منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دور الشعر في استنهاض الهمة وتعبئة الأمة عند الإمام عبد السلام ياسين

د. جهاد الساخي

0

دور الشعر في استنهاض الهمة وتعبئة الأمة عند الإمام عبد السلام ياسين

د. جهاد الساخي

تمهيد

تعددت وظائف الشعر واختلفت حسب الأماكن و الثقافات التي نشأ فيها ، وظل التساؤل المطروح : ما هي الغاية من الشعر وما هي أهميته؟  و ما هو دور الشعر و الشعراء في حياة المجتمعات عموما، والمجتمع الإسلامي العربي خصوصا؟ على أن الإجابة على هذه التساؤلات ستكون من خلال نموذج لمفكر و شاعر سطع نجم فكره وشعره في الأمة الإسلامية، أفنى حياته في التربية و الجهاد بكلمة الحق و التهمم بأمر الإنسان وحاله مع الله وغايته ومآله. بث فكره نثرا وشعرا حتى يصل إلى كل الناس بسيطهم ومثقفهم، أديبهم وشاعرهم. فمن هو هذا الرجل؟ وكيف استطاع أن يجعل من الشعر أداة و وسيلة لاستنهاض همة الإنسان المسلم وتعبئة أمته  لأجل إحيائها ؟

1- تقديم

أ. ماهية الشعر

جاء في لسان العرب: الشعر منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعرا من حيث غلب الفقه على علم الشرع، والعُود على المَندل، والنجم على الثريا. وربما سموا البيت الواحد شعرا حكاه الأخفش، وهذا ليس بقوي إلا أن يكون على تسمية الجزء بالكل، كقولك الماء للجزء من الماء، وقال الأزهري الشعر القريض المحدود من العلامات التي لا يجاورها، و الجمع أشعار، وقائله شاعر، لأن يشعر مالا يشعره غيره، أي يعلم، وشعر الرجل  يشعر شعرا وشعر، وقيل: شعَر قال الشعر، وشعُر أجاد، ورجل شاعر والجمع شعراء، ويقال شعرت لفلان، أي قلت له شعرا..وسمي شاعرا لفطنته، و المتشاعر الذي يتعاطى قول الشعر، وشاعَره فشعَره يشعَره بالفتح،، أي كان أشعر منه وغلبه.

وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن من الشعر لحكمة، فإذا أَلبَس عليكم شيء من القرآن، فالتمسوه في الشعر فإنه عربي. “[1].

ب- انصراف المسلمين عن الشعر بعد نزول القرآن

يقول ابن سلام الجمحي: ” جاء الإسلام وتشاغلت عن الشعر العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، و( لهت ) العرب عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير، فلما راجعت العرب رواية الشعر، وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم و أشعارهم، وأرادوا أن يلحقوا بمن له في الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسن شعرائهم، ثم كان الرواة، وأرادوا أن يلحقوا بمن له وقائع، فزادوا في الأشعار التي قيلت، وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون.”[2] وهو ما سنأتي على ذكره لاحقا في تحديد وضبط مفهوم الشعر وتأصيله.

وقد ترددت هذه الآراء في مقدمة ابن خلدون حيث جاء فيها قوله: ” انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم  من أمر النبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا، ثم استقر ذلك وأوتي الرشد  من الملة، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره، وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه. ” [3]

ج- مفهوم الشعر في الأدب القديم

يعرف ابن سلام الجمحي الذي يعتبر أول ناقد عربي في تاريخ النقد العربي  بأن الشعر ” صناعة وفن”

وهذه الصناعة يعرفها أهل العلم ، كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره. ” فالشعر إذن عنده هو صناعة وفن لا يحسه ولا يشعر به إلا كل من وهب تلك القدرة على الخاصة على تذوقه.[4]

أما ابن خلدون فيعرفه  بقوله: ” الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة. “[5]

وقد أولى له القدماء اهتماما خاصا، كما ميزوه عن النثر، “فابن طباطبا جعل الشعر نظما للنثر، والنظم عنده هو تخير اللفظ والوزن و الصياغة، جاء في تعريفه للشعر: ” الشعر كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، بما خص به من النظم الذي إن عدل عن وجهته مجّته الأسماع، وفسد على الذوق، ونظمه محدود معلوم، فمن صح طبعه وذوقه لم يحتج إلى نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه، ومن اضطرب عليه الذوق لم يستغن من تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق به، حتى تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه”. وأهم ما في هذا التعريف كما يرى جابر عصفور هو أنه “يحدد الشعر على أساس الانتظام الخارجي للكلمات، صحيح أن التعريف لا يشير صراحة إلى القافية إلا أنها متضمنة فيه “.[6] إلا أن ابن طباطبا قد ” ابتعد عن روح الشعر في تعريفه بحكم ثقافته الفقهية”.[7]

ويرى قدامة ابن جعفر بأن ” الشعر هو القول الموزون المقفى  الذي يدل على معنى، وجعل التسجيع والتقفية بنية للشعر، هي التي تخرج به عن مذهب النثر، فالوزن عنده كما عند طباطبا يميز الشعر من النثر ، إلا أنه لا يكفي وحده، إذ يتطلب الشعر تناسبا لا يتطلبه النثر، فالتناسب وإن كان مصطلحا غير دقيق ولا يكفي بأغراض نقدية واضحة، كان هاجس النقاد العرب جميعا، وكأنهم كانوا يحدسون بعناصر متناقضة للشعر ينبغي على الشاعر أن يؤلف فيما بينها بشكل يوفر لها لانسجام، وقد عبر قدامة عن هذا التناسب بكلمة التآلف ،  وجعل الشعر قائما على أربعة عناصر هي : “المفردات البسائط التي يدل عليها حده، والأربعة المؤتلفات: ائتلاف اللفظ مع المعنى، ائتلاف اللفظ مع الوزن، ائتلاف المعنى مع الوزن، ائتلاف المعنى مع القافية.”[8] كما اعتبر بن رشيق  ” الوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية. “[9] وهكذا نجد ” ابن جعفر قد طغى عليه منطق أرسطو، وأصبح الشعر عنده علما يمكن تحديده، فهو ” الكلام الموزون المقفى ” متحدثا عن شكله الخارجي غير مهتم  بحقيقته كحدس وإلهام.”[10]

فالشعر بالنسبة لهؤلاء النقاد وغيرهم كان رهينا بعموده الذي يفرض سلطانه عليهم، فلم يحاولوا النظر في الشعر أو القصيدة ككل، ولم ينظروا إلى بنية القصيدة، وإلى وحدة هذه البنية، وهذا هو الفرق الجوهري بين مفهوم الشعر عند العرب قديما ومفهوم المحدثين له.[11]

 د- الشعر من المنظور الأدبي الحديث

نجد أن مفهوم الشعر قد تغير أو بالأحرى تطور عبر التاريخ، وحسب ما تقتضيه ضرورات الإنسان،  فقد ارتقى مفهومه من اعتباره كلاما موزونا مقفى مضبوطا بقواعد خاصة إلى أن أصبح تعبيرا عن حالة شعورية  وتجربة ذاتية يعيشها  الشاعر ” فهو إذن في أبسط صوره تعبير عن شعور، ومن هنا سمي شعرا، والشعور هنا يعني التأثر والمعايشة والمعاناة، وكلها تعني الانفعال، فالشاعر ينفعل بموقف من مواقف الحياة، ويظل يكابد هذا الشعور وهذا الانفعال، ويظل هذا الشعور يقلقه في محاولة للتعبير عنه، ينمو ويتطور حتى يستوي كالجنين في بطن أمه، إلى أن تأتي لحظة الخلاص بعد أن تكون القصيدة قد تكاملت لها مكوناتها وأصبحت كائنا حيا يتحرك ويتنفس.”[12] و هذا ربما يعكس التجارب الفريدة والعميقة التي أصبح يعيشها الشاعر مع تطور الحياة وتعقيدها ، فلم يعد يُعنى بالمبنى وجِدَّته فقط ، بقدر ما صار يتطلع إلى سبر أغوار النفس البشرية في قالب وأسلوب فني بديع، تهفو إليه الأسماع وتستلذه النفوس، لما يترجم عنها ما عجزت عن التعبير عنه. لقد أصبح الشاعر مثل الرائي كما عبر عنه ” رامبو ” بقوله: ”  يصير الشاعر رائيا عبر تشويش طويل هائل ومفكر فيه للحواس كلها، يبحث داخله عن كل أشكال  الحب والمعاناة والجنون، ويستنفذ في ذاته كل السموم، لكي لا يحافظ منها سوى على الجواهر،إنه تعذيب لا يوصف، حيث يكون الشاعر محتاجا لكل الإيمان، لكل القوة المافوق إنسانية”.[13]

فالشعر عند رامبو دائما في صدارة الركب، ” لأن انفتاحه على الأمام ، على المستقبل، منحه هيأة الرائي le voyant، وهو ما يحول الشعر نوعا ما إلى كشف نبوئي، يتضمن حقيقة ملائمة للمستقبل، وكفيلة بحدس إلغازيته وتبيانها “.[14] ولذلك فإن ماهية الشعر عند الشعراء المعاصرين قد تتداخل مع وظيفته.

