منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المركزية الاجتماعية للمسجد في حياة الأمة الإسلامية

اشترك في النشرة البريدية

يعد المسجد أول مؤسسة أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، إعلانا على أنه لا قيام للأمة الإسلامية دون هذا الكيان الاستراتيجي، الذي “تعقد فيه الاجتماعات، وتستقبل فيه الوفود، وتتدارس فيه وتقيم فيه حلق الذكر والعلم والإعلام، ومنطلق الدعوة والبعوث، ويبرم فيه كل أمر ذي بال في السلم والحرب،” وبؤرة رئيسية لإدارة شؤون الناس ومصالحهم الدينية والدنيوية وحل مشكلاتهم البسيطة والمعقدة. 

 لكن مع التغيرات الذي شهدها العالم الإسلامي وظهور المؤسسات المتخصصة في كل المجالات، والمستقلة بهياكلها وقواعدها المادية والمعنوية، تقلصت أدوار المسجد وانحصرت وظائفه، إلا أن ذلك لم يمنع من وجودها وتحققها، إذ لبثت بعض وظائفه الاقتصادي والسياسية والاجتماعية والفكرية والتربوية حاضرة إلى يومنا هذا، بنسب متفاوتة.

إلا أن الدور الاجتماعي للمسجد مازال مركزيا، ولا يمكن حجب ولا إنكاره لأن مظاهره تتجلى بوضوح في الحياة العامة والخاصة، ويمكن أن نستشف الظاهر منه والخفي رغم اختلاف الأفراد والبيئة والثقافة المحيطة بكل مجتمع. فأين يكمن دور المسجد الاجتماعي؟ وماهي أهم مظاهره؟

عادة ما نجد المسجد في كل الأحياء سواء الفقيرة أو الغنية، مصاحبا لكل فئات المجتمع من خلال صوت الآذان السجي الذي يصدح بين أرجاء البنايات، وجموع المصليين المتحولقة حوله في مظهر ينم على الوحدة والانسجام والألفة، لدى فالبعد الاجتماعي للمسجد نلمس وجود مظاهره رغم الاختلاف والتعقيدات الاجتماعية للمجتمعات، وسنذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

 

  • الصلح بين الناس:

 

المزيد من المشاركات
1 من 8

لقد شكل المسجد بمكانته المقدسة في قلوب المسلمين منارة يهتدي بها أهل الحي والقرية، ووسيلة لفض النزاعات،” بإصلاح ذات البين والرفض الخلافات التي قد تنشأ بين رواد المسجد من أهل الحي”.

ومهمة الصلح عادة تكون منوطة بالإمام لأهميته الرمزية التي تجعله” ركن الأمان الذي يلجأ إليه أفراد المجتمع في كل الأحوال والأزمان لحل مشاكلهم المعنوية والمادية فهو قاضي بينهم في النزاعات بإصلاح ذات البين بين الأفراد والجماعات دون تحيز إذا طلب منه ذلك”، خاصة في القرى التي تبتعد عنه

 

  • البذل والتكافل الاجتماعي:

 

إن ظاهرة البذل والتبرع والتكافل المادي مألوفة بين الناس في المسجد ولها أوجه عديدة يمكن إجمالها في:

  • التشييد والترميم والتأثيث: حيث شيد المحسنون جل المساجد في بلادنا، إما عن طريق هبة الأراضي أو تكفل ببنائها وتأثيثها، فعادة ما يجود الناس بالمال طلبا للأجر واستحضارا لحديث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).

وقد جرت العادة في بعض المناطق على تغيير أثاث المسجد كل رمضان احتفاء بالشهر الكريم، وتعظيما لحرمة البيت الكريم وطمعا في الأجر الجزيل من الله عز وجل.
بالإضافة إلى أن صناديق التبرع للترميم أو التشييد مرحب بها من طرف الفقير والغني الصغير والكبير كل يساهم بقدر استطاعته لإعالة بيت الله وجعله في أحسن حلة وأبهى صورة.

