منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مكانة السنة النبوية في الحجية على تعاليم الشريعة الإسلامية

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

– التعريف بموضوع البحث وإشكالاته:

الحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على نبي الله ورسوله الأمين؛ سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد؛

إننا – نحن المسلمين- نعتقد جازمين بأن الله تعالى قد لاحق الإنسانية بوحيه من لدن آدم عليه السلام إلى أن ختمت الظاهرة بالوحي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية…

ولذلك فقد أجمع العلماء المسلمون على أن كل ما يصدر عن النبيe من سنة أقوالا وأفعالا وقرارات- بوصفه رسولا مبلغا عن الله سبحانه يعتبر وحيا مصداقا لقوله تعالى في حق نبيه محمد e: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [1].

ولما كانت السنة النبوية وحيا- كالقرآن- فقد أجمع العلماء على مبدإ حجيتها على مختلف تعاليم الإسلام سواء في ميدان العقيدة أو الشريعة أو مكارم الأخلاق، فتتضافر مع القرآن الكريم لبلورة تعاليم دين الإسلام الحنيف، حتى إن النبيe قد جعل التمسك بهما معا سبب الهداية الدائمة للمسلمين فقال فيما أخرجه الإمام مالك في موطئه والحاكم في مستدركه «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي وَلَنْ تَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَىَّ الْحَوْضَ »[2].

ومع ذلك فإنه قد وجدت منذ القديم نزعة مغرضة ترفض الاحتجاج بالسنة النبوية على يد الرافضة وبعض فرق المعتزل والشيعة ونحوهم من المبتدعة[3] ثم تجددت في عصرنا الحديث على يد المستشرقين وبعض المتمسلمين؛ (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [4].

ويأتي هذا البحث ردا على هذه النزعة المغرضة الرافضة للاحتجاج بالسنة النبوية –سواء في ثوبها القديم أو ثوبها الحديث- وتوضيحا لما يحتج به منها في ميداني العقيدة والشريعة-معا- ومواصفات ما يحتج به منها في ميداني الشريعة خاصة- وقد اقتضى منهج الدراسة تناول الكلام في هذا البحث ضمن المباحث التالية:

المبحث الأول: مبدأ ومنزلة السنة النبوية في الحجية.

المبحث الثاني: حجية السنة بين ميداني العقيدة والشريعة.

المبحث الثالث: موقف العلماء من الاحتجاج بالضعيف والمرسل من السنة النبوية.

المبحث الأول: مبدأ.. ومنزلة السنة النبوية في الحجية.

-مبدأ حجية السنة النبوية:

لقد أجمع المحققون من علماء المسلمين كما سبق على مبدأ حجية السنة النبوية على مختلف تعاليم الإسلام في ميداني العقيدة أو الشريعة أو مكارم الأخلاق. ومتى ما ثبت صدورها عن النبي e على سبيل التشريع من جهة التبليغ بصفة أنه رسول. وذلك لما قام عندهم على هذه القضية من أدلة كثيرة… ومنها:

  • أن النبي e لا يقول ولا يفعل ولا يقر – فيما له علاقة بالدين- إلا عن وحي من رب العالمين، بدليل قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[5] وكما أنه لا ينطق إلا عن وحي فإنه كذلك لا يفعل ولا يقر إلا عن وحي: فالوحي وحيان: وحي يتلى – تعبدا- وهو القرآن الكريم، ووحي لا يتلى- تعبدا – وهو السنة النبوية، وقد روى أبو داود عن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله e قوله: ” ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه”[6].

قال أبو البقاء:” والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في كونهما وحيا منزلا من الله بدليل (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) إلا أنهما يتفارقان من حيث أن القرآن هو المنزل للإعجاز والتحدي به بخلاف الحديث، وأن ألفاظ القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ وليس لجبريل عليه السلام ولا للرسول e أن يتصرفا فيها أصلا، وأما الأحاديث فيحتمل أن يكون النازل على جبريل منها صرفا فكساه حلة العبارة”[7].

وقال ابن حزم: ” لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله صلى الله عليه وسلم { وما ينطق عن لهوى إن هو إلا وحي يوحى } فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على قسمين:

أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن.

والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المبين عن الله عز و جل مراده منا… ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بلله واليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }……

فلم يسع مسلما يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أن يأتي عما وجد فيهما فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق وأما من فعله مستحلا للخروج عن أمرهما وموجبا لطاعة أحد دونهما فهو كافر لا شك عندنا في ذلك”[8].

2– إن مهمة الرسولe بالإضافة إلى تبليغه القرآن الكريم هي تبيينه وشرحه قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )[9] وقال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[10].

مما يستفاد منه أنه لابد من الرجوع إلى السنة لفهم وتنفيذ نصوص القرآن حتى قال مكحول: “القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن”.

ألا ترى مثلا أن دية السرقة قاضية بقطع يد كل سارق فخصته السنة بمن سرق نصابا محرزا. وهي أيضا تفيد قطع اليد كلها فقيدتها السنة بالكوعين..؟ وكذلك آيات الزكاة شاملة لكل مال فخصصتها السنة بأموال مخصوصة من عين وأنعام وحرث..؟ وأباح الله تعالى في القرآن جميع النساء غير المذكورات قبل قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم)[11]. وخصصت السنة ذلك العموم بنكاح المرأة على عمتها وخالتها…؟ إلى غير ذلك مما بينت السنة فيه مجمل القرآن أو قيدت مطلقه أو خصصت عامه أو عينت المراد منه.. مما يستفاد منه أنه لابد من الرجوع إلى السنة لتنفيذ نصوص القرآن…

قال ابن حزم: “… ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الأمة ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم الصلاة ولا حد للأكثر في ذلك وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم”[12].

  • الآيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول والتسليم لحكمه وهي آيات لا تحتمل التأويل في وجوب طاعته بالتزام سنته المتمثلة في أقواله وأفعاله… ومن تكلم الآيات: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)[13]. قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)[14].
  • وقوله تعالى:( وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[15] وقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[16].
  • وقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [17].
  • وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [18].

إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بطاعة الرسول واتباعه أو الناهية عن عصيانه ومخالفته فيما جاء به، أو المرغبة في الاقتداء به..

  • الأحاديث النبوية الدالة على وجوب طاعة الرسول e في كل ما جاء به –قرآنا كان أم سنة- وهي أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي فيما نحن بصدده ومنها:

– ما رواه ابن عبد البر من أن رسول الله e قال: « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي… »[19].

– ما رواه البخاري – حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»[20].

– وما رواه الترمذي وأبو داود، حدثنا علي بن حجر حدثنا بقية بن الوليد عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن سنن عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله ؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح “[21].

إلى غير ذلك من الأحاديث التي دلت على ما دل عليه القرآن الكريم من وجوب طاعة الرسول فيما صدر عنه من سنة.

4- العمل المستمر من عهد الرسولe إلى يومنا هذا من نزوع علماء المسلمين في التعرف على أحكام الدين والاستدلال عليها بالسنة النبوية بعد القرآن الكريم، مما يدل على الاتفاق على مبدإ حجية السنة النبوية عند جميع المعتد بهم من علماء الإسلام عبر الأجيال:

– ومن الجزئيات الدالة على فزع علماء المسلمين عبر التاريخ إلى السنة النبوية لمعرفة حكم الله تعالى على سبيل المثال:

– ما روي في سبب نزول قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[22] إذ إن جملة الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآية يتلخص في أن النبيe قضى للزبير بن العوام بالشرب من سراج الحرة قبل رجل شهد بدرا من الأنصار.

ولا ريب أن حديث النبيe هنا قد انفرد بالتشريع في هذه المسألة التي لم يعرض لها القرآن بحكم صريح فمعنى تفسير الآية على جميع الآراء هو أن الأنصاري الذي اعترض على سقي الزبير قبله كان جديرا به قبول الحكم النبوي دون أن يجد في نفسه حرجا.[23]

-وما روي من أن عبد الرحمن بن يزيد، أنه رأى محرما عليه ثياب فنهى المحرم، فقال: «آتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي. قال: فقرأ عليه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[24]».[25]

فنزع الثوب المخيط لم يرد صريحا في كتاب الله تعالى، وإنما ورد الحديث فقط، ومع ذلك فقد فهم عبد الرحمن كغيره أنه أمر واجب الاتباع لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بالانتهاء لما نهى عنه النبيe والأخذ بما أمر به..