“فإذا كانت وظيفة العقل كما حددتها الفلسفات المتعددة تتمثل إلى حد ما في تخليص الإنسان من التشيؤ، وتحريره من قيود التناهي الحسي، ومن البعد الجزئي للظاهرة الملموسة، وذلك بوضع الوجود الحسي الملموس موضع التساؤل والشك، ومن ثم يحدث التغيير الذي يمليه العقل، وهو تغيير في الأغوار الأكثر عتامة، وولوج الاستضاءة والإنارة، فإن وظيفة الشعر الجوهرية تتمثل في أنه يلامس الحكمة كالعقل، ويخلص الإنسان بدوره من التشيؤ الملموس ، محفزا إرادة الإبداع على الخلق ، وهو بذلك يكشف  في الظاهرة المعقولة عن جانبها الأكثر إعتاما، داعيا في الآن ذاته إلى وجود لا متناه يحمل سيمياء التعددية التخييلية،  حيث الأشياء تكشف عن ذاتها بالخروج عن دائرة المألوف المعقول .”[15] فالشعر إذن هو عملية خلق وإبداع بالدرجة الأولى والأثر الذي تحدثه هذه العملية عند المتلقي، قبل الالتفات إلى شكله وطريقة نظمه.

 وإلى هذا يذهب زكريا إبراهيم عندما يصف الشعر بأنه ” عملية خلق وإبداع، يختلط فيها الشعور باللاشعور، وقد اختلف الباحثون والفنانون في هذه العملية، فيميل علماء الجمال إلى تشبيه هذه العملية بعملية الولادة – كما ذكرنا سابقا-  ويعنون بذلك أنه عمل لا إرادي حيث تتكون أحداث باطنية في عمق الشاعر دون أن يكون على علم بها، والبعض الآخر يميل إلى أن الإبداع عمل فني وصنعة يحتاج فيها الشاعر إلى خبرة حسية طويلة، يتسنى له خلالها جمع المواد اللازمة لعملية الإبداع من إعداد وبحث ودراسة “.[16]

ويبقى من الصعب وضع تعريف محدد للشعر إذ إنه يضيق داخل معنى واحد ودقيق،  وإنما الهدف من كل هذه التعريفات هو ” تقديم مفهوم للشعر في سيرورته الدينامية داخل الخطاب النقدي العربي القديم و  الحديث، لأن الشعر في الواقع يند عن ضبطه ضمن أي تعريف مشروط ومحدد بشكل نهائي، ومن ثم فإن ما نتغياه هو مقاربة المصطلح الشعري في حركيته “[17].

ه- مكانة الشعر والشعراء عند العرب المسلمين

اعتُبِر الشعر عند العرب من أهم وأرقى أنواع  الفنون فلا تجد شيئا يعلو عليه إلا كتاب الله وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ونجد النقاد يتناولونه بالدراسة ويولونه أهمية كبيرة،  باعتباره مصدرا مهما من مصادر اللغة العربية، يقول الجرجاني: ” لا يوجد علم أرسخ أصلا وأبسق فرعا وأحلى جنىً، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا من علم البيان الذي لولاه لم نر لسانا يحوك الوشى، ويريك بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها، وتصويره إياها،لبقيت كامنة مستورة، ولما استَبْنَت لها يد الدهر صورة، ولا استمر السرار بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يدركها الاستقصاء.” [18]

ويضيف الجرجاني متحدثا عن مكانة الشعر عند العرب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موردا حديثا له صلى الله عليه وسلم: ” إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا” ،  ويضيف ” لقد شجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول الشعر وهو القائل: ” ما يمنع الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم”، وقال لحسان: ” قل وروح القدس معك”، وقال لكعب: ”  مانسي ربك وما كان ربك نسيا شعرا قلته” ، قال : وما هو يا رسول الله؟، قال: ” أنشده يا أبا بكر، فأنشده أبو بكر رضوان الله عليه:

زعمت سخينة أن ستغلب ربها            وليغلبنّ مغالبُ الغلاب.[19]

لقد كان الشعر في العصر الإسلامي سلاحا من أقوى الأسلحة وأهمها، استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم، كما استخدمه أعداء الإسلام، كما كان ذواقا له يعجب بقائليه، كما فعل صلى الله عليه وسلم مع كعب بن زهير:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول                      متيم إثرها لم يفد مكبول

وبلغت درجة استحسانه أن صفح عنه وخلع عليه بردته صلى الله عليه وسلم. “[20]

هكذا كانت نظرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشعر وهكذا تعامل مع الشعراء المسلمين، وبذلك بقيت مكانتهم محفوظة بين قبائلهم وأمصارهم.

و- وظيفة الشعر

إن الشاعر كما هو معروف ” لسان قومه “، يخبر عن أحوالهم وحروبهم وعن أفراحهم وأتراحهم، فهو صوتهم الناطق المعبر عنهم.وهكذا يبدو بأن ” مهمة الشعر الاجتماعية والسياسية ليست وليدة العصر، لكنها ” قديمة قدم الشعر نفسه، ومنها استمد الشاعر قيمته بين معاصريه- كما ذكرنا سابقا – ، والقبائل العربية في الجاهلية كانت تحتفل بظهور شاعر فيها كما يحتفلون اليوم بتنصيب البابا أو إطلاق رائد فضائي إلى القمر. “[21]

ومن المعلوم ” أن جزءا كبيرا جدا من الشعر العربي القديم – مثلا –كان ذا صلة وثيقة بالانتماء القبلي للشاعر، كما كان ذا صلة قوية بصلاته الاجتماعية، ومعنى ذلك أن شعر الشاعر صادر عن موقعه الذاتي بالنسبة إلى وجوده الشخصي ووجود القبيلة التي ينتسب إليها، أي أن الشعر في هذه الحالة نوع من الدفاع عن النفس، وبالمعنى الوجداني وبالمعنى الثقافي وبكل معنى يرتبط بحياة الشاعر ووجهة نظره.”[22]

فالشعر إذن هو موقف  يعبر به الشاعر عن نظرته للحياة وللكون من خلال محيطه متأثرا ومؤثرا في نفس الآن بالوسط الذي ينشأ فيه، ولذلك فهو لا يصدر إلا عن نفس صادقة، كما يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه ” لب المرء” ، ولا يجوز للب المرء الحكيم أن يعرض إلا حقا وصدقا، وذلك هو القول:

وإن أشعر بيت أنت قائله                  بيت يقال إذا أنشدته صدقا

وإنما الشعر لب المرء يعرضه            على الخلائق إن كيسا وإن حمقا.

وهذه المسألة ستحيلنا إلى أمر مهم وهو مسألة الالتزام عند الشاعر، وهو ما سنبسط الحديث عنه في هذه الورقة.

ز- التزام الشاعر نحو قضايا مجتمعه

كما أشرنا سابقا فإن الشاعر لسان قومه، يروي أخبارهم ويهجو أعداءهم ويعبر عنهم، فهو في كثير من الأحوال يحمل على عاتقه مسؤولية جسيمة وأمانة عظيمة، وإن مسألة التزام الشاعر بما سبق  هي التزام ” مبدئي أخلاقي ينتدب له الشاعر نفسه كأي مواطن سواء في الأحوال الطبيعية، أثناء مسيرة المجتمع التطورية أو في الأحوال الاستثنائية، في حال تعرض المجتمع أو الوطن لأي خطر طارئ،..فإنه كأي مواطن يؤدي دوره بالقدرة المتاحة به، ( وهو هنا باعتباره شاعرا ومثقفا، أي يحمل وعيا أو رؤية متطورة ) يحمل امتيازا مثل الجندي في ساحة المعركة، والطبيب في العيادة والفلاح في المزرعة، لكنه امتياز لا يؤهله لأن يعلو على الآخرين، بل يحمله مسؤولية أخلاقية، وجدارة وطنية تتوازى مع كبر الامتياز الذي يحمله وخطورته.”[23] فهو بهذا الامتياز يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة.

