منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أسرار الحج ومقاصده

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

الحج ركن عظيم من أركان الإسلام، وهو واجب على من استطاع وتوفرت فيه شروط وجوبه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا)[1]،

وللحج أركان لا يتم بدونها، وله واجبات مكملة، وسنن ومستحبات تدل على الطاعة وحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عملا بقوله عليه السلام: (خذوا عني منسككم).

أولا: مقاصد الحج

        في الحج تحقيق للعبودية لله وإذعان لشرعه، فلا ترى الحاج إلا متذللاً خاضعاً لله، منكسراً بين يديه، متجرداً من ملابسه، مسافراً عن أهله وبلده، تاركاً شهواته وملاذه لله رب العالمين. ومن المقاصد المرجوة من فريضة الحج:

المزيد من المشاركات
1 من 3

1- تحقيق العبودية لله وذلك امتثالا  لقوله عز وجل: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات:56)، وذلك باعتبار الحج الركن الخامس من أركان الإسلام ويدخل في هذا المقصد لباس الإحرام بما يكتسيه من مظاهر المسكنة والافتقار والتذلل بين يدي الله، ويتجلى ذلك أيضا عند الوقوف في صعيد واحد في عرفة، واللهج بالدعاء بلباس واحد لا يميز فيه الغني من الفقير، ولا الحاكم من المحكوم.

2- نيل مغفرة الله يقول النبي عليه الصلاة والسلام (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)[2]. وقد ورد في الأثر أن الشيطان يحثو التراب على رأسه في يوم عرفة ويقول يا ويلي،يا ويلي أضلهم طول العام ويغفر لهم هذا اليوم.

3- الاقتداء بسيدنا إبراهيم عليه السلام؛ قال الله عز وجل”إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصاحين” (النحل:119-121)، فكل هذا الثناء استحقه سيدنا كما أن كثيرا من مناسك الحج ترجع إلى فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام.

4- الاقتداء بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لقوله عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم.

5- الإكثار من ذكر الله لقوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الطواف والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله تعالى.

6- تطهير النفس من الشح:

فكثير من الناس يستصعب إنفاق ماله دفعة واحدة في فريضة الحج ويشق عليه فراق الأهل والولد، إضافة إلى مشاق السفر، في حين لا تجده يجد صعوبة في إقامة الصلاة وغيرها من الفرائض، لكن الإنسان إذا سعى إلى الحج وصبر واحتسب يكون قد انتصر على نفسه وطهرها من حب المال  والبخل به.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

7- التخلق بالأخلاق الحسنة:

ومنها من الحلم وتحمل الأذى من الخلق، فإن الحاج لابد له من أن يتعرض لمزاحمة أو مخاصمة أو غير ذلك، قال تعالى: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ‌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَ‌ضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَ‌فَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ” (البقرة:197). والتربية على الصبر وتحمل المشقة كالحر وطول الطريق والبعد عن الأهل والتردد بين المشاعر والزحام فيها. والتدرب على ترك العادات والتقاليد والمألوفات، فإن الحاج ملزم بكشف رأسه وترك لباسه. وسيترك ما اعتاده من سكن وطعام وشراب.

ثانيا: أسرار الحج

1- الأذان بالحج:

لما أمر الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بالأذان قال يا رب ليس هناك من يسمعني،فقال له الله عز وجل منك الأذان وعلينا البلاغ،فلما صعد جبل أبي قبيس وأذن سمعه كل الخلائق ومن في الأصلاب، فاستجابوا لنداء الحج وقد قال سبحانه: “وأذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق” (الحج:25).

2- الإخلاص:

الحج يختلف عن العبادات باعتباره عبادة مادية وبدنية في آن واحد، وينبغي فيه إخلاص النية، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول( اللهم حجة لارياء فيها ولا سمعة)[3].

3- الإحرام:

عندما يحرم الحاج ويلبس ثوب الإحرام، يتجرد فيه من المحيط والمخيط، فكأنه لبس كفنه بعدما ودع أهله وأحبابه، وصار فقيرا لا يملك شيئا سوى هذين الثوبين الأبيضين.

وبياض اللباس ونقاؤه إشارة إلى طهارة الباطن ونقاء القلب وبياض الرسالة والمنهج، وفيه طرح للزينة، وإظهار للمسكنة، وتذكر الموت حين يلبس الإحرام ذلكم اللباس الشبيه بالكفن فكأنه مستعد للقدوم على الله جل وعلا.