 

  • المساعدة المحتاجين: 

 

مقالات أخرى للكاتب

يقوم الناس داخل المسجد بجمع التبرعات لمساعدة المحتاجين والمساكين بشكل عرضي، أو كلما دعت الضرورة لذلك، بدعوة من الإمام أو أحد المصلين المعروفين بتعففهم واحترامهم، لمساعدة المنكوبين من أرامل أو يتامى أو مرضى … 

وقد تشمل الإعانة الإمام نفسه ـــ إن لم يكن له عمل إضافي ــــ الذي يتخبط في مشاكل عديدة بسبب أجرته الزهيدة التي لا تكاد تسد الرمق، كما أن التبرع والبذل يضمان أيضا قراء وحفظة القرآن _خاصة في شهر رمضان الكريم _ إذ عادة ما يتطوع قراء جدد لمساعدة الإمام في صلاة التراويح بإشراف الإمام، فيتم جمع المال لفائدتهم في نهاية الشهر الكريم.

والحقيقة أن الناس لا يتهاونون في تقديم المؤونة والدعم المادي للمسجد ومشرفيه سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فكل يبذل جهده في سبيل خدمة بيت الله والسهر عليه ماديا ومعنويا.

 

  • وحدة الأمة:

 

تعد وحدة الأمة أحد أهم المقاصد الأساسية التي دعا إليها ديننا الحنيف، وعمل على تجسديها عبر التاريخ بمجموعة من الوسائل والأدوات من بينها المسجد الذي هو إحدى الركائز المهمة التي تسهم في صياغة وحدة الأمة وبناء نسيج مجتمعي مترابط بعيد عن الفرقة والتشتت والتمزق، ويعمل “على تحقيق الوحدة الفكرية والعقائدية في المجتمع وتوظيف أهدافه من خلال طابعه التنظيمي ومنهجه في بناء الفرد والمجتمع”.

فترتيب الصفوف في المسجد وتوحيد الوجهة والقبلة، فيه دلالة واضحة على توجيه الناس إلى الوحدة التي تشكل دعامة القوة داخل المجتمع والحصن الذي يؤمن للأمة الاستقرار والرقي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.

  • التعارف وتوطيد الروابط بين الأفراد:

تتحد الأجساد في المسجد وتتوحد الطبقات في سلوك متجانس، لتحقيق” تعارف أخوي إيماني لا يتسنى نظيره لغير الأمة الإسلامية، ذلك أن المصلين في الحي الواحد يلتقون في المسجد في الصلوات وفي الدرس، وبعد فترة قصيرة يصبح أفراد الحي الواحد كلهم متعارفين بسبب تكرار رؤية بعضهم بعضا ومصافحة بعضهم بعضا”، مما يخلق” التقارب والتعاون الاجتماعي بين الأفراد فضلا عن دوره في وقاية الفرد من الشعور بالعزلة والوحدة الاجتماعية مما يؤدي إلى تقوية الشعور بالإخاء وروح المساعدة”، ويصبح جسد الأمة متماسكا إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالسهر والحمى كما قال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. 

 

  • التحصين من الانحرافات  

 

يعمل المسجد على تربية النفس الإنسانية وتهذيبها، وغرس القيم والفضائل الحميدة في الكيان البشري ونبذ السلوك الذميم التي ترفضه الفطرة السليمة، لأنه يجعل الإنسان محصن من مجموعة من الانحرافات والآفات التي قد تصيبه من جراء الصحبة السيئة، لأنه يكون في صحبة أهل المسجد فيأخذ من آثارهم الحسنة ويخجل من تصرفاته السيئة، ويجاهد نفسه على ترك دميم أخلاقه ويخشى أن يكشف ثغراته، فيعمل على تربية ذاته وتقويم أفعاله ليكون الأفضل والأحسن.