-وما روي من أن ابن عباس رأى الإمام الكبير طاووس يصلي بعد العصر ركعتين فقال له: اتركهما، فأجابه طاووس: أن الرسولe إنما نهى عنهما مخافة أن تتخذ سنة، ولا خير في هاتين الركعتين إن صليتا بغير نية الاستمرار, ولكن ابن عباس يصر على نهي الرسولe مطلقا بعد العصر، ويؤكد لطاووس أنه ليس له الخيار فيما جاء به الرسول e مستندا إلى قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) [26].

إلى غير ذلك من الجزئيات التي لا يمكن حصرها والتي تدل في مجموعها على أن سنة المسلمين العملية المتواترة في جميع الأجيال السابقة هي استدلالهم على الأحكام بما صح من سنة رسول اللهe.

وهكذا يثبت بمجموع تلك الأدلة وغيرها مبدأ حجية السنة النبوية في كل ما يتعلق بالدين… قال الإمام الشافعي:

” لم أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَهُ الناس أو نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ في أَنْ فَرَضَ اللَّهُ عز وجل اتِّبَاعَ أَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ عز وجل لم يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إلَّا اتِّبَاعَهُ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلٌ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أو سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّ ما سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا وَأَنَّ فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَى من بَعْدَنَا وَقَبْلَنَا في قَبُولِ الْخَبَرِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ في أَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ قَبُولُ الْخَبَرِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَّا فِرْقَةٌ سَأَصِفُ قَوْلَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى” [27].

وقال الإمام ابن حزم: ” جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ففرض اتباعه وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله”[28].

منزلة السنة النبوية من القرآن في الحجية:

لقد اختلف العلماء في منزلة السنة في القرآن من حيث الرتبة في الاحتجاج على مذهبين:

-مذهب القائلين بأن السنة والقرآن في المرتبة سواء من حيث الحجية؛ ولذلك فإنه إذا تعارض خبر من السنة- في الظاهر[29] – مع آية من القرآن جاز أن يكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم.

وهذا هو مذهب الحنفية[30] والمالكية[31] وابن حزم الظاهري[32] مستدلين بأن كلا من القرآن والسنة النبوية يتساويان في أنهما وحي من الله تعالى القائل عن نبيه e: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [33].

نعم إن الحنفية والمالكية يشترطون أن يكون الحديث متواترا حتى ينسخ القرآن، أما ابن حزم فإن خبر الآحاد والمتواتر عنده سواء في جواز نسخ الكتاب.

2- مذهب القائلين بأن السنة في المرتبة التالية للقرآن، ولذلك فإن السنة عندهم لا تنسخ القرآن، وإذا حصل تعارض ظاهري بين القرآن والسنة، ولم نستطع الجمع بينهما فلا يتعدى الأمر أحد الاحتمالات الأربعة التالية:

أ- أن تكون الآية منسوخة بآية أخرى.

ب- أن تكون السنة منسوخة.

ج- أن يكون الحديث ضعيفا لا يحتج به.

د- أن يكون وجه الاستدلال في الآية أو الحديث ضعيفا.

وإلى هذا الرأي ذهب الإمامان الشافعي[34]، وأحمد بن حنبل[35] مستدلين على أن السنة النبوية تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم من حيث الاستدلال والحجية بالأدلة التالية:

  • أن القرآن الكريم أصل وأن السنة النبوية فرع عنه.. ومن المقرر أن الفرع لا يقوى قوة الأصل.. وذلك أن القرآن هو المعجزة الدالة على صدق الرسولe إذ به ثبتت نبوته وصدقه في أنه يوحى إليه، وهو الذي شهد له بأن كل ما يصدر عنه لا ينطق فيه عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى… فدل بذلك على أن كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وإقرارات- مما له علاقة بالدين كلها راجعة إلى الوحي.. ولولا هذه الشهادة لما كانت السنة حجة ملزمة.
  • أن القرآن الكريم كله قطعي في وروده حيث نقل إلينا جميعه بالتواتر، أما السنة النبوية فأغلبها منقول إلينا بطريق الآحاد، ولم يتواتر منه إلا القليل.. مما يجعلها في الغالب ظنية الثبوت، وما كان قطعي الثبوت كان أقوى من ظني الثبوت بداهة.
  • إن الآيات الدالة على حجية السنة النبوية تذكرها في المرتبة الثانية بعد وجوب اتباع القرآن الكريم، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأولا).[36]
  • إقرار النبيe معاذا بن جبل على اعتبار السنة مصدرا يلي القرآن الكريم في الحجية، واستقرار ذلك عند الصحابة حتى إن عمرt كتب بذلك إلى بعض من ولاه القضاء:

فقد أخرج أبو داود “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال « كيف تقضى إذا عرض لك قضاء ». قال أقضي بكتاب الله. قال « فإن لم تجد في كتاب الله ». قال فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « فإن لم تجد في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا في كتاب الله ». قال أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدره وقال: « الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله ».[37]

وروي عن عمر بن الخطابt أنه كتب إلى شريح: “إذا أتاك أمر؛ فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله؛ فاقض بما سن فيه رسول الله, صلى الله عليه وسلم…..”[38]. في رواية أخرى أنه قال له: “انظر ما تبين لك في كتاب الله؛ فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب الله؛ فاتبع فيه سنة رسول الله, صلى الله عليه وسلم”[39].

كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم فإن لم يجد في الكتاب نظر هل كانت من النبي صلى الله عليه و سلم فيه سنة فإن علمها قضى بها وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال أتاني كذا وكذا فنظرت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم أجد في ذلك شيئا فهل تعلمون أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قضى في ذلك بقضاء فربما قام إليه الرهط فقالوا نعم قضى فيه بكذا وكذا فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه و سلم قال جعفر وحدثني غير ميمون أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقول عند ذلك الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا صلى الله عليه وسلم وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به قال جعفر وحدثني ميمون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر رضي الله عنه فيه قضاء فإن وجد أبا بكر رضي الله عنه قد قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم”[40].

المبحث الثاني: حجية السنة النبوية بين ميداني العقيدة والشريعة:

قبل بيان حجية السنة النبوية بين ميداني العقيدة والشريعة يجب أن نبين أقسام السنة من حيث وصولها إلينا إجمالا، ثم نبين مجال كل قسم في الحجية:

أقسام السنة من حيث وصولها إلينا:

تنقسم السنة النبوية من حيث وصولها إلينا عند الجمهور إلى قسمين:

  • أحاديث متواترة: والحديث المتواتر هو: ما رواه جمع غفير عن مثله إلى منتهاه، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب”.

والتواتر قسمان:

-تواتر لفظي: وهو ما اتفق الرواة على لفظه، ومثاله قول النبيe فيما رواه البخاري ومسلم: “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” حيث قال ابن الصلاح عنه: “رواه اثنان وستون من الصحابة” وقال غيره: “رواه أكثر من مائة نفس”[41].

2- التواتر المعنوي: وهو ما اختلفت روايته في اللفظ من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب مع وجود معنى كلي متفق عليه في روايته، ومثاله: رفع اليدين في الدعاء[42].

  • أحاديث خبر آحاد: وهو ما لم يبلغ درجة التواتر، وأمثلته كثيرة منها قول النبي e فيما رواه البخاري: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”[43].

هذا ولقد زاد الحنفية قسما ثالثا وهو الأحاديث المشهورة والحديث المشهور عندهم هو ما كان خبر آحاد في عصر الصحابة ثم تواتر في عصر التابعين… وهو عندهم كالمتواتر في القوة بحيث يجوز أن ينسخ القرآن ويقيد مطلقه ويخصص عمومه(إذا اقترن بالآية).

ومن أمثلة الحديث المشهور عندهم: قول النبيe، فيما رواه أبو داود وغيره ” لا وصية لوارث”[44] وقوله فيما رواه مسلم « خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ».[45]

  • مجال كل من السنة المتواترة والآحادية في الحجية:

لما كانت السنة النبوية مختلفة في درجة ثبوتها عن النبيe وكانت ميادين الاحتجاج بها مختلفة الأهمية والخطورة.. فقد اختلف المقبول منها للاحتجاج به بين ميدان العقيدة وميدان الشريعة:

فالسنة المتواترة حجة في دين الله سواء في ميدان العقيدة أو الشريعة، وذلك نظرا للقطع بثبوتها عن رسول الله e.

أما خبر الآحاد من السنة النبوية فإنه لا يصلح أن يكون حجة على عقيدة يكفر جاحدها.. وذلك لأن العقيدة هي ما يطلب الإيمان به إيمانا لا يرقى إليه شك ولا تؤثر فيه شبهة… وهو لا يكون كذلك إلا إذا كان مبنيا على دليل قطعي الورود قطعي الدلالة.. وقطعية الورود لا تتوفر أساسا إلا فيما تواتر من الأخبار دون أخبار الآحاد حيث لا تفيد هذه الأخيرة أساسا إلا الظن بثبوتها، والظن لا تثبت به عقيدة ضرورة لعدم انبناء اليقين على الظن بداهة.