فالكتابة مثلا في زمن حرب الأمة وفي قضايا التحرر الاجتماعي والسياسي، مثلها مثل الكتابة في مجتمع أمي نسبة الأمية فيه 80 بالمئة مثلا، مسؤولية اجتماعية ووطنية وأخلاقية يمنحها الكاتب، امتياز لا يملكها الثمانون بالمئة، فهؤلاء الثمانون بالمئة الذين حرموا هذا الامتياز، ولحقتهم إهانة الأمية لظروف خارجة عن إرادتهم، يدعون الكاتب إلى الإنصات لهم لينقل ما حرموا من الكلام فيه. فالكتابة إذن ومن هذه الزاوية ضرورة لئلا تكرس الهزيمة إزاء التخلف والجهل، وفي الوقت نفسه مراهنة على الحرية والمستقبل، فالمجتمع الأمي لن يظل أميا إلى الأبد..ويومها يأتي الذين يطالبون بالكتاب.. ويومها إما أن نقدم الكتاب أو نلزم الصمت المخزي. “[24]

 ونخص بالذكر هنا الكتابة في المجتمعات التي تعاني الفقر والتهميش والظلم، إن ” الكتابة في أقطار العالم الثالث النامية، وكما يراها الكاتب البيروي ” ماريو فارغاس آلازا ” تعني تحمل مسؤولية اجتماعية أكثر منها فردية كما هي في أقطار أخرى، وتجد جدواها ومغزاها في فعاليتها وفي تعدد وظائفها، التي تؤديها فهي العلم والتكنولوجيا والممارسة النضالية والحقيقة والتاريخ، وتواصل هذا التاريخ والثقافة.”[25]

 فلا يجد الشاعر بدا من أن يكون إبداعه محاكيا لآمال وآلام مجتمعه،  و”هل يقدر الشاعر إلا أن يكون له موقف من قضاياه؟ وإذا سأل الشاعر نفسه: ماهي قضيتي؟ هل يكون  الجواب إلا أن تكون قضية أمته؟ ألا تبدو بأنها الحتمية التي لا مفر للشاعر منها.. فحتمية الانتماء إلى هذه القضايا مثل حتمية الانتماء إلى هذه الأمة، فبدون الحتمية الجدلية التاريخية هذه يضيع، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. “[26]

إن إبداع الشاعر الملتزم ” يحيا مع الأمة، يعبر عن واقعها، مستجيبا لمتطلبات الواقع، واقفا أمام الأحداث، معبرا في صدق بالغ عن مشاعره وأحاسيسه إزاء قضايا الإنسانية من سياسية وأخلاقية واجتماعية . “[27]

لكن الأهم من هذا كله، هو أن تحيا فكرته، ويحيا مبدؤه الذي ضمَّنه في شعره، “إن ثمة باصرة أو رؤيا مستقبلية تحذر الشاعر من الوقوع في ما هو فان، فمقتل الشاعر والفن عموما هو الثرثرة أو السقوط في ما هو ظرفي أو طارئ، أي أن يكتفي الفن بأن يؤدي دورا مرحليا مرتبطا بالحدث وحسب، ثم يصير بعده عبئا على الأدب وتاريخه الذي هو تاريخ الأمة، لا أن يوجد أو يرسخ قيما  ومواقف وجدانية وفكرية و جمالية لا تزول بزوال الحدث، بل تستمر بعده، فارضة نفسها بقوتها الدينامية ، وباصرتها الطليعية، كمنطلقات إنسانية وخصوصيات ثقافية، أي أن تكون جزءا مهما من موروثها الإبداعي الذي تعتز به، يحيا بها، وتحيا فيه.”[28]

 و هذا بدوره يحيلنا على مسألة مهمة في الشعر، إذ نجد هناك تداخلا  للفني – الأدبي ( شعرا ونثرا) بالإيديولوجي، والسؤال هو ما مدى التلازم بين الرؤية الأدبية والموقف الإيديولوجي؟ وهل يمكن أن تغيب الإديولوجيا عن الإبداع الفني؟ فإذا أخذنا الإديولوجيا بالمعنى الذي يجعلها ” وجهة نظر ” يتبناها الشاعر، مستخلصا إياها من تجاربه الخاصة، غير مرغم عليها من سلطة خارج نفسه، كان التلازم قويا بين الإديولوجيا والرؤية الأدبية..”[29]

 ح- هل يؤدي الشعر دوره عندما يصبح غامضا

لكن أحيانا يصبح هذا التداخل معبرا عن حالة من الفوضى وضبابية في الرؤية يعيشها الشاعر، تنعكس في شعره غموضا و إبهاما، وقد عبر عن ذلك نجيب الكيلاني بقوله ” إن الغموض والإبهام الذي ساد الآداب المعاصرة أمر مخيف بالنسبة للحاضر والمستقبل، إنه ضرب من الشذوذ وقد أصبح قاعدة، بل فلسفة يروج لها النقاد في مختلف الأنحاء، ويعتبرونها معيار الحداثة والإبداع، فإذا الحياة المعقدة في الغرب، والخواء الروحي، والتخمة المادية، والنمط الميكانيكي للحركة اليومية، والتفكك الأسري وطغيان الفردية، والفوضى الفكرية و السلوكية تحت شعر الحرية، و الأمراض النفسية الفتاكة، إذا كان هذا قد أفرز في الغرب آدابا وفنونا معتلة، فما معنى أن نختط لحياتنا في الشرق تصورا شبيها لما يجري في هذا الغرب؟؟ أيمكن القول: إن السلطة القاهرة الجائرة قد خلقت جوا مناسبا شبيها لما يجري في الغرب. ” [30]

إلا أن طبيعة تكوين المجتمع الإسلامي مختلفة تمام الاختلاف عن المجتمع الغربي المادي الذي لا يؤمن إلا بما هو ملموس، ولا يمكن أن ينقاد إلى الكتابة بهذه الطريقة، يضيف الكيلاني قائلا: ” لقد أشرنا فيما سبق إلى فئة من الأدباء نحت ذلك المنحى، وتوفرت لديها مبررات كافية للإغراق في الغموض، لكن البناء النفسي للشعوب الإسلامية، وطبيعة تكوينها ومُثُُلها العقائدية والاجتماعية يمكن أن تقيها شر هذا الفساد، ولا بد أن نجهز على الفكرة القائلة بأن الإبداع هو الغموض، فمسؤولية الكلمة إن كنا نؤمن بها، تقتضي الوضوح دون إهدار للقيم الفنية الجمالية. “[31]

ط- خصوصية الشاعر المسلم

إن الدين الإسلامي عقيدة راسخة في نفوس المسلمين ” هدفها سعادة الناس في الدارين، وحل مشاكلهم، وتوجيههم لكل خير.وإذا كان شأن الأديب الملتزم أن يكشف كل هذه الخيرات وينقلها إلى الآخرين، فإنه ينطلق من عقيدة الأديب الإسلامية، فإن الإسلام سوف يدفعه من الصميم نحو محاربة الواقع الفاسد، ويحمله التبعات إذا قصر عن ذلك.”[32]

فالإسلام إذن لا يتناقض مع مبدأ الالتزام، بل إنه يلتقي به في خدمة المجتمع، ولكن بأسس سليمة، حيث ” يحتوي الأدب الإسلامي( طريقة التصوير والتغيير تلذ له الغريزة الجمالية في الإنسان، إذا كانت مقيدة في الحدود العامة لتعاليم الإسلام، بمعنى كونه متماشيا لما نهى الإسلام عن نشره في المجتمع من أفكار فاسدة منحرفة، وعقائد إلحادية، ومثيرات للفتنة بين المسلمين أو للشهوات المحرمة في النفس. “[33]

والواجب على  كل مسلم سواء كان أديبا أم لم يكن، أن يجعل الدين منهج حياة ، لأن الله خلقنا للعبادة لا للهو، يقول عز وجل: ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” الذاريات56.  ” فغاية الوجود هي عبادة الله، والعبادة غير مقتصرة بالشعائر والطقوس المتعارف عليها في الفروض، بل مقرونة بالأفعال والأقوال من سعي و دعوة للخير، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. ونجد في القرآن الكريم محددات للالتزام الإسلامي في الشعر، كما جاء في الآية الكريمة:وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227).”الشعراء.

