابه.

وبعد انصراف عمر رضي الله عنه حصل الطَّاعون الجارف المعروف بطاعون عِمَواس وكانت شدَّته بالشَّام، فهلك به خلقٌ كثيرٌ، منهم؛ أميرها أبو عبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل، وغيرهما من الصحابة وأشراف النَّاس، ولم يرتفع عنهم الوباء إِلا بعد أن وليهم عمرو بن العاص، فخطب النَّاس، وقال لهم: “أيُّها الناس! إِنَّ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال”، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا في الجبال حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فاستحسنه.

2- أمير المؤمنين يخرج إِلى الشَّام، ويرتب الأمور:

تأثَّر الفاروق وحزن حزناً عظيماً لموت الناس، خاصة منهم قادته وجنوده البواسل بسبب الطَّاعون في الشَّام، وجاءته رسائل الأمراء من الشَّام تتساءل عن الميراث الَّذي تركه الأموات خلفهم، وعن أمورٍ عديدةٍ، فجمع النَّاس، واستشارهم فيما جدَّ من أمورٍ، وعزم على أن يطوف على المسلمين في بلدانهم، لينظِّم لهم أمورهم، واستقرَّ رأي عمر ومن معه في مجلس الشُّورى أن يبدأ بالشَّام، فقد قال: (إِنَّ مواريث أهل الشَّام قد ضاعت، فأبدأ بالشام فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثمَّ أرجع فأتقلَّب في البلاد، وأبدي لهم أمري”، فسار عن المدينة واستخلف عليَّا رضي الله عنه، فلمَّا قدم الشَّام قسم الأرزاق، وسمَّى الشَّواتي، والصَّوائف، وولَّى الولاة، فعيّن عبد الله بن قيس على السَّواحل من كلِّ كورة، واستعمل معاوية على دمشق، ورتَّب أمور الجند، والقادة والنَّاس، وورَّث الأحياء من الأموات.

وروي من تضرعهم، أنه لما حضرت الصَّلاة قال له الناس: “لو أمرت بلالاً فأذَّن!” فأمره فأذَّن، فما بقي أحدٌ أدرك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وبلالٌ يؤذِّن إِلا وبكى، حتَّى بلَّ لحيته، وعمر أشدُّهم بكاءً، وبكى من لم يدركه ببكائهم، ولذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يرجع إِلى المدينة خطب في النَّاس، وأمّـنهم ودعا لهم.

لقد كان طاعون عمواس عظيم الخطر على المسلمين وأفنى منهم أكثر من عشرين ألفاً، وهو عددٌ يقارب نصفهم بالشَّام وربما تخوَّف من ذلك المسلمون يومئذٍ، واستشعروا الخطر من قبل الرُّوم، وفي الحقيقة لو تنبَّه الرُّوم لهذا النَّقص الَّذي أصاب جيش المسلمين بالشَّام يومئذٍ، وهاجموا البلاد؛ لصعب على المسلمين والجيوش المرابطة دفعهم، ولكن لُطـف الله حضر؛ فكان اليأس قد تمكَّن من نفوس الرُّوم، فأقعدهم عن مهاجمة المسلمين خصوصاً إِذا كان أهل البلاد راضين بسلطة المسلمين مرتاحي القلوب إِلى سلطانهم العادل، وسيرتهم الطَّيبة الحسنة.

– خــاتمـة:

لقد أودى هذا المرض الخبيث بحياة الكثير من الناس، وجلهم من كبار الفاتحين المسلمين، وقد كان تعامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع هذا البلاء في منتهى الحذر حيث لم يدخل هو ومن معه إلى الشام، كما حاول إخراج المعافين من أرض الوباء، وقام بتحمل المسؤولية كاملة بعد انجلاء هذا الوباء فرحل إلى الشام وأشرف على حل المشكلات وتصريف تبعات هذه الأزمة، فقدَّم المثل الأعلى للتصرفات الإنسانية والمسؤولة التي بجب أن يعمل بها لمسئولون في بلدنا وفي كل بلد، وكان مثالاً لكل الأمراء والحكام من بعده في كيفية مواجهة الأزمات وإدارتها.

وهو في ذلك قدوة لمن أراد أن يتعامل مع الأمراض والأوبئة الخطيرة، فالابتعاد عن أماكن تفشي الوباء، وتطويقه ومحاولة تدارك انتشاره، هو من فقه الخليفة عمر بن الخطاب في التعامل مع الأوبئة والأمراض.

ثم إن تعليل أبي عبيدة رضي الله عنه بقاءه واعتذاره للفاروق عن الخروج، راجعٌ إِلى أسبابٍ صحِّيَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، وسياسيَّةٍ، وقياديَّةٍ تعدُّ مثلاً أعلى للقيادة الأمينة، وأبو عبيدة أمين هذه الأمَّة، حيث قال معلِّلاً سبب ثباته: “إِنِّي في جند المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عنهم”.

والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

************

من المراجع المعتمدة:

* سيرة عمر بن الخطاب، من كتب التراجم والسير.

* أحمد إبراهيم الشريف، دراسات في الحضارة الإسلامية، (دار الفكر العربي).

* محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، (دار النفائس، ط5، 1985م).

* محمد شراب، أبو عبيدة عامر بن الجراح، (دار القلم، طبعة 1997م).

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.