نعم عن خبر الآحاد من السنة النبوية صالح للاحتجاج به في ميدان الشريعة – عبادات ومعاملات ومكارم أخلاق…، وإن لم يفد إلا الظن في ثبوته عن النبيe، وذلك للأسباب التالية:

  • أن الرسول e بعث إلى الناس كافة، وليس من الممكن أن يشافه كل فرد من الأمة بما أوحي إليه به كلا على حدى، كما أنه ليس من الممكن أن يبلغ الأحكام إلى جميع الأقطار وإلى كل فرد على وجه التواتر.. وإنما الممكن هو بعث أفراد من الصحابة –دون التواتر- إلى مختلف الأصقاع للتبليغ… وهذا ما فعله عليه الصلاة والسلام:

فمن المتواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث أمراءه وقضاته ورسله وسعاته.. إلى الأطراف لقبض الصدقات، وتقرير العهود أو حلها، وتبليغ أحكام الشرع، وكانوا أفرادا وآحادا..

ومن ذلك تأميره أبا بكر الصديق على موسم الحج سنة تسع من الهجرة، وتوليته على الزكوات والجبايات قيس بن عاصم وعمرو ابن العاص وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة بن الجراح وغيرهم، وقد ثبت أنه كان يلزم أهل النواحي قبول قول رسله وسعاته وحكامه وكان المبعوث إليهم يتلقون ما يبعث إليهم من أوامر بالقبول والتنفيذ.. فكان الاكتفاء بخبر الآحاد في التبليغ ضروريا.

  • لقد جرى عمل الصحابة رضي الله عنهم على قبول خبر الآحاد في وقائع متعددة لا حصر لها، تتواتر جميعها على معنى عملهم بخبر الواحد في كل ما يتعلق بالشريعة ومن ذلك:
  • أن عمر بن الخطاب كان لا يرى توريث الزوجة في دية زوجها، فلما أخبره الضحاك أن رسول اللهe كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي في ديته رجع إلى ذلك.
  • رجوع عمر وعثمان وجماهير الصحابة رضي الله عنهم عن سقوط فرض الغسل من التقاء الختانين بخبر عائشة رضي الله عنها حيث قالت: فعلت ذلك أنا ورسول الله فاغتسلنا…[46]
  • قضاء عثمان لمن توفي عنها زوجها بالسكنى مدة العدة في بيت زوجها استنادا إلى ما أخبرت به فريعة بنت مالك في أنها جاءت إلى النبيe بعد وفاة زوجها تستأذنه في موضع العدة فقال لها الرسولe: امكثي حتى تنقضي عدتك”[47].
  • ما روي عن أنس قال: “كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب شرابا من فضيح ثمر، إذ أتانا آت فقال: إن الخمر قد حرمت – فقال أبو طلحة: يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفلها حتى تكسرت”[48].
  • ما اشتهر عن أهل قباء من التحول إلى القبلة بخبر الواحد، فإنهم أتاهم آت فأخبرهم بنسخ القبلة، فانحرفوا إلى الكعبة بخبره…[49]
  • وعلى هذه السنة من قبول خبر الواحد والاحتجاج به جرت سنة التابعين بعدهم، قال الإمام الشافعي: “… وجدنا علي بن الحسن رضي الله عنه يعول على خبر الآحاد، وهكذا كان سعيد بن المسيب يقول: أخبرني أبو سعيد الخدري عن رسول الله e، ويقول حدثني أبو هريرة… وكان عروة بن الزبير يقول: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول اللهe قضى أن الخراج بالضمان، ويعترض بذلك على قضية عمر بن عبد العزيز، فينقض عمر قضاءه لأجل ذلك: وعلى ذلك جرى فقهاء الشام والبصرة والكوفة… ولم ينكر ذلك عليهم أحد، إذ لو وقع نكير لنقل ولا اشتهر لتوفر الدواعي على نقله كما توفرت الدواعي على العمل… فثبت بهذا أنه مجمع عليه من السلف، وإنما حدث الخلاف بعدهم…”[50].

3- قوله تعالى (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )[51] والطائفة تصدق على نفر يسير كالثلاثة وهم دون عدد التواتر اتفاقا فلا يحصل العلم بقولهم، ومع ذلك قال: (لينذروا قومهم) فدل على أن إنذارهم يعمل به، وإن كان خبر آحاد لا يفيد إلا الظن.

المبحث الثالث: ما يحتج به من السنة في ميدان الشريعة:

ولما كانت أخبار الآحاد تختلف قوة وضعفا في ظنية ثبوتها…فقد اتفق العلماء على أن ما يقبل من السنة الآحادية للاحتجاج به في ميدان الشريعة هو ما ترجح ثبوت صدوره عن النبيe، وهو الصحيح والحسن ما لم يخالفا القياس أو ينسهما راويهما أو يعمل بخلافهما أو تعم البلوى بهما أو يخالفا إجماع أهل المدينة، وإلا ففي الاحتجاج بهما إذاك خلاف وتفصيل…

  • حجية الصحيح والحسن في الشريعة:

فالحديث الصحيح قد اتفق العلماء على قبول الاحتجاج به في ميدان الشريعة، لأن الاحتياطات والقيود التي اتخذها المحدثون لاعتبار الحديث صحيحا: “من اتصال سنده برواية متصفين بالعقل والإسلام وتمام العدالة والضبط من غير أن يشذ واحد منهم به عن مصدره، ودون أن تكتشف فيه علة خفية تقدح في صحته…” كل ذلك يجعل من العسير إن لم يكن من المستحيل أن تروى العلوم الوضعية فضلا عن الدينية السماوية بطرق أدق إسنادا أو أصدق ورعا وأكمل أمانة وأشد حذرا وأبلغ احتياطا… من الحديث الذي حكم عليه المحدثون بأنه صحيح.. حتى ذهب بعضهم كالإمام أحمد والإمام مالك في أحد قوليه وابن حزم إلى أنه قطعي الثبوت موجب للعلم اليقيني بصدوره عن النبيe.. وخص بعضهم ذلك ” بما لم ينتقده أحد من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر..”[52].

ولما كان الحديث الحسن قد احتف به من القرائن ما يجبر ما في رواته من خفة الضبط، أو ما تتحقق معه أهليته من غير أن يكون مغفلا ولا متهما بالكذب وذلك بأن تتعدد طرق متنه مثلا فقد كان له من الشبه بالصحيح ما يكاد يدرجه فيه.. فيشترك معه في قبول الاحتجاج به في مختلف مجالات الشريعة، وإن كان دونه قوة ودرجة في رجحان صدوره عن النبيe…

قال الخطابي: “…إن الحسن كالصحيح في الاحتجاج به فعليه مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ درجة الصحيح، وعمل به عامة الفقهاء، وقبله أكثر العلماء”[53].

  • هل يحتج بالصحيح والحسن إذا خالفا القياس؟

لا خلاف بين العلماء في أن خبر الواحد الصحيح والحسن يقدمان على القياس الذي تكون علته مستنبطة من أصل ظني أما أن تكون علة القياس مستنبطة فيه من أصل قطعي ففي تقديم خبر الواحد الصحيح والحسن على القياس إذاك آراء العلماء:

  • فذهب الشافعي والحنابلة وجمهور أئمة الحديث إلى ترجيح الخبر على القياس سواء كان الراوي عالما فقيها أو لم يكن، بشرط أن يكون عدلا ضابطا.[54]
  • وذهب الحنفية إلى أن خبر الواحد مقدم على القياس إذا كان راويه فقيها، وأما إذا كان راويه غير فقيه فالقياس عندهم مقدم على خبر الواحد.[55]
  • وذهب المالكية فيما نسب إليهم[56] إلى أن القياس مقدم على خبر الواحد مطلقا.
  • وهذا المذهب الأخير قد نفاه ابن السمعاني عن المالكية وذلك حيث قال: “وهذا القول باطل سمج مستقبح، وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول ولا يدري ثبوته..” كيف قد وقع الإجماع على أن لا قياس ولا اجتهاد مع ورود النص!!