فالآيات تنص على أن الشعراء غالبا ما يكونون عرضة للغواية والإغواء،  والغواية مما تختص به صناعة الشعر المبنية على التخيل الزائف، وتصوير الباطل بصورة الحق، لذا لا يهتم بالغواية إلا المشغوف بتزيين الباطل، لكن الآيات الكريمة أخرجت الشعراء الملتزمين بالصفات الآتية:

  • أن يكونوا مؤمنين( إلا الذين آمنوا ).
  • أن يكون إيمانهم مقرونا بالعمل الصالح (وعملوا الصالحات).
  • أن يكونوا ذاكرين لله كثيرا ( والذاكرين الله كثيرا). “[34]

ي- شعراء الإحياء

لقد ظهرت في العالم العربي الإسلامي نماذج مشرفة لشعراء مسلمين حملوا مشعل الكلمة  الصادقة البديعة ، إبان الغزو الاستعماري، وكان دافعا كبيرا لبروز نهضة فكرية وأدبية عمت أرجاء العالم الإسلامي، بعد الركود الذي أصابه، ” لقد أيقن رواد النهضة الحديثة أنه إذا أريد للأمة الإسلامية أن تنهض من كبوتها، وتتجاوز ظروف تخلفها، فلا بد لها أن تعود إلى أصالتها، وعهود نقائها وفطرتها، وتبحث عن العوامل الدافعة في حضارتها الأولى، وكان أن انطلق هؤلاء الرواد منطلقا قرآنيا فحواه، ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. “الرعد 11[35]، هذه الآية التي أصبحت شعارا لهؤلاء وموجها لهم، وفكرة بنوا عليها إبداعهم، وقد كان جمال الدين الأفغاني أول من دعا إلى إحياء هذا التراث الديني والفكري للأمة، بحيث ” لم يكن فكره ذا بعد روحي واجتماعي فحسب، بل كان الجانب السياسي يشكل عنصرا بارزا فيه، فهو الذي تحسس بعمق خطر السيطرة الغربية، وتمثل عواقبها، بينما كان تلميذه محمد عبده يركز جهوده في ميدان آخر من ميادين الاتجاه الإصلاحي، وهو إصلاح الفرد  وإعداده سويا بعيدا عن آثار الجمود والتحجر والخرافات التي لحقت بالإنسان المسلم إبان عصر الركود.”[36]

فبرزت نماذج مشرفة في هذا المجال أمثال: الرصافي و الرافعي و الجواهري وحافظ إبراهيم، و أحمد سحنون و المختار السوسي ( الذي تتلمذ الإمام على يديه في بداية حياته) وغيرهم كثير، فقد كانوا من بيئات عربية مختلفة لكن جمعتهم رسالة و غاية واحدة.

2-الإمام المجدد، المفكر الشاعر

ولد الإمام عبد السلام ياسين يوم الإثنين 4 ربيع الآخر من عام 1347، الموافق ل 17 شتنبر 1928.

وقد جاء ميلاده في زمان ظللته الحروب والكوارث والأزمات، بعد عشر سنين على نهاية حرب عالمية أولى، وقبل عشر أخرى من حرب عالمية ثانية، والعالم يومئذ يقف على حافة أزمة اقتصادية كبرى (1929)، ولد لعائلة من قبيلة أمازيغية الأصل، شريفة النسب، يمتد نسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حفظ القرآن الكريم وسنه لم يتجاوز العشر سنوات، وقد كان في هذه الفترة المبكرة من حياته يحضر مجالس ” الرميليات” يقول : ” وأذكر أنني عندما حضرت لبعض تلك ” الرميليات “، اصطحبني الذين كانوا يعلمونني القرآن إلى حفلة كانت تعقد في بعض منتزهات المدينة قرب ” الكتبية “، وكان يجتمع هو( المختار السوسي ) والحاذقون من تلامذته، فيتناشدون الأشعار، وهي التي نشرها في ديوان ” الرميليات ” نسبة إلى الحي الذي كنا نسكن فيه ” الرميلة “. وقد حضرت وأنا طفل صغير- ست أو سبع سنوات أقل أو أكثر لا أدري – لبعض تلك الرميليات “[37]

يتحدث الإمام عن تأثره بهذه الشخصية الفذة وشرف الانتساب إليه بالتلمذة قائلا: ” كان الفضل علي في تعلمي لرجل يسمى محمد المختار السوسي، وهو واحد من رجالات الإسلام، وكان علامة ومؤرخا وفقيها وأديبا وشاعرا، وهيهات لأمثالنا أن يلحقوا بشعره .”[38] وحديث الإمام هنا عن الشعر وإثارته لهذه المسألة إنما ينم عن حبه له وإعجابه به وبأهله من الشعراء المجيدين، وأيضا يظهر اهتمامه به كَفنٍّ حاز أهمية كبيرة عند النخبة العالمة من المجتمع، فجعلوه جزءا لا يتجزأ من عطائهم الفكري والأدبي.

وقد ظل الإمام محافظا على هذا النهج، فسار على درب من سبقوه، فأبدع الشعر وكتب الدواوين، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل لاحقا بإذن الله.

بعد مدرسة المختار السوسي، انتقل الإمام إلى مدينة مراكش حيث درس بمعهد ابن يوسف، وكان معهدا قديما يضاهي بإشعاعه ” جامع القرويين ” وبعدها التحق بمدرسة المعلمين بالرباط، حتى تخرج منها معلما والتحق بوظيفته في مدن مختلفة من المغرب، تدرج بعدها في أسلاك الوظيفة العمومية إلى أن أصبح مفتشا تربويا، فمؤلفا تربويا، والذي أبان عن قدرة هائلة في التأليف، وموهبة فذة في الكتابة، و قد كانت كتاباته في مجال التربية والتعليم إضافة نوعية إلى المكتبة التربوية. وموازاة مع كل هذا ظل الإمام محتفظا بشغفه للشعر، فقد كان له صديق مقرب إسمه ” الشرقاوي ” وهو واحد من كبار الشخصيات الأدبية المغربية، ” كان مطلعا على كتب الأدب والنقد، كان يحفظ ديوان المتنبي عن ظهر قلب، وديوان أبي تمام، وديوان البحتري كذلك، وديوان أبي فراس..كان ياسين ذواقة للشعر وكان يستأنس للشرقاوي في مناقشاته التي كان يستشهد فيها ببعض الأبيات الشعرية، فيطلب منه ياسين أن يقرأ له القطعة كلها .”[39]

و جاءت بعد كل هذه التدرجات في السلم الوظيفي والتربوي، مرحلة مفصلية ستغير حياته كلها، ليبدأ مرحلة جديدة في رحلة البحث عن الذات وسؤال المعنى من غايته ووجوده ومصيره الأخروي، بعد معاناة وآلام نفسية شديدة يقول في وصفها:

عليك جفوني قطرت من دموعها          فلا صبر لي مولاي لا صبر لي عنكا

إلهي يضيق الصدر من خلطة الورى       إذا لم تلح في أفقنا نظرة منكا

أنخنا على الأبواب والصبر نافذ                نعد من البأساء في جملة الهلكى[40]

وعكف على قراءة كتب الصوفية عله يجد بها ما يشفي غليله، ويبلغه مبتغاه، فوجد أنهم مجمعون على أنه من لا شيخ له فلا مدخل له في أمرهم.[41]

فبدأ يسأل الله على من يدله عليه، ترجم هذه الحيرة في هذه الأبيات قائلا:

يارب قيض لي قبل حين منيتي      عبدا منيبا أتخذه خليلا

أنف الفؤاد من الحياة بدونكم         فمتى أصيب إلى الوصول سبيلا

متى تداركني عناية فضلكم          ومتى ألاقي في الطريق دليلا؟[42]

فجاءت الاستجابة الإلهية بعد هذا المخاض، وتعرف الإمام على شيخ الطريقة البوتشيشية ” الحاج العباس ” ليبدأ تجربة روحية جديدة في كنف الزاوية الصوفية، ظل فيها زمنا، ثم حدث أن بدأت تخرج الزاوية عن مسارها بعد وفاة الحاج  العباس، فقرر الإمام مغادرتها، مُقِرا بفضلها وفضل صاحبها عليه، واتخذ نهجا وطريقا مختلفا وسم بصعوبته وكثرة عقباته وابتلاءاته، لقد ندب الإمام نفسه وحياته لخدمة قضية الإنسان في شموليتها، في علاقته بربه وعلاقته بأمته، وكان التأليف والكتابة نثرا وشعرا من أهم الوسائل التي اتخذها لتحقيق هذه الغاية، بما يفوق الأربعين مؤلفا كان أهمها ” المنهاج النبوي “، و دواوين شعرية  بلغت ثلاثة دواوين هي:

  • ديوان ” شذرات “
  • ديوان “قطوف” في سبعة أجزاء.
  • ” المنظومة الوعظية ” وهي السلسلة الثالثة من رسائل الإحسان.