4- الوقوف بعرفة:

عندما يقف في صعيد عرفات يتذكر أرض المحشر، فيدعو الله أن يغفر له ذنوبه قبل أن يأتيه الموت ويوم الحساب.

5- الطواف بالبيت:

عندما يطوف بالبيت، يستحضر طواف الأنبياء عليهم السلام وطواف الصحابة والتابعين، ويتلمس مواضعهم لعل قدمه تقع على قدم رسول الله عليه الصلاة والسلام ويجتهد فيه لأنه العبادة التي لا توجد في مكان آخر سوى مكة.

6- النظر إلى الكعبة:

يستحب للحاج أن يمعن النظر إلى الكعبة فهي البيت العتيق، ومكان مهبط الوحي فينال عشرين رحمة كما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا (إن الله ينزل على أهل هذا المسجد -مسجد مكة- في كل يوم عشرين ومائة رحمة ، ستين للطائفين، وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين)[4].

7- السعي بين الصفا والمروة:

عندما يسعى بين الصفا والمروة يتذكر الجهد الذي قامت به سيدتنا هاجر من أجل ابنها الرضيع لما لم تجد ماء تروي به ظمأه، ويتذكر توكل إبراهيم عليه السلام عندما أمره الله بترك أهله بمكان غير ذي زرع،فسألته زوجه آلله أمرك بتركنا هنا قال نعم فقالت: إذن لا يضيعنا الله؛ فكان نتيجة سعيها بين الصفا والمروة وتوكلها على الله أن حدثت معجزة ماء زمزم، فتفجر بإذن الله فشربت وارتوت، وأرضعت صغيرها ،وارتوى من حولها، وأقبلت قبائل فاستوطنت بجانبها، وبقي هذا الماء إلى يومنا هذا معينا لا ينضب وشفاء للشاربين فعن جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ماء زمزم لما شرب له)[5].

8- التلبية:

كما ينبغي للحاج أن يلهج بالتلبية في عدة مواطن، بقوله لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ومعناها أنه يلبي ويستجيب لنداء الرحمان وقدومه عليه راجيا عفوه ومغفرته  شاكرا لنعمه فقد اصطفاه من بين ملايين الخلائق وهكذا يتذكر الحاج، ويلهج بالذكر والدعاء عند رمي الجمرات وفي معظم أحواله ،حتى يختم بطواف الوداع، فيرجع إلى أهله مغفورا له لقوله عليه الصلاة والسلام (من حج ولم يرفث ولم يصخب رجع كيوم ولدته أمه)[6].

ثانيا: المبادرة إلى الحج؛

الحج يجب على الفور، بمعنى أنه يجب على المكلف فعل المأمور به بمجرد التمكن من فعله، ولا يجوز له تأخيره من غير عذر. قال ابن قدامة رحمه الله في (المغني): (من وجب عليه الحج، وأمكنه فعله، وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، لقول الله تعالى: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” (آل عمران:97). والأمر على الفور)[7]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ)[8].

ولا ينبغي للمؤمن التسويف أو التراخي لأداء فريضة الحج، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على المباردة وحذر من التماطل، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حجوا قبل أن لا تحجوا)[9]. فيمكن أن تأتي موانع وعوارض تمنع من الحج، إما صحية أو أمنية أو سياسية، أو بسبب الوباء كم حصل هذا العام، نسأل الله العفو والعافية.

خاتمة

تبقى فريضة الحج أهم أركان الإسلام وتتميز عن سائر الفرائض بتنوعها فهي تشمل الصلاة والإنفاق بالمال والجهاد بالنفس والمال والبدن  ولهذا شملت أسرارا عظيمة، ومقاصد شتى، ذكرنا بعضها للاسترشاد. وفي الحج يتنقل المؤمن من عبادة إلى أخرى، فتتحقق العبودية للحاج بأوفى صورها وأتم معانيها، وحري بهذه العبودية لله أن تستمر في سلوكيات المسلم بعد الحج، وحري بهذه الطاعة لله والاستسلام لشرعه أن تدوم في مكة أو سواها من بلاد الله.

والحمد لله رب العالمين.

[1] – رواه الإمام البخاري في صحيحه.

[2] – رواه البخاري من حديث أبي هريرة.

[3] – رواه الإمام ابن ماجة

[4] – أخرجه الأزرقي في أخبار مكة (256)

[5] – رواه الإمامان أحمد وابن ماجة.

[6] – رواه الإمام .

[7] – ابن قدامة، كتاب المغني.

[8] – رواه الإمام ابن ماجة، والإمام أحمد في مسنده.

[9] – أخرجه الإمام البيهقي، 4/341.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.