أما الراجح في هذه المسالة فهو المذهب الأول الذي يقدم خبر الواحد على القياس وذلك لما يلي:

  • أن عمر بن الخطاب كان يقسم الأصابع على قدر منافعها ثم تراجع عن ذلك لحديث رسول اللهe: “هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام” [57]. وقوله: “الأصابع سواء عشر عشر من الإبل”[58].
  • أن عمر بن الخطاب t كان يرى أن الدية للعاقلة وأن المرأة لا ترث من دية زوجها، بناء على أن الخراج بالضمان، فكما أنها لا تسهم معه في دفع الدية إذا قتَلَ غيرَه لا تأخذ ديتَه إذا قُتِل.. ثم ترك رأيه عندما أرسل إليه الضحاك بن سفيان الكلابي “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورّث لامرأة أشيم الضبابي t من دية زوجها” [59].

كما روى أبو داود في نفس الموضوع عن جابر رضي الله:” أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها.

قال: فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا قال فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لا ميراثها لزوجها وولدها »[60].

فلما بلغ ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: “الله أكبر لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا”[61]، أي لقضى بالمعقول ولقال من يدفع الدية يأخذ التركة..

وهكذا يثبت أن مذهب عمر هو تقديم الخبر الصحيح على المعقول والقياس كما أن عدم إنكار الصحابة عليه في ذلك يعتبر إجماعا منهم على موافقته على مذهبه.

  • أن خبر الآحاد في السنة هو وحي من الله تعالى لا احتمال للخطأ فيه، وإنما الشبهة في نقله فقط، أما القياس ففيه أكثر من شبهة حيث يعتمد على الخبر غالبا ويحتمل خطأ المجتهد في إلحاق الفرع بالأصل، ويحتمل خطأ المجتهد في معرفة العلة.. وغير ذلك [62]

ومن الفروع المختلف فيها بناء على الخلاف في تقديم خبر الآحاد الصحيح على القياس- أو العكس- مسألة المصراة، وهي الناقة أو الشاة التي يترك صاحبها حلبها ليجتمع لبنها في ضرعها لإيهام المشتري بكثرة لبنها.

فقد ذهب جمهور الفقهاء ومنهم المالكية[63] إلى أن ثبوت الخيار في بيع المصراة، وأن مشتريها له أن يردها مع صاع من تمر تعويضا عما حلبه من لبنها… مستدلين على ذلك بما رواه البخاري عن أبي هريرةt أن رسول اللهe قال: لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها -أي اشتراها- فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر” ومقدمين لهذا الحديث على القياس بأن الأصل أن يرد المشتري المصراة واللبن الذي حلبه، وإن شرب اللبن أو فسد عنده وجب عليه رد مثله أو قيمته، لأن الله تعالى يقول: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)[64].

أما الحنفية فذهبوا إلى أنه ليس للمشتري أن يرد المصراة بعيب التصرية فلم يعملوا بالحديث لمخالفته للقياس ولأن راويه غير فقيه، جاء في “كشف الأسرار” وعندنا –الحنفية- التصرية ليست بعيب، ولا يكون للمشتري ولاية الرد بسببها”[65].

  • وهل يعمل بالصحيح والحسن إذا نسيهما راويهما أو عمل بخلافهما؟

ولقد ذهب جمهور العلماء إلى أن خبر الواحد الصحيح والحسن يبقى حجة وإن نسيه راويه أو عمل بخلافه، في حين ذهب الحنفية إلى عدم حجيته إذا نسيه الراوي أو عمل بخلافه.[66]

ومن الفروع المبنية على الخلاف:

  • القضاء بشاهد ويمين في الأموال حيث ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك مستدلين بما رواه أبو داود:
  • حدثنا أحمد بن أبى بكر أبو مصعب الزهري حدثنا الدراوردي عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد. قال أبو داود وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث قال أخبرني الشافعي عن عبد العزيز قال فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة – وهو عندي ثقة – أنى حدثته إياه ولا أحفظه.” [67]

فالجمهور يستدلون بالحديث رغم نسيان راويه له، وهو: سهيل بن أبي صاح: أما الحنفية فذهبوا إلى عدم جواز القضاء بشاهد ويمين وردوا الحديث لنسيان راويه له[68].

  • النكاح بغير ولي حيث ذهب الجمهور[69] إلى عدم جواز ذلك مستدلين بما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: “أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل”[70].
  • وذهب الحنفية [71] إلى أن عقد النكاح يصح بغير ولي ما دام الزوج كفئا للمرأة وردوا حديث عائشة لسببين:

أولهما أن عائشة عملت بخلاف روايتها حيث زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب في الشام.

ثانيهما أن في إسناد هذا الحديث الزهري وقد سئل عنه فقال: “لا أعرفه”[72].

ويكفي في ترجيح مذهب الجمهور أن نقول:

  • إن الموت أعظم من النسيان، فكما لا يبطل خبر من يموت فكذلك لا يبطل خبر من ينسى.
  • أن المروي عن الرسولe بخبر الواحد حجة، وقول الراوي وفعله ليس بحجة فلم يجز العدول عمن قوله حجة إلى من لا حجة في قوله وفعله..
  • هل يحتج بالصحيح والحسن فيما تعم به البلوى؟

ما تعم به البلوى هو المسألة التي تهم جميع المسلمين أو أكثرهم وهم معرضون للوقوع فيها والسؤال عن حكمها.

فهل يعتبر خبر الآحاد صحيحا أو حسنا حجة في المسألة التي تعم بها البلوى؟

لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين حيث ذهب الجمهور إلى أنهما حجة ولو فيما تعم به البلوى في حين ذهب أبو الحسن الكرخي من متقدمي الحنفية، واختار المتأخرون منهم أن خبر الواحد الصحيح والحسن ليس حجة فيما تعم البلوى[73].

ويظهر أن الراجح من المذهبين هو مذهب الجمهور لما يلي:

  • إجماع الصحابة على قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى، ومن ذلك:
  • رجوع القائلين منهم بعدم وجوب الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال إلى خبر عائشة رضي الله عنها: ” إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل” مع أن خبر عائشة هذا مما تعم به البلوى.
  • رجوعهم رضي الله عنهم في المخابرة[74] وكراء الأرض بخبر رافع بن خديج: ” أن نبيe الله نهى عنه”[75].
  • قول الله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[76] إذ الطائفة كما يقول الإمام الرازي إما اثنان وإما واحد أو أكثر، وقد أوجب تعالى العمل بأخبارهم. وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع مطلقا حيث لم يفرق الشارع بين الإنذار فيما تعم به البلوى وغيره فوجب التسوية بينهما[77].
  • مناط قبول خبر الواحد هو توفر شروط القبول من عدالة وضبط…إلخ وذلك متوفر سواء فيما تعم به البلوى أو فيما لا تعم به البلوى[78].
  • هل يحتج بالصحيح والحسن إذا خالف إجماع أهل المدينة؟

لقد ذهب الإمام مالك t إلى أن اتفاق أهل المدينة الذي اشتهر عنهم وجرى عليه عملهم وتوارثوه خلفا عن سلف وكابرا عن كابر.. يعتبر إجماعا يحتج به في الأحكام.. بل إنه يعتبر حجة مقدمة على الصحيح والحسن من أخبار الآحاد…ومن ثم فإننا كثيرا ما نجد الإمام مالكا يروي الحديث في الموطأ ثم يقول عنه: “وليس عليه العمل عندنا…”.

ولقد احتج تلاميذ الإمام مالك لمذهب في حجية هذا الإجماع وعلى خبر الآحاد الصحيح والحسن بالنقل والعقل:

أما النقل فما رواه ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال: رسول اللهe: “المدينة كالكير تضع طيبها، وتنفي خبثها”[79]. وفي رواية: “أن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ” وفي رواية أخرى: “إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصح طيبها”[80].

وما دام الخطأ خبثا فيجب بمقتضى الحديث انتفاؤه عن أهل المدينة. ولذلك فإنهم متى ما اتفقوا على حكم إلا وكان الحق في جانبهم ووجب على غيرهم اتباعهم.. كيف وقد قال النبيe فيما رواه “إن الإسلام ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها”[81] مما يدل على أن المدينة معقل التشريع ومنبعه.. وكل ما يتفق عليه أهلها فهو الحق الذي يجب اتباعه.

وأما العقل: فإن المدينة هي دار هجرة الرسولe، وموضع قبره ومهبط الوحي ومستقر الاسلام ومجمع الصحابة، مع أن أهلها شاهدوا التنويل وسمعوا التأويل، وهم أعرف الناس بأحوال الرسولe حيث لا زموه في حضره وإقامته، وفي أسفاره وغزواته، وفي غدوه ورواحه. لذلك كله فإنه يبعد أن يخرج الحق منهم.. فيقتضي ذلك تقديم ما أجمعوا على رواية غيرهم [82].