أ. الشاعر صاحب رسالة

يقول الإمام ” إن كان من المعقول أن يتدرج الأدب الإسلامي والفن والمسرح والشعر في جهاد تميزه عن الأدب الكاسح المادي، فاكتماله يرجى يوم يعبئ الطاقات الأدبية بشجاعة وصدق ليقف صفا متراصا خلف الكلمة القرآنية والبلاغ النبوي. وليستعمل الجمالية الأدبية ليبلغ كلمة القرآن وحديث الوحي، لا يلوي على بنيات الطرائق الفنية فيتسرب منه المضمون القرآني النبوي.”[43] هكذا يرى الإمام دور الشعر، وبهذا الشكل يمكنه أن يُبَلغ الرسالة المرجوة منه، إذ ” لا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال.”[44]

ولطالما أعجب الإمام بأصحاب الفن الرسالي الهادف أمثال الرافعي و الشهيد سيد قطب و محمد قطب، ونجيب الكيلاني وغيرهم من الذين حملوا هم وقضية الإنسان المسلم وكتبوا له ومن أجله، عل إبداعتهم تجد صداها في نفوسهم، فتحرك وجدانهم وتحثهم على السير قدما في طريق الحق والهدى.فكانوا جميعا يلتقون في غاية واحدة وهدف واحد، يقول نجيب الكيلاني: ” إن ارتباط الأدب الإسلامي بالمسؤولية النابعة من صميم الإسلام، يقي أجيالنا المحاصرة، من السقوط في براثن تيه الفلسفات التي تعد بالمئات، إن الفلسفة الوجودية مثلا لم تعد فلسفة واحدة بل عشرات، وحتى مدرسة التحليل النفسى انقسمت إلى مدارس عدة، والمادية الجدلية تفرعت وتنوعت، وخاصة في مجال التطبيق والممارسة، وما كان بالأمس يعد فتحا جديدا، بل دينا حديثا، أصبح الاستمساك به كفرا بواحا، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم: (إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ). النجم 28. وشتان بين الظن والحق.”[45]

لذلك فمهمة الأدب الإسلامي عموما والشعر خصوصا، عدم الخوض في الباطل والبهتان، وإن كان مدرسة فنية أو أدبية يتواضع الجميع عليها، وهذا ما يميز الأدب الإسلامي والأديب المسلم، إنه صاحب رسالة حق – يصوغها في قالب جمالي مبدع – ، لا يميل حيث مالت الريح، وهذا ما يحقق له التميز، كما يعبر عن ذلك محمد قطب بقوله: ” إن الأمر الواقع، لا يفرض نفسه على الإسلام أبدا. فالأمر الواقع قد يكون خطأ من أوله إلى آخره، فلا يعطيه وقوعه ” حجية ” ولا أحقية في أن يوجد، ويظل مخطئا ولو بقي ألف عام، إن مجرد ” الوجود ” ليس مزية في ذاته بالنسبة للإنسان، وإلا فالذباب موجود، والعناكب السامة موجودة، وإنما هذه المزية هي الوجود على صواب، الوجود على مستوى الإنسان، وكل واقع ينحرف عن مستوى الإنسان فهو خاطئ، ولا يمكن أن يكون صوابا لمجرد أنه موجود. “[46]

وهذا لا يتأتى للأديب إلا بالاستمساك بنهجه القرآني في مواجهة كل هذه الاختلالات إذ ” لا طاقة للأديب الإسلامي على منازلة الدوابية وفنونها ولها وسائل عملاقة، وقانون التجارة العالمية المستبيح حرم الأمم، الفاتك بقيمها، إن لم يصمد الأدب الإسلامي إلى المعنى وخبر الموت ونبإ الآخرة يبلغ الإنسان ببلاغ القرآن ولغة القرآن وبيان النبوة بشارة أن الإنسان مخلوق لغاية، ميت غدا مبعوث محاسب مجازى في يوم لا ريب فيه.”[47]

ب.الشعر رسالة تربوية أولا

إن الشعر أولا هو تعبير عن حالة وجدانية داخلية تنبثق من معاناة نفسية كما ذكرنا سابقا، وتختلف هذه المعاناة حسب وضع الشاعر ورغباته، فمنها المرتبطة بميولات الإنسان وشهواته الدنيوية، وهي تزول بزوالها، ومنها المرتبطة بأمر القلب في بحثه عن الطمأنينة الروحية و التطلع إلى السمو بالنفس من براثن المعاصي والآثام إلى معرفة الحق تبارك وتعالى. إذن فهو رسالة تربوية لكل باحث عن طريق الهدى والرشاد.

 ” فكيف يلتمس الأدب الإسلامي طريقا ليعانق الفطرة بعد طرق الأبواب والنفاذ إلى اللباب؟ ثم ليغذي طفولة النفس حتى تكتمل رجولة ورشدا؟ وكيف ينتهد طفل النفس الملتهي بزخارف اللعب وزينة الحياة الدنيا إلى رجولة لها قضية؟ إلى رجولة طلب ما عند الله في الدار الآخرة، ثم إلى رجولة الاستقامة في الطلب، ثم إلى رجولة الصبر على الطلب، ثم إلى رجولة الجهاد في الطلب، ثم إلى سمو الطلب من المخلوق إلى الخالق، من حب الدنيا الفانية العاجلة إلى حب الله وما عند الله.”[48]

لقد تناول الإمام في باب الشعر موضوعات عديدة لامست تساؤلاته هذه، وترجمتها قصائد وأبياتا بديعة ترحل بالمتلقي إلى عالم من النور وتحرك لواعج نفسه طلبا لما عند الله تعالى، سنقتصر على بعضها بإذن الله، لأن المجال لا يتسع لطرحها جميعا نظرا لغزارتها وتنوعها.

ج- موضوعات الشعر التربوي عند الإمام

  • صحبة الولي في جماعة المؤمنين

يقول الإمام:

تُرِيدُ لَحاقَ قَوْمٍ قَدْ أَجَازُوا           إِلَى القُرْبَي وَبِالرَّحَمنِ فَازُوا

فهَل مَسَكَتْ يَدَاكَ بِكَفِّ خِلٍّ         وَهُيِّءَ لِلمُصَاحَبَةِ الجِهَازُ؟

وَهَل بِالسُّنَّةِ الغَرَّاءِ أَضْحى        عَنِ البدعِ اعْتِصَامٌ وَانْحيَازُ.”[49]

فكما أشرنا سابقا بأن الإمام كان حريصا منذ بداية تجربته الروحية على البحث عن من يدله على الله ويأخذ بيده في رحلته لطلب الكمال، وقد انعكست هذه التجربة في نثره و شعره، وأصبحت أساس دعوته بعد ذلك لأهميتها الكبرى في تزكية النفوس وتربيتها. يقول الإمام:

يَا قَاعِداً عَنَّا بِلينِ مَعِيشَةٍ         كَمْ ذَا تُسَوِّفُ لِلنُّهُوضِ وَتَلعَبُ

كَبَدٌ حَيَاتُكَ ! لَوْ أَتيتَ رِكَابَنا       لَوَجَدْتَ أَشْبَالَ العَرِين تَأَهَّبُ

وَوَجَدْتَ عَزْمًا مَاضِيًا وَمُرُوءَةً   وَوَجَدْتَ إِيمَانًا يَجدُّ وَيَكْسِبُ.”[50]

وإنه لا بد مع وجود الدليل على الله من إخوة مؤمنين .يتعاونون ويتنافسون في الخير ويتسابقون إلى الطاعات.

  • الحث على الذكر

إن الذكر من أعظم العبادات وأشرفها، ولها تأثير لا يوصف على نفس الإنسان وتزكيتها ، وقد أدرك الإمام هذه الأهمية العظيمة، فأولاه حيزا كبيرا في شعره، وفصل في أشكاله ومعانيه، يقول الإمام:

جاءك الذكرُ في كتاب كريمٍ         جاءك الذكرُ، خُنتَهُ ونسيته

جاءك الهَدْي في كتاب حكيم        للصراط القويم، هَلاَّ سَلكتَه ؟

طائر أنت، يا فلان، غريب        أكمه في فَضا الضّلالات تِهْتَه[51]

والذكر ذكر القلب والجوارح، وما يزال المسلم ذاكرا لله مستحضرا عظمته لائذا بجنابه حتى تناله الأفضال، وتحمله يد العناية الربانية.