 

وتبقى أهم المنافع التي يرشد إليها المسجد ويهدي إليها من خلال فرائض الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر لقوله تعالى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‌} [العنكبوت:45]، فالصلاة داخل المسجد حصن حصين أمام المنكر والانحرافات الاجتماعية التي أدت إلى إغراق الإنسانية في براثن المصالح الضيقة، ودمرت المعاني الروحية في الإنسان، وجعلت العالم يعيش في تفكك روحي وقلبي وأخوي.

 

  • تربية على مبدأ الانتظام وقوة الإرادة: 

 

إن ارتياد المسجد بشكل يومي يحتاج إلى الصبر والحلم والعزيمة القوية التي لا تتأتى إلا بالدربة والإرادة، وهي أسس تعمل المواظبة على تثبيتها في النفس الإنسانية، وسبيل لتنمية الذات وتحقيق سبل النجاح على المستوى الدنيوي والأخروي. 

فاحترام زمان الصلاة ومكانها ومقوماتها له من الدلالة ما يدعو الفرد والمجتمع إلى بناء ذاته وعلاقاتهم على مبادئ الانضباط والانتظام لنظام يرفع من الوعي الحركي والفكري للفرد بذاته ومجتمعه.

 

  • تنمية روح المساواة:

 

أن اصطفاف المصليين وراء الإمام يحقق المساواة الإلزامية بين جميع الناس غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، شريفهم وضيعهم، بنوع من التراحم والتلاحم، الذي يوحد القصد والقلب والجسد، فركعة واحدة “تغرس في نفوسهم من حقائق المساواة الإنسانية وموجبات الود والأخوة ما لا تفعله عشرات الكتب التي تدعو إلى المساواة وتتحدث عن فلسفة الإنسان المثالي، والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد….وتزول كل الفوارق التي تميز بين الناس…”.

 

  • رعاية التنشئة:

 

إن المسجد أحد أهم المؤسسات التي تضمن سلامة التنشئة الاجتماعية للأطفال، لذا يحرص الكثير على ربط أبنائهم بالمساجد منذ صغرهم، وتحبيبه إلى نفوسهم وتشجيعهم على الصلاة، وهو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يطرد الأطفال ولا يردهم ولا ينهرهم حتى وإن سبقوا إلى الصفوف الأولى، فكان الطفل يشعر داخله أنه “عضو حي في جسم المجتمع وأنه ليس شيئا ضائعا ولا كما مهملا، وإنما هو في مجتمع إنساني كريم يعنى به ويرعاه ويأخذ بيده “. مما ينعكس على تربية شخصيته ايجابيا ويخلق منه عضوا قويا وصالحا في مجتمعه.

وعموما، فالمسجد يحتل الدور المركزي في حياة المسلم، وبابا للدعوة والمحبة والإخاء والوعي والإرشاد والتضامن والمساواة والتطور والتقدم، ولا يستطيع أحد تجاهل ما للمسجد من مكانة اجتماعية في نفوس المسلمين، إلا أن أدواره ما تزال في تراجع كبير، والكل يساهم من جهته في تغييب هذه الوظائف، فحتى تقصيرنا في المواظبة على الصلوات داخله هو مساهمة أساسية في تراجع أدواره وتخبطنا في براثن الضعف والهوان. 

لائحة المصادر والمراجع:

  • حسن وجاج، رسالة المسجد في الإسلام، مجلة دعوة الحق، العدد 304، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغربية 1994.
  • القرضاوي، يوسف: دور الزكاة في حل المشكلات الاقتصادية، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1400ه/2001م.
  • محمد الأكحل شرفاء البعد التربوي الاجتماعي في العبادات، مجلة دعوة الحق العدد 276 وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغربية شتنبر 1989.
  • محمد علي المختار دور المسجد في الإسلام ،1402 سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامية، دار الأصفهاني للطباعة ط:2، جدة، العدد.14 
  •  ناصر بن عبد الكريم العقل أثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ط:1، المملكة العربية السعودية، 1418 هـ.
  • نوبي محمد حسن عمارة المسجد في ضوء القرآن والسنة، دار النهضة الشرق، القاهرة، الطبعة الاولى 2002.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.