ولقد رد ما استدل به المالكية على مذهبهم في تقديم عمل أهل المدينة على الخبر الصحيح والحسن بما يلي:

أما النقل فقد رد الاحتجاج بأن الخطأ ليس من الخبس، بدليل” أن من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد”، وأيضا فإن حمل الخبث في الحديث على الخطأ متعذر لمشاهدة وقوعه من أهلها قطعا لانتفاء عصمتهم كيف وقد دل على وقوعه منهم سبب ورود الحديث نفسه؟

فقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن أعرابيا بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال يا محمد أقلني بيعتي. فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم جاءه فقال أقلني بيعتي. فأبى ثم جاءه فقال أقلني بيعتي. فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « إنما المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع طيبها»[83].

على أن خلوص المدينة من الخبث لا يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا من الخبث أيضا، ولا على أن اجماع أهل المدينة دون غيرهم يكون حجة عليهم.. وإنما خصصت المدينة بالذكر في الحديث إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها وعظم شأنها تمييزا لها على غيرها لما اختصت به من المزايا والفضائل التي لا توجد في غيرها.

وأما العقل فقد رد بأن اشتمال المدينة على خصال موجبة لفضلها وخطرها لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها ولا على صحة الاحتجاج بإجماع أهلها.. وإلا لصح أن يقال: إن إجماع أهل مكة حجة لاختصاصها بكثير من المزايا والفضائل كالبيت الحرام وزمزم والحجر الأسود والمروة… وهي مولد الرسول ومبعثه ومولد إسماعيل ومنزل إبراهيم عليهما السلام.. إلى غير ذلك من المزايا التي لا دلالة لها على أن إجماع أهلها وعملهم المستمر حجة على غيرهم إذ لا قائل به…

ثم إن أهل المدينة وإن شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل مع كونهم أعرف الناس بأحوال الرسولe، إلا أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم ومن تقوم به الحجة بقولهم من أهل الحل والعقد في المدينة المنورة، لأنها لم تجمع جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها، لأنهم لا يزالون متفرقين في الأسفار وفي الغزوات والأمصار… وباستمرار.

وأيضا فإن مشاهدة التنزيل وسماع التأويل ليس ذلك خاصا بمن استقروا بالمدينة المنورة فإن كثيرا من الصحابة ممن هم من أهل المدينة قد انتشروا في البلاد وتفرقوا في الأمصار بعد السماع من الرسولe فالقول بأنهم إن وجدوا في المدينة يعتبر إجماعهم حجة، وإن وجدوا خارجها يعتبر إجماعهم حجة تحكم باطل لا دليل يؤيده..

وأوضح من كل ما سبق أن من وجدوا في المدينة يجوز أن يخفى عليهم حديث سمعه غيرهم من رسول اللهe في سفر أو غزوة أو في نفس المدينة المنورة ثم يخرج منها قبل نقله عنه، وقد حدث ذلك فعلا فإن كثيرا من الأحاديث التي رويت عن ابن مسعود وعن معاذ وأبي موسى وغيرهم.. رضي الله عنهم)، لم يروها أهل المدينة ولا علموها، فترك تلك الأحاديث وإلغاؤها لكونها لم ترو عن أهل المدينة لخفائها عنهم وإن نقلت عن غيرهم وثبتت روايتها إن هو إلا تحكم لا دليل عليه.[84]

ولئن استطاع معارضوا المالكية بالمناقشة السابقة أن يبطلوا حجية إجماع أهل المدينة المنورة أو حصر الإجماع في إجماع علمائها دون غيرهم… فإنهم لن يستطيعوا أن يبطلوا مذهب المالكية في تقديم إجماع أهل المدينة على خبر الآحاد صحيحا أو حسنا وذلك من ناحيتين:

  • إن عمل أهل المدينة يعتبر بمثابة رواية الجماعة عن الجماعة بخلاف خبر الآحاد.. وقد وقع الاتفاق على الترجيح في الروايات بكثرة العدد- مع التساوي في العدالة- وذلك لغلبة الظن في جانب الكثرة… قال ابن دقيق العيد: “هذا المرجح من أقوى المرجحات فإن الظن يتأكد عند ترادف الروايات، ولهذا يقوى الظن إلى أن يصير العلم به متواترا”[85]. ولعل هذا هو المقصود بما روي عن مالك من أنه كان يقول في تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد صحيحا وحسنا “ألف عن ألف خير من واحد عن واحد”.
  • أن النبيe قضى آخر حياته بالمدينة المنورة وبها توفي فيكون ما أجمع عليه علماؤها أبعد عن احتمال النسخ من احتماله فيما عليه أو يرويه غيرهم… وقد اتفق العلماء على أن من أسباب الترجيح في المرويات أن يقترن أحد الخبرين بما يدل على تأخره عن الآخر فالمقترن بما دل على تأخره مرجح على ما لم يقترن بشيء من ذلك، لأنه لتأخره يجب أن يكون ناسخا للمتقدم[86]. وهذا يتحقق في عدة صور ومنها تقابل عمل أهل المدينة مع خبر الآحاد –صحيحا وحسنا- فيقدم عمل أهل المدينة ضرورة، لاحتمال نسخه لخبر الآحاد.
  • فإن لم يقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد في جهة الترجيح بكثرة العدد فليقدم عليه من جهة الترجيح ببعد احتماله للنسخ. كيف وقد صح الترجيح من الجهتين معا.

 المبحث الرابع: موقف العلماء من الاحتجاج بالضعيف والمرسل من السنة النبوية

  • موقف العلماء من الاحتجاج بالضعيف من السنة:

وحيث إن الحديث الضعيف الصرف قد فقد من شروط الصحيح ما يجعل ظنية صدوره عن النبيe مرجوحة فقد اتفق العلماء على عدم اعتباره حجة في الشريعة، بله في العقيدة.

نعم ذهب بعض المتأخرين إلى الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والأخلاق الفاضلة… وذلك إذا انجبر ضعفه بشروط ثلاثة، هي:

  • ألا يكون شديد الضعف أي ليس في سنده من هو متهم بالكذب.
  • أن يندرج تحت أصل كلي ثبت بالكتاب أو بالسنة الصحيحة.
  • ألا يعارضه دليل أقوى منه.

ولعل السبب فيما ذهب إليه هؤلاء المتأخرون من قبول الاحتجاج بالضعيف الذي توفرت فيه تلك الشروط في فضائل الأعمال هو بالإضافة إلى انجبار ضعفه بتلك الشروط ما يروى عن ثلاثة من كبار أئمة الحديث هم أحمد ابن حنبل، وعبد الرحمان بن مهدي، وعبد الله بن المبارك- من أنهم كانوا يقولون: “إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، ولو روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا”[87].

ولقد تصدى العلماء لنقد هذا الاتجاه في الاحتجاج بالحديث الضعيف –المنجبر بتلك الشروط في فضائل الأعمال وذلك بما خلاصته: ” إن عبارة أولئك الأئمة لم تفهم على وجهها الصحيح إذ أن غرضهم من التشديد ليس مقابلة أحدهما بالآخر، كتقابل الصحيح بالضعيف في نظرنا نحن، وإنما كانوا إذا رووا في الحلال والحرام يتشددون فلا يحتجون إلا بأعلى درجات الحديث، وهو ما اتفقوا على تسميته في عرفهم الصحيح، فإن رووا في الفضائل ونحوها مما لا يمس الحل والحرمة ولم يجدوا ضرورة للتشدد وقصر مروياتهم على الصحيح.. بل جنحوا إلى قبول ما هو دونه في الدرجة وهو الحسن الذي لم تكن تسميته قد استقرت في عصرهم، وإنما كان يعتبر قسما من الضعيف في اصطلاح المتقدمين وإن كان في نظرهم أعلى درجة مما يصطلح على تسميته بالضعيف.

ولو أن الناس فهموا أن تساهل هؤلاء الأئمة في الفضائل إنما يعني أخذهم بالحديث الحسن الذي لم يبلغ درجة الصحة لما طوعت لهم أنفسهم أن يتناقلوا تلك العبارة التي مضمنها: “يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال”… فمما لا ريب فيه أن الرواية الضعيفة لا يمكن أن تكون مصدرا لحكم شرعي، ولا لفضيلة خلقية…إذ إن الفضائل كالأحكام من دعائم الدين الأساسية، فلا يجوز أن يكون بناء هذه الدعائم واهيا، على شفا جرف هار.