ذكر اللسان  اللهُ شرفه             فأثابه الحسنات من ذكراه

والقلب إن كانت لديه لُبانة       غير الإله فحظه يؤتاه

حرم الوصول جليس حظ بائس   سكن الشغاف فسار لا ينساه

يجري اللسان بذكره والقلب في    إعراضه الممقوت عن مولاه

خذ يا لسان، أجرت فامض محملا   والقلب يحرم، ويله ويلاه.”[52]

وإن أعظم الذكر كتاب الله تعالى فهو شفاء القلب ودستور الحياة.

أَنْصِتْ إِلَى الرَّحمةِ يَا عَانِي       هَاكَ الشِّفَا مِنْ آيِ قُرْآنِ.

كُلُّ سَمَاعٍ دُونَهُ رَغْبَةٌ            لِلنَّفْسِ فِيهَا وِزْرُ بهتَانِ.” [53]

فإذا بهذا الذكر الجليل، يوقظ النفوس التائهة ويستنقذها من ظلمات الجهل وبراثن المعاصي، يقول الإمام:

أيقَظَتْ صَحَوتُنَا أمماً        مِنْ عَميقِ الجَهْلِ والغَلَطِ

وَلِذِكْرِ اللهِ ألْهَمَنَا         جَلَساتِ العِلْمِ والرُّبُطِ

فاسْتَوَتْ هَيْئتُنَا مَثَلاً      لِحَكِيمِ الطَّرْزِ والنَّمَطِ. “[54]

إن الإمام يحرص على الذكر فردا ومع الجماعة لما في ذلك من تآلف للنفوس وتراحمها وتنافسها على الطاعة، بأشكال مختلفة كمجالس الذكر و العلم والرباطات التربوية، فتستطيبه النفس وتعتاد عليه ، ويصبح لديها زاد لمواجهة واقعها المفتون وعزيمة وإرادة على الجهاد، يقول رحمه الله:

صُنْتُ نفسي عما يُدنِّسُ نَفْسي      لَمْ أَبِعْهَا مِنَ الحُطامِ بِبَخْسِ

وَتَألَّفْتُها رُوَيْداً رُوَيْداً               في ظَلاَمِ الدُّلُوجِ أوْ حينَ تُمسِي

 فَتَأَبَّتْ عَلَيَّ ثُمَّ استقامَتْ            أُسْوَةً بالرشيدِ مِنْ بَيْنِ جِنْسِي

فَتَعَهَّدْتُهَا بِذِكْرٍ كَثيرٍ                مِثْلَ سَكْبِ الغَمامِ فيهِ تَأَسِّ

فَاسْتطابَتْ ذِكَرَ الإلَهِ وَأضْحَى    طُهْرُهَا في بيَاضِ ثَلْجٍ وبُرْسِ

فَتفرَّغْتُ لِلْجهادِ إلَى أَنْ          حانَ وَقْتَ الفُتُوحِ إشْراقُ شَمْسِي.”[55]

  • الصدق سبيل النجاة

يؤكد الإمام في قصائده أن لا فائدة ترجى ممن لزم الجماعة وذكر الله و في قلبه نفاق أو رياء، فلا أمل في صلاحه حتى يصدق حاله مع الله ومع إخوانه، وإلا كان حجر عثرة وعقبة في طريقهم.

لاَ يَسْتَوِي مَنْ بِعَهْدِ اللَّهِ قَدْ صَدَقُوا        وَمَنْ جَوَانِحهُم بِالغَدْرِ تَصْطَفِقُ

لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ النَّاعِمُونَ وَمَنْ       بِهمِّ أُمَّتِهِمُ يُذْكِيهُمُ الأَرَقُ

لاَ يَسْتَوِي الصِّدْقُ وَالبرُهاَنُ يثبِتُهُ        مَع  النِّفَاقِ عَلَى حَافَاتِهِ المَلَقُ.”[56]

فأهل الصدق من عاهدوا الله، وساروا على درب الهدى والحق مهما كثرت العقبات و توالت الابتلاءات، فالثبات على الطريق هو برهان صدقهم وحجتهم عند ربهم.

” لِلَّهِ بِاللَّهِ سَارَ الصَّادِقُونَ إِلَى             وَعْدٍ وَثِيقٍ لِمَنْ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ

لاَ رَيْبَ عِنَدَهُمُ في عِزِّ مَطْلَبِهِمْ           سَارُوا عَلَى دَرْبِهمْ وَالمَوْعِدُ اللَّهُ

تَحدُوهُمُ لِلمَعَالِ همةٌ سمقَتْ.              وَمَا يَشَاءُونَ إِلاَّ مَا شَاءَهُ اللَّهُ.”[57]

والصدق أيضا لا يتأتى إلا بصحبة الصادقين وملازمتهم، فالأخ مرآة أخيه وانعكاس نفسه، يقول الإمام:


“نَسَقَ الصدقِ والتُّقَى فالتزمه            واغتنم ذمة التقي ونعته

نعتُه الجَزْمُ واليقينُ بِرَبّ                صادق الوعد، هل تُراكَ صَدَقتَه ؟

واغتنمْ نعتَ مؤمن صادق الأق        وال ذي ذِمّةٍ إذا ما ائْتَمَنْتَه

حِلْيَةُ الصِّدقِ زيَّنَتْ منه قولا           وبأَرادنه شذاهُ شَمِمْتَه

ثِقةٌ، مِثْلَه اتخذت صديقاً             لا تراه يُذيع سرا كَتَمْتَه.”[58]

  • المنهاج النبوي أسلوب حياة

وإن للمسلم طريقا يسلكها  أثناء رحلته، يلزمه لها زاد ، كما يلزمه لذلك منهج يعينه على الوصول لغايته، ويرشده طريق الحق، وقد سماه الإمام ب ” المنهاج النبوي “، ينظم سلوكه ويسهل عليه طريق معرفة الحق تبارك وتعالى، وطريق العمل داخل صفوف المؤمنين، من خلال ما جاء في كتاب الله وسنه نبيه الكريم. وقد نظم الإمام في ذلك قولا بليغا يستنهض الهمة ويقوي العزيمة.

” حبيبُ الله أحمدُنا       مناهجُه هي الأصوَبْ

بِحُبِّ الله أوصانا        وحبِّ نبيِّه الأقربْ

وصُحبةِ عارفٍ خلٍّ     وعن مولاه لا يُحْجَبْ. “[59]

فالمنهاج منهاج نبوي ليس عليه غبار، ولا ابتداع ولا غلو، إنه طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يقول الإمام:

قُمْ إلينا خُذْ يَديْنا واعْتَمِدْ      حَبَّذَا مذهبُنَا من مذهَبِ

فإذا جئت إلينا صادقا         انجلى عنك قتَام الكُربَ

نهجُنَا نهْجُ الحبيب المصطفى    نقْتَفِي بالصدق آثار النبي

واضحٌ مِنْهاجُنا، دوحته        قد عَلَتْ فيا لفضل فوقَ الشُّهُبِ.”[60]

لقد أدرك الإمام فضل الشعر وتأثيره في نفوس متلقيه، فحرص على إيصال الرسالة النبوية في قالب منظوم مقفى، تطمئن إليه النفس وتتعظ، ” نظم هدفه تنبيه نفس راقدة على وسادة الغفلة إلى لحظة موت تنتظره لا يشك فيها. يموت قريب أو عزيز فتنزعج النفس وتتأسف وتحزن وتفقد الحياة المادية ومباهجها ومشاكلها ومشتهياتها كل معنى. ثم ينسى المرء ويتناسى ويعود إلى مدرجته في الحياة، لعل هذا النوع من الخطاب المنظوم يزعجه عن مرقده.

لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان.[61]

د- الشعر دعوة لبناء وتعبئة الأمة

وكما أن المنهاج النبوي هو أسلوب حياة متكامل، يرتبط فيه الفرد بأمته في نسق متوازن دون إفراط أو تفريط، فقد حرص الإمام في شعره دائما أن يجعلهما متداخلين في الوجود والمصير، فلا مكان للأنانية وحب الذات والبعد عن قضايا الأمة في هذا المشروع التربوي.