وإذا كان لنا أن نرجح أحد الاتجاهين أو الموقفين في الاحتجاج بالضعيف المنجبر في فضائل الأعمال فإننا نرجح الاتجاه الذي لا يحتج بالضعيف ولو في فضائل الأعمال رغم توفر جميع الشروط التي احتاط بها أصحاب الاتجاه الأول المتساهل… لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لنا في الأحاديث الصحاح والحسان، وهي كثيرة جدا في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية، ولأننا رغم توافر تلك الشروط لا نأنس في أنفسنا الاعتقاد بثبوت الضعيف، ولولا ذلك لما سميناه ضعيفا، وإنما يساورنا دائما الشك في أمره، أو مرجوحية ثبوت صدوره عن النبي e.[88]

  • مواقف العلماء من الاحتجاج بالمرسل من السنة النبوية:

إن الحديث المرسل في اصطلاح الأصوليين هو الذي يحذف منه الراوي بعض رجال السند، كأن يقول الرواي من التابعين ومن بعدهم قال رسول الله كذا…. من غير ذكر الواسطة بينه وبين الرسول e سواء حذف منه واحدا أو أكثر..[89].

فهل المرسل – بهذا المعنى- يعتبر من صنف الضعيف، فلا يحتج به ولا يعتبر مصدرا للشريعة؟ أو أنه بخلاف ذلك فيكون مقبولا للاحتجاج به في الشريعة؟

إن الجواب على ذلك يقتضي التمييز بين مرسل الصحابي ومرسل غيره:

  • أما مرسل الصحابي وهو الذي أسقط منه الصحابي غير المباشر للسماع الصحابي الذي باشر السماع- فقد اتفق العلماء على أنه يحتج به ويعتبر من مصادر الشريعة وذلك لأن سقوط الصحابي وكذا الجهل بحاله لا يضعف الحديث لأن الصحابة (رضي عنهم) كلهم عدول قال السيوطي: وفي الصحيحين من ذلك (مراسيل الصحابة) ما لا يحصى لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول ورواياتهم عن غيرهم نادرة وإذا رووها بينوها”[90].

ولذلك يجب حمل مرسل الصحابي على أنه سمعه من رسول اللهe كأغلبية ما رواه عبد الله بن عباس.

  • وأما مرسل غير الصحابي من التابعين وتابعي التابعين… ومن بعدهم فقد وقع الخلاف بين العلماء في الاحتجاج به على مذهبين رئيسيين هما: [91]
  • مذهب الذين يقبلون الاحتجاج بمرسل غير الصحابي: وهو مذهب ذو اتجاهات: – اتجاه الذين يشترطون في قبول مرسل غير الصحابي… أن يكون مرسله عدلا… وهذا هو اتجاه الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل… وغيرهم.

وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه بأن الراوي العدل لا يسقط الواسطة بينه وبين من يروي عنه إلا إذا ثبتت له عدالة تلك الواسطة المحذوفة، فإن لم يثبت له ذلك وأسقط الواسطة كان ذلك تلبيسا منه ينافي ما ثبت له من عدالة، وحيث إن عدالته ثابتة فيجب أن يكون مرسله حجة.

  • اتجاه الذين يشترطون في الاحتجاج بمرسل غير الصحابي أن يكون مرسله من أئمة النقل – كسعيد بن المسيب- بخلاف من لم يكن من أئمة النقل فلا يحتج بمرسله..

وهذا اتجاه بعض الأصوليين كابن الحاجب مستدلين بأن من لم يكن من أئمة النقل قد يظن بالشخص أنه عدل ضابط مع أنه في واقع الأمر ليس كذلك فيسقطه اعتمادا على ظنه الخاطئ بخلاف ما إذا كان من أئمة النقل غالبا، وعليه فلا يكون المرسل حجة إلا إذا كان مرسله من أئمة التحقيق.

  • اتجاه الذين يشترطون في الاحتجاج بمرسل غير الصحابي اعتضاده بأحد الأمور التالية:
  • قول الصحابي أو فعله.
  • أن يقول به أو يفتي به أكثر العلماء وإن لم يكن فيهم صحابي.
  • الاسناد من مرسله أو غيره.
  • عمل أهل العصر على وفقه.
  • أن يعلم من حال المرسل أنه لا يرسل إلا إذا كانت روايته عن عدل مقبول بحيث يعلم عنه إذا سمى أنه لا يسمي مجهولا ولا من فيه علة تمنع من قبول حديثه.

والذي اتجه هذا الاتجاه هو الإمام الشافعي وبعض الأصوليين المستدلين بأن اعتضاد المرسل بأحد الأمور المذكورة يجعله مقبولا للاحتجاج به..

هذا، وننبه هنا إلى خلاف آخر وقع بين العلماء في منزلة المرسل المقبول عندهم للاحتجاج به من المسند:

  • فمنهم من ذهب إلى أنه أضعف من المسند، لأن الراوي في الحالة التي يذكر فيها جميع رجال السند أي في حالة الحديث المسند- فإنه لم يتحمل عهدة رواة الحديث، بل ذكرهم ليفوض الأمر في شأنهم إلى السامع لينظر في عدالتهم وضبطهم.. فكأنه ذكر جميع رجال السند ليتبرأ من عهدتهم.. وقد يكشف البحث أنهم في القمة من حيث العدالة والضبط بخلاف المرسل فإنه لا سبيل إلى التحقيق في جميع رجال سنده ما داموا لم يذكروا جميعا إلا الثقة بمرسله..
  • ومنهم من ذهب إلى أن المرسل أقوى من المسند لأن الراوي لما سكت عن بعض رجال السند وهو عدل أو في أئمة النقل مع علمه أن روايته يترتب عليها شرع أو حكم من الأحكام الشرعية فقد تحمل عهدة سكوته عن ذكرهم، فيقتضي كل ذلك أنه لم يسكت عنهم إلا لجزمه بعدالة المسكوت عنهم وضبطهم ووثوقه بقبولهم.

2- مذهب الذين لا يقبلون الاحتجاج بمرسل غير الصحابي: وهم القاضي الباقلاني، وبعض الأصوليين، المستدلين بأن الجهل بمن سقط ذكره من رجال السند لا يمكننا من معرفته، فضلا عن معرفة سلوكه وأحواله ومدى ضبطه؛ التي تكون أساسا للحكم على الراوي بالعدالة والضبط المفضيين إلى قبول حديثه.. أو بالفسق وعدم الضبط المفضيين إلى رد حديثه.

والذي جرى عليه العمل من هذا الخلاف هو المذهب الذي يحتج بمرسل غير الصحابي إذا كان راويه عدلا وخاصة إذا كان من أئمة النقل كالبخاري ومسلم ومالك.. وخاصة إذا التزم مرسله ألا ينقل إلا الصحيح، وعلى الأخص إذا جاء المرسل بصيغة الجزم.. قال صاحب النخبة: “والتعليقات كثيرة في تراجم صحيح البخاري ولها حكم الاتصال، لأنه التزم في كتابه ألا يأتي إلا بالصحيح ولكنها ليست في مرتبة مسانيده، إلا ما ذكر منها مسندا في مواضع أخر من كتابه، وقد يفرق فيها بأن ما ذكره بصيغة الجزم والمعلوم كقوله: قال فلان أو ذكر فلان – دل على ثبوت إسناده عنده، فهو صحيح قطعا؛ وما ذكره بصيغة التمريض والمجهول – كقيل ويقال وذكر… ففي صحته عنده كلام، ولكنه لما أورده في كتابه كان له أصل ثابت، ولهذا قالوا: ” تعليقات البخاري متصلة صحيحة “[92].

وقال ابن الصلاح: ” إن وقع الحذف – حذف السند أو بعضه في كتاب التزمت صحته كالبخاري فما أتى في الجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال”[93].

 خلاصة:

ونخلص بعدما سبق بيانه إلى النتائج الأتية:

  • لا خلاف بين العلماء في مبدإ حجية السنة، وإن وقع الخلاف بينهم في منزلتها في الحجية بالنسبة للقرآن.
  • الإجماع على حجية السنة المتواترة في دين الله عقيدة وشريعة.
  • الجمهور على حجية الصحيح والحسن في الشريعة دون العقيدة حتى لو خالف القياس أو نسيهما راويهما أو عمل بخلافهما، ولو فيما تعم به البلوى أو يخالف عمل أهل المدينة.
  • الضعيف ليس حجة إلا إذا اعتضد فيكون حجة في خصوص فضائل الأعمال عند الجمهور وإلا إذا كان مرسلا فهو حجة في الشريعة بشرط الوثوق بمرسله أو يعتضد بما يقويه وذلك على ما جرى به العمل.

ولعل خير ما نختم به هو ما حدث به الحافظ عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول: ” سن رسول اللهe وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله.. من عجل بها مهتد ومن استنصر بها منصور: ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى “[94]. مصداقا لقوله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).[95]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

 

– القرآن الكريم.