” يا حبيبَ الإلاه يا خيَر هادٍ        أنتَ إن عمَّتِ الخُطُوبُ الرجاءُ

ظُلمةُ القَلْبِ أنْتَ طَبُّ عَمَاها       نُورُكَ المُسْتَضِى لها كيمياءُ

وعقولٌ إِنْ غُمَّ عنها طريق        فبِمِنْهاجِكَ القويمِ اهتداءُ

وحريقُ الظلم الشنيعِ وَبَالٌ       نحنُ من بأسِه المُقيمِ غُثاءُ

نَتَوَقَّى التهابَه بقِيامٍ،              وبعدلٍ عَلَّمْتَه الإطفاءُ.”[62]

  • خير النساء

يعتبر الإمام المرأة عنصرا مهما وركيزة أساسية في بناء الأسرة والمجتمع، فلا شيء يرجى من أمة ضائعة نساؤها، تلد ولا تربي، وكيف تربي وهي لم تعرف إلى ذلك سبيلا، لقد استفاض الإمام في شعره في مخاطبة المرأة المسلمة، وحثها على وجوب تأسيها بجيل الصالحات والصحابيات من قبلها، يقول الإمام:

“خير النساء كمريم         في الفضل تحسب آسية

ضرب الإلاه لنا مثا         لا نستفيض معانيه

إذ قالت امرأة  لفر          عون الظلوم الطاغية

رب ابن لي بيتا رفي       عا في الجنان العالية

وتقربت من ربها           وتوسلت متباكية

أن ينجي الأطهار من          أيدي الطغاة الباغية”[63]

إن الإمام يضرب المثل بنساء كملن في بشريتهن، مريم ابنة عمران عليها السلام، وآسية امرأة فرعون المؤمنة الصابرة المحتسبة.وليكن ديدن المرأة وهمها بعد تربية الأولاد وحق الزوج والبيت، أن تحمل مع الرجل هم الدعوة إلى الله جنبا إلى جنب. يقول الإمام:

تبكي الفضيلة في ديارك فانهضي       يا أخت كوني للفضيلة عسكرا

في التيه أختك، في التبرج، في البلا     في البؤس، في الظلم الشنيع وفي العرا

من ذا يكفكف دمع بائسة بدت           في بؤسها مثل الحطام مكسرا؟

من ذا يبصر في الديانة والتقى         تلك اللعوب لعلها أن تبصرا؟

كوني لدين الله يا أختي يدا             تأسوا الجروح إذا الدواء تعذرا.”[64]

فليس أدرى بالمرأة غير المرأة مثلها، تعرف مكامن ضعفها وقوتها وأسباب توبتها وإنابتها.

  • الجهاد ذروة سنام الدين:

“الجهاد فريضة كفلتها شرائع السماء ومواثيق الأرض، فهو يستنهض الأمة من سباتها ويعمل على إيقاد وجدانها، من هنا فالسيف لا يستغني عن الكلمة المقاتلة.”[65] ” فكيف يساهم الأدب الإسلامي والشعر والمسرح والسينما وما ثَ في تربية أجيال المسلمين على يقين الرجعة إلى الله، وعلى إسلام لا إله إلا الله، وعلى إيمان المعتدين بأن الله أكبر، وأن جهاد الكلمة من فرائض الدين؟” [66]

و” كيف نفيض من تربيتنا على الناس، وكيف نجاهد بأدبنا وشعرنا ومسرحنا وروايتنا كتائب الكفر، وحشود الدوابية، وجند الفجور؟ “[67] إن التساؤلات التي يطرحها الإمام، نجد الإجابة عنها  في شعره، وهذه طريقة متعمدة للتأكيد على المسألة ولفت الانتباه إليها.

  يقول في منظومته:

اغْتَنِمْ في الحياة فضْلَ جِهادٍ     فعسى أن يكون مَوْتُك بَغْتَه

فَضَّلَ الله بالجهادِ رِجالاً          فاغْنَمْ الفضلَ بالجِهادِ اسْتفَدْته

درجاتٌ تَعْلُو بِهِمْ لِمَقام           يَغْبِطُ الناسُ فَضْلَهُ : لَيْتَ ! لَيْتَه !

لَيْتَنِي بِعْتُ مُهْجَةً يشتريها ال     رَّبُّ مني بما أرى، لَيْتَ ! لَيْتَه !

وَدَّ حِبُّ الإله مَوْتَ جهاد          مَوْتَة بعد مَوتَةٍ بعدَ مَوْتَه.”[68]

فإن تحديث النفس بالجهاد والجهاد في سبيل الله، لهي من أجل العبادات وأزكاها، وهاهو الإمام يتمنى الموت في سبيل مرات ومرات لو أمكن ذلك، وهي أسمى الأماني، لكن يجب الأخذ بالأسباب والتهيؤ لأمر عظيم كهذا، لخصها الإمام في هذه الأبيات:

تبصَّرْ خليلي قبل أن تدْعُوَ الوَرَى      فما باصرٌ مثلُ الفصيح المعَمَّمِ

سبيل الهدى تدعو إليه جماعة         وتدعو لتحفيظ الكتاب المعَظَّمِ

وتَنْدُبُ أُخرى للجهاد وسنَّةٍ           وتُنْذِرَ من نار الجحيم المضرَّمِ

فذاك، وَلكن زاعمٌ متربِّعٌ            على كرسيٍّ للوعظِ يُرْعِدُ بالفمِ

يقول:”أنا أدعو إلى الله جهرة     وفي القلب أحلام الهوى والتنَعُّمِ

فذاك دعيٌّ، كيفَ يدعو إلى الذي لمعرفتِه لم يقتحم، لم يعلَّمِ!

صلاتُك ربي والسلام على النبي     بغير سلوكٍ في خُطاه تندَّمِ![69]

فلا بد من مكابدة واقتحام للعقبات و مجاهدة قبل الجهاد وبعده، فلا نكتفي بالتمني والتنظير، بل نأخذ بأسباب النصر.

  • القيام في وجه الظلم والطغيان

لقد عاش الإمام تجربة مريرة مع الظلم، بدأت عندما قرر أن يبعث رسالة نصح إلى ملك المغرب “الحسن الثاني” أسماها ” الإسلام أو الطوفان ” يدعوه فيها إلى التوبة والإنابة إلى الله، والحكم بما أنزل الله‘ فذاق بسببها ألوان العذاب، و عاش بعدها حياة مليئة بالابتلاءات والشدائد، لكن ذلك لم يثنه عن سعيه، بل ظل صامدا على الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وإن كلفه ذلك حياته وأغلى ما لديه، محافظا رغم كل ذلك على تفاؤله ويقينه بقضيته السامية، بين ثنايا دواوينه كان دائما يحث شباب العدل والإحسان- وهي الجماعة التي أسسها بداية الثمانينات- على الوقوف في وجه الظلم و الاستبداد، يبشرهم بفجر الخلافة المنشود.

فَجْرُ الخلافة في أُفُقٍ لنا وضحا       وفَيْلَقُ الظُّلْمِ في الميدان قد فُضِحَا

كأنَّما المسلمون اليومَ في شُغُلٍ        بعد السُّبات غُلامٌ نام ثم صحَا

صحا معافىً من الوهْنِ القديم وقَدْ    غَدَا لأسبابِ ما يُرْدِيهِ مُطَّرِحَا

تقلَّدَ الصدقَ سيفاً لا يُضارعُهُ         طاغوتُهُمْ وببَذْلِ النفْسِ قد سمحَا

بالعلم يخْدُم إيمانه، اتَّضَحَتْ          له مناهِجُ مَنْ أغْوَى ومن نصحَا

إنيّ رأيتُ شبابَ العدلِ معْتَجِرا       تاج الجهاد وبالإحسان متَّشِحَا .”[70]

إن المسلم لا يقبل الضيم والظلم ولا يرضاهما، فذلك نقص في الرجولة وركون إلى الباطل لا ترتضيه نفس الإنسان الحرة الأبية. يقول الإمام:

“يَا إِخْوَتِي سِيرُوا عَلَى النَّهْجِ السَّعِيد       لاَ تَقْبَلُوا الذُّلَّ وَأَخْلاَقَ العَبِيدْ

كُونُوا حُمَاةً مِنْ ذَوِي البَأْسِ الشَّدِيد        وَالأَمْرُ شُورَى لِيُرَى الرَّأْيُ السَّدِيدْ

وَيَمِّمُوا قَصْدَكُمْ القَصْدَ الرَّشِيد             فَالنَّصْرُ مِنْ مَوْلاَكُمْ غَيْرُ بَعِيدْ “[71]

إن هذه الثلة تمشي على خطى النور القرآني والهدي النبوي، مقتدية بمن سبقها من الأنبياء و الصالحين.