– ابن الأثير، م. 1392 هـ، 1972م، جامع الأصول في أحاديث الرسول: الطبعة: الأولى مكتبة الحلواني – مطبعة الملاح – مكتبة دار البيان.

– ابن تيمية، مجموع فتاوى ابن تيمية، مكتبة ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن العاصمي.

– ابن عبد البر النمري، ي. 1424 هـ. -2003م، جامع بيان العلم وفضله: الطبعة الأولى: مؤسسة الريان – دار ابن حزم. 1/520.

– ابن عبد البر النمري، ي.1396ه- 1976م. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق مصطفى العلوي ومحمد بكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.

– ابن عبد البر النمري، ي. 1421ه، الاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار، تحقيق سالم محمد عطا ومحمد علي معوض، ط1، دار الكتب العلمية – بيروت.

– ابن الأعرابي، أ. سنة 1997، معجم بن الأعرابي، ط الاولى- دار ابن الجوزي.

– ابن ماجة، م. السنن، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.

– أبو داود، س. السنن، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

بن حزم، ع. 1404ه، الإحكام في أصول الأحكام: الطبعة الأولى دار الحديث – القاهرة.

– ابن الحاجب، م. 1316ه، المختصر الأصولي– بشرح العضد-، المطبعة الأميرية الكبرى بولاق،، بيروت

– ابن خزيمة، م. 1390ه، الصحيح، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت.

– أبو عوانة، ي 1998م، المسند، ط1، دار المعرفة، – بيروت.

– ابن كثير، إ. سنة النشر 1406. تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب، الطبعة: الأولى، الناشر: دار حراء – مكة المكرمة.

– ابن النجار، ت. 1418هـ – 1997 مـ شرح الكوكب المنير المحقق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية – شرح النخبة

– أديب صالح، م. 1/1/1997، لمحات في أصول الحديث، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.

– الآمدي، س. 1404 الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، ط1ه بيروت.

– الباجي، س. 1409ه إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عبد الله محمد الجبوري، ط1-، مؤسسة الرسالة. بيروت.

– بن قدامة المقدسي، سنة النشر 1399، روضة الناظر وجنة المناظر الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود – الرياض الطبعة الثانية، تحقيق: د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد.

– البخاري، م. 1407ه، الجامع الصحيح المختصر، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير اليمامة ط 3-، بيروت.

– البزدوي، ف. 1418هـ/1997م، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام: الطبعة الأولى– دار الكتب العلمية – بيروت

– البوطي س. سنة 1986م، ضوابط المصلحة في الشريعة الاسلامية،، ط 5-، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان.

– البيهقي، أ. 1414 ه، تحقيق محمد عبد القادر عطا، السنن الكبرى مكتبة دار الباز- مكة المكرمة.

– الترمذي، م. السنن، تحقيق أحمد محمد شاكر وغيره، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

– الجصاص، أ.- 1405ه أحكام القرآن، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت

– الخرشي، الخرشي على مختصر سيدي خليل الناشر دار الفكر للطباعة مكان النشر بيروت.

– الدارقطني، ع. 1386ه. السنن، تحقيق السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة.

– الدارمي، ع. 1407ه، السنن، تحقيق فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي، ط1– بيروت.

– الخطيب البغدادي، أ. 1389ه. 1969م، شرف أصحاب الحديث، كلية الالهيات جامعة انقرة.

– الخطيب البغدادي، أ. الكفاية في علم الرواية، المكتبة العلمية، المدينة المنورة.

– الخطيب الشربيني، م. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الناشر دار الفكر، بيروت. 2/63.

– الذهبي، ش. سنة النشر 1421 هـ – 2000 م، تنقيح كتاب التحقيق في أحاديث التعليق دار النشر: دار الوطن مدينة النشر: الرياض: اسم المحقق: مصطفى أبو الغيط عبد الحي عجيب مصدر الكتاب: شركة التراث.

– الرازي، م. 2003 م. تفسير الفخر الرازي (ت604هـ)، المكتبة التوفيقية- القاهرة – مصر 16/227.

– السباعي، م.1396هـ،1976م، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، الطبعة الثانية. المكتب الاسلامي بيروت.

– الرازي، م 1400ه. المحصول في علم الأصول، الطبعة الأولى، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

– السيوطي، ج. 1385ه-1966م، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة الرياض. 2/177.- (1 / 207).

– السيوطي، ج. الإتقان في علوم القرآن، مكتبة ومطبعة مصطفى البابلي الحلبي بمصر، ط 4.

– السيوطي، 1404ه- 1984م. اللمع في أسباب ورود الحديث، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية بيروت لبنان،

– السرخسي، م. 1414 هـ- 1993 م: أصول السرخسي( تمهيد الأصول في الفصول)، الطبعة الاولى، دار الكتاب العلمية بيروت لبنان.

– السيواسي، ك، شرح فتح القدير، الناشر دار الفكر مكان النشر بيروت.

– الشاطبي، إ. 2003م، الموافقات في أصول الشريعة، المكتبة العصرية، بيروت،

– الشيخ خليل، م. 1426هـ/2005مـ، المختصر الفقهي في مذهب مالك” الطبعة الأولى، دار الفكر.

– الشوكاني، م.1421ه، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، تحقيق سامي بن العربي ط1- دار الفضيلة، – الرياض.

– الشيرازي، إ. 1403 التبصرة في أصول الفقه: دار الفكر – دمشق الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد حسن هيتو. – الشافعي، م. 1393ه. الأم. دار المعرفة، ط2-، بيروت. 7/250 وما بعدها.

– الشافعي، م, الرسالة: الإمام الحجة محمد بن إدريس المحقق: أحمد محمد شاكر: دار الكتب العلمية.

– القرطبي، م. 1372ه، أحكام القرآن تحقيق أحمد عبد الحليم البردوني ط2، دار الشعب -القاهرة.

– القرطبي، م.1423 هـ/ 2003 الجامع لأحكام القرآن: المحقق: هشام سمير البخاري: دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية.

– القرافي، ش. 1393ه. شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، حققه طه عبد الرؤوف دار الفكر.

– علي بن أحمد الشافعي المصري، س. 1406، تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج،، المحقق: عبد الله بن سعاف اللحياني الناشر: دار حراء – مكة المكرمة الطبعة: الأولى.

– الغزالي، م. 1419 ه- 1998 م، المنخول، الطبعة الثالثة دار الفكر المعاصر بيرت لبنان دار الفكر دمشق – سورية.

– الكفوي، أ. 1419هـ – 1998م. الكليات، مؤسسة الرسالة – بيروت.

– الكاساني، ع. سنة النشر 1982. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، سنة الوفاة 587 الناشر دار الكتاب العربي

– اللوه، ع. سنة 2007، أصول الفقه، مطبعة الخليج العربي بتطوان الطبعة الثالثة. ص116 وما بعدها.

– المقدسي، م. سنة النشر 1416 هـ -1996م، ذخيرة الحفاظ، تحقيق د. عبد الرحمن الفريوائي الناشر دار السلف مكان النشر الرياض.

– مسلم، م. الجامع الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

– مالك بن أنس، م. 1416هـ/1996م. الموطأ، الطبعة الأولى، برواية يحيى بن يحيى الليثي، دار الغرب الإسلامي، بيروت.

– المعافري، م. أحكام القرآن لابن العربي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت.

– النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث المؤلف: ابن شرف مصدر الكتاب: موقع الوراق.

– النبهاني، م. 2001م، النخبة النبهانية دار الكتب العلمية – بيروت.


[1] – [النجم: 3، 4].

[2] – السنن الكبرى للبيهقي كتاب آداب الْقَاضِي، باب مَا يَقْضِى بِهِ الْقَاضِي وَيُفْتِى بِهِ – (ح20834).

[3]– (انظر الأم 1393ه وما بعدها وتاريخ التشريع الإسلامي 1967 والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي1396هـ- 1976 م.)

[4] – [الصف: 8].

[5] – [النجم: 3، 4].

[6] – سنن أبى داود – باب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ.- (ح4606) سنن ابن ماجه – باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (ح12). سنن الدارمي – باب السنة قاضية على كتاب الله (ح586).

وفي رواية الترمذي – باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه و سلم (ح2664): «ألا هلْ عَسَى رجلٌ يَبْلُغُهُ الحديثُ عنِّي، هو مُتَّكئُ على أرِيكَتِهِ، فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللْناهُ، وما وَجَدْنا فيه حرامًا حرَّمْنَاهُ، وإن ما حرَّم رسولُ الله كما حَرَّمَ اللهُ» وينظر جامع الأصول في أحاديث الرسول الأولى1392 هـ، 1972 م

[7] – الكليات،1419هـ – 1998م

[8] – الإحكام، سنة 1404ه.

[9] – [النحل: 44].

[10] -[النحل: 64].

[11] – النساء 24.

[12] – الإحكام، سنة 1404ه.

[13]– [النساء: 59- 60 ].

[14]-[المائدة: 92].

[15]– [الحشر: 7].

[16]-[النور: 63].

[17]– [النساء: 115].

[18] -[الأحزاب: 21].

[19] – انظر التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 1397ه -. والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب آداب القاضي، باب مَا يَقْضِى بِهِ القاضي وَيُفْتِى بِهِ المفتي)، (ح20834). ومسند البزار – (2 / 479) مسند أبي هريرة رضي الله عنه (ح8993).

[20] – صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم (ح6851)

[21] – سنن الترمذي، كتاب العلم، باب 16 ما جاء في الاخذ بالسنة واجتناب البدع سنن أبى داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة. (ح4609). وانظر التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد – (21 / 279).

[22] -[النساء: 65].

[23]– انظر تفسير ابن كثير سنة1420هـ – 1999 م.

[24] -[الحشر: 7]2.

[25]– جامع بيان العلم وفضله – 1424 هـ. -2003م.

[26] -[الحشر: 7].

[27]– الأم 1393ه.

[28]– الإحكام لابن حزم -1404ه.

[29] – أما في الواقع ونفس الأمر ذلك مستحيل.

[30]– أصول السرخسي 1414 هـ- 1993 م. كشف الأسرار عبد العزيز البخاري 1418هـ/1997م.

[31] – شرح تنقيح الفصول للقرافي1393ه.

[32] – الإحكام 1404ه.

[33] -[النجم: 3، 4].

[34] -الرسالة 1358ه- 1939م.

[35] – روضة الناظر لابن قدامة مع شرحها: نزهة الخاطر العاطر: 1399. شرح الكوكب المنير ابن النجار 1418هـ – 1997 مـ.

[36]– النساء 59

[37] – سنن أبى داود، كتاب القضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء (ح3594).

[38] – أخرجه النسائي في “المجتبى” “كتاب آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم، 8/ 231″، ومن طريقه الضياء في “المختارة” “رقم 133″، والدارمي في “سننه” “1/ 60″، وابن أبي شيبة في “مصنفه” “7/ 241, ط دار الفكر”، ومن طريقه ابن عاصم -كما في “مسند الفاروق” “2/ 548”- ومن طريقه الضياء في “المختارة” “رقم 134”.

[39] – أخرجه بهذا اللفظ ابن عبد البر في “جامع بيان العلم” “2/ 848/ رقم 1598”.

[40] – سنن البيهقي الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي(ح 20128). وسنن الدارمي، المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة (ح161).

[41] – تدريب الراوي السيوطي 1385ه-1966م.

[42] – لمحات في أصول الحديث محمد أديب 1/1/1997.

[43] – صحيح البخاري كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – (ح1).

[44] – سنن أبى داود، كتاب الوصايا- باب ما جاء في الوصية للوارث (ح2872).

[45] – صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنا(ح 4509).

[46] – انظر الاستذكار لابن عبد البر1421ه.

[47] – انظر السنن الكبرى للبيهقي كتاب العدد- باب سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (ح 15896).

أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِىُّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّ فُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ أَخْبَرَتْهَا: أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِى بَنِى خُدْرَةَ وَأَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِى طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِى فَإِنَّ زَوْجِى لَمْ يَتْرُكْنِى فِى مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:« نَعَمْ ». فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِى الْحُجْرَةِ أَوْ فِى الْمَسْجِدِ دَعَانِى أَوْ أَمَرَ بِى فَدُعِيتُ لَهُ قَالَ:« فَكَيْفَ قُلْتِ؟ ». فَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِى ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِى فَقَالَ:« امْكُثِى فِى بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ». قَالَتْ فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ أَرْسَلَ إِلَىَّ فَسَأَلَنِى عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ.

[48] – انظر الموطأ، كتاب الأشربة، باب جامع تحريم الخمر (ح1544).

[49] – انظر الموطأ – رواية محمد بن الحسن-، كتاب أبواب الصلاة، باب بدأ أمر القبلة وما نسخ من قبلة بيت المقدس.

[50] – انظر أصول الفقه العربي اللوه 2007.

[51] – [التوبة: 122].

[52] – شرح النخبة: 2009م.

[53] – انظر التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث: 1407ه-1988م –

[54] – الإحكام، ا1404ه. شرح الكوكب المنير: 1418هـ – 1997 مـ.

[55] – كشف الأسرار: 1418هـ/1997م.

[56] – انظر شرح تنقيح الفصول: 1393ه. لكن تحقيق المسألة يقتضي أن نبين أن القياس الذي قدمه الإمام مالك على خبر الواحد هو القياس بمعنى الأصول والقواعد القطعية.

[57] – صحيح البخاري كتاب الديات، باب دية الأصابع(ح6500).

[58] – سنن أبى داود، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء(ح4558).

[59] – رواه الترمذي، كتاب الديات ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها، (ح1415). قال الترمذي: حسن صحيح.

[60] – سنن أبى داود، كتاب الديات، باب دية الجنين، (ح4577).

[61] – سنن أبى داود، كتاب الديات، باب دية الجنين،(ح4577).

[62] – انظر التبصرة: 1403. والمحصول:1400ه. والإحكام: 1404ه. وإرشاد الفحول: 1421ه.

[63] – انظر الخرشي على مختصر خليل: 1426ه -2005، ومغني المحتاج الخطيب الشربيني (سنة النشر غير متوفرة).

[64] – البقرة 194.

[65] – كشف الأسرار: 1418هـ/1997م.

[66] – كشف الأسرار: 1418هـ/1997م، التبصرة الشيرازي:1403. مختصر المنتهى: 1316ه.

[67] – سنن أبى داود كتاب الأقضية باب القضاء باليمين والشاهد (ح3612).

[68] – بدائع الصنائع: 1982.

[69] – انظر الخرشي على مختصر خليل: 1426-2005. تحفة المحتاج الخطيب الشربيني – 1406.

[70] – سنن الترمذي، كتاب النكاح- باب ما جاء لا نكاح إلا بولي(ح1102).

[71] – شرح فتح القدير الكمال بن الهمام (ومعه الهداية) 3/157. كشف الأسرار 1418هـ/1997م. أحكام القرآن الجصاص 1405، المنخول للغزالي1419 ه- 1998 م.

[72] – انظر ذخيرة الحفاظ -1416 هـ -1996م. وانظر تنقيح كتاب التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي -1421 هـ – 2000 م, وجاء في تحفة الطالب – 1406، “قال بأن جريج ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره”.

[73] – انظر كشف الأسرار 1418هـ/1997م، الأحكام، 1405.

[74] – المخابرة دفع أرض وحب لمن يزرعه بجزء مشاع من النتائج.

[75] – رواه مسلم، كتاب البيوع، باب النهى عن المحاقلة والمزابنة وعن المخابرة وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها وعن بيع المعاومة وهو بيع السنين (ح3991).

[76] – [التوبة: 122].

[77] – انظر تفسير الفخر الرازي (ت604ه) 2003م.

[78] – التبصرة الشيرازي1403. الإحكام الآمدي1404ه.

[79] – اللمع في أسباب الحديث:1404ه- 1984م

[80] – أصول الفقه العربي اللوه: 2007.

[81] – صحيح ابن حبان – كتاب الحج، باب فضل المدينة (ح 3728).

[82] – أصول الفقه العربي اللوه: 2007.

[83] – صحيح مسلم، كتاب الحج، باب المدينة تنفى شرارها(ح3421 ). صحيح البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث (ح1784), انظر اللمع في أسباب ورود الحديث ص138- 139.

[84] – أصول الفقه العربي اللوه: 2007.

[85] – ارشاد الفحول1421.

[86] – أصول الفقه العربي اللوه: 2007.

[87] – انظر الكفاية1419هـ – 1998م.

[88] – انظر علوم الحديث ومصطلحه: 1984

[89]– ويسمونه أيضا المنقطع، فإن سقط منه راويان أو أكثر سمي معضلا – أيضا-

[90]– تدريب الراوي -1385ه-1966م.

[91] – انظر أصول الفقه العربي اللوه: سنة 2007.

[92] – النخبة النبهانية، سنة النشر 2001م.

[93] – نفسه.

[94] – شرف أصحاب الحديث1389ه. 1969م

[95] – [الحشر: 7]).

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.