كَسَرَ الدُّمَى ذاكَ الفَتَى الأوَّاهُ        فَكَسا الثَّرَى مِنْ جِسْمِهِنَّ جُذَاذ 

يُهْدِي إلَى فِتْيانِنا أمثُولَةً             يَحذُو عَلَى مِنْهَاجِها الأَفذاذُ

مَنْ لِلتَّلامِيذِ الكرامِ أحِبَّتِي          بالصِّدْقِ علَّمَ دَرْسَهُ الأُستاذُ

العزْمُ كالسَّهْمِ المرَيَّشِ لاَ يَنِي      أوْ ينْتَهِي لِحَشَا العِدَا إنفاذ

آذَى العُدَاةُ رِجالَنَا، قَتَلُوهُمُ        ولَهُمْ عَلَى أَنفَاسِنَا اسْتِحْوَاذُ

فانبِذْ خُمولَكَ واستَعِدَّ لِقَوْمَةٍ      يُرْجَى بِهَا لِكِيَانِنا اسْتِنْقاذُ.” [72]

فكما حطم إبراهيم الخليل أصنام الكافرين، فإن لهذا العصر أصنامه من الطواغيت والقيم الفاسدة التي يجب أن تتحطم على صخرة اليقين والشجاعة والإقدام، غير مبالية بمصيرها الدنيوي، لأن ما عند الله خير وأبقى.

  • فلسطين جرح الأمة

لقد أولى الإمام اهتماما وتهمما فائقين للقضية الفلسطينية، فهي وجه الأمة وصورتها،ومادامت سليبة، فالأمة ماتزال مستلبة مستضعفة، إلى أن تستفيق من سباتها وتتمسك بدينها فيتحقق وعد الله ويأتي النصر و التمكين. يقول الإمام متحسرا :

رمضانُ عاد وقدسنا في قبضة         عصرتْ بقسوتِها الأسِيراتِ الحرائرْ

رمضانُ بدْرٍ كان عزَّ صحابة           باعوا نفوساً للإله على المخاطِرْ

رمضانُنا وشهورُنا وزمانُنا             زمنُ المهانة والمذلَّة والخسائِرْ

ما ذاك إلا أنَّ أيمانا لنا                خلَقٌ، تُغَلِّفُ قلبَنا سُودُ الدَّياجِرْ.”[73]

إن هذا الجرح الغائر في صدر الأمة المسلمة لا يزال ينزف، ما دامت القدس أسيرة لدى الصهاينة والمستكبرين، إذ يستحضرها الإمام في هذه الأبيات وقد أهل على الأمة شهر رمضان، شهر النصر والتمكين لرسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في غزوة بدر، فتهفو نفسه إلى نصر كذاك النصر، لكنه سرعان ما يتذكر واقع الأمة وحال القلوب الرثة البالية، كيف ستحرره وهي لم تحرر نفسها.

“يا قدْسُ فَاوَضَ عنكِ أبطالُ الكلامِ       وتداعتِ الأعدا لعَقْدِ سلامِ

من بعد هَزَّاتٍ «وثورات» خلتْ        من بعد زعْقاتِ الزعيم ضِخَامِ

قام الصبي، بِكَفِّه مِلْءُ الحصا،           للنجدة الغَرَّا قيامَ هُمامِ

والمرأةُ العَزْلاءُ تَابىَ ذِلَّةً               رجمتْ لنا وَجْهَ العدو الرّامي

هذي المروءةُ شرَّفتْ جيلاً غدا        مُتَسمِّعا همساً عن الإسلامِ

هذه البشائر «بالصلاح» إذا انْتَمَتْ      لمحمد أجيالنا بتمام.”[74]

ففلسطين لن تحررها إلا السواعد القوية المتوضئة، والنساء الشريفات الصادقات، رجال يعرفون الله حق المعرفة ويبذلون لأجله الغالي والنفيس.

خاتمة

إن الأدب والفن عموما والشعر خصوصا ، ما لم يكن مربوطا بغاية تسمو بروح الإنسان و تنقله من الخواء  وتفاهة المعنى وترفع قدره وتستنهض همته وتحقق له السعادة وتشعره بجمال إنسانيته وأهمية دعوته ورسالته على هذه الأرض، لا يعدو أن يكون حرفا فارغا منتهيا بانتهاء الغاية التي كتب من أجلها، يذوي سريعا في حديقة الأشعار.

وإن الشاعر هو الذي يدرك قيمة شعره ودوره في بناء وجدان الأمة وإشاعة قيم الحب والجمال في الناس وتحريك مشاعرهم إلى كل ما يسمو بهم ويغذي أرواحهم، ، فلا يختار من الكلام إلا أطيبه، ولا من المعاني إلا أجودها وأحسنها. وقد جسد الإمام هذه المعاني في شعره، وعرف بأن لهذا تأثيرا في النفس و في الأمة، خصوصا عندما تجتمع الكلمة الرقيقة مع المعنى السامي، عندها يبلغ الشعر غايته، ويؤدي دوره.

وإن جولة صغيرة بين ثنايا دواوين الإمام الثلاث جعلتنا ندرك فلسلفة الرجل و رؤيته الأدبية الفريدة، وجرأة في الطرح غير مسبوقة، فنجده قد طرق كل الموضوعات المتعلقة بحياة الفرد و الأمة، لا يكاد يغفل شيئا منها، حتى لتجد من الصعوبة حصرها أو الإلمام بها جميعها، لقد كانت نظرته نابعة من إيمانه العميق بالرسالة النبوية الشريفة ومنطلقة منها، ناسجة على منوالها، مستشرفة للمستقبل الذي ينتظر الأمة، واثقا في وعد الله لها بالنصر والتمكين، و إن هانت أو هزمت. وظل الأمل يحدوه في أن تكون لكلمته صدى في نفوس متلقيها بالقبول و المبادرة.

لقد  استطاع  الإمام أن يجمع في شعره دائما بين قضية الإنسان المصيرية و بين حال الأمة إذ لا خلاص لأحدهما بدون الآخر.

وإن المطلع على دواوينه ليجد انجذابا إليها وتعلقا بقضاياها، إذ لا يمكن أن تمر عليه دون أن تستوقفك عبارة مؤنبة أو مبشرة ، تدعوك لإعادة طرح السؤال، ما هي غايتي في هذه الحياة، وإلام أرنو وأتطلع؟ في قالب فني جميل وبأسلوب أدبي رفيع.

والحمد لله رب العالمين.


[1] -لسان العرب، ابن منظور، ج 5، دار الحديث، القاهرة، 2003، ص126.

[2] – قضايا الشعر في النقد العربي، إبراهيم عبد الرحمان محمد، دار العودة، ط2، 1981، ص 174.

[3] – قضايا الشعر، ص 174.

[4] – مفهوم الشعر في النقد العربي حتى نهاية القرن الخامس هجري، محمود المرسي، دار المعارف، 1983، ص 8.

[5] -المرجع نفسه، الخمليشي، ص20.

[6] -المرجع نفسه،  الخمليشي، ص 20.

[7]– مفهوم الشعر في النقد العربي، ص8.

[8] -المرجع نفسه،  الخمليشي، ص20.

[9] -المرجع نفسه، الخمليشي، ص20.

[10] – مفهوم الشعر في النقد العربي، ص8

[11] – مفهوم الشعر في النقد العربي، ص9.

[12] – مفهوم الشعر في النقد العربي، محمود المرسي، ص13.

[13] – في الفكر والشعر، ص16

[14] – في الفكر والشعر، ص 16.

[15] – الشعر، الوجود والمكان، رؤية فلسفية للشعر، إفريقيا الشرق، عبد العزيز بومسهولي، الدار البيضاء، 2002 ،ص8،9

[16] – مفهوم الشعر في النقد العربي، ص13

[17] – الشعر المنثور والتحديث الشعري، حورية الخمليشي، دار الأمان، ط1، 2010، ص 19.

[18] – مفهوم الشعر في النقد العربي، محمود المرسي، دار المعارف، مصر، 1983، ص11.

[19] – مفهوم الشعر في النقد العربي، ص 11.

[20] – مفهوم الشعر في النقد العربي، ص 37.

[21] – القصيدة السياسية في شعر نزار قباني ، حبيبة حمدي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999، ص 34.

[22] – القصيدة السياسية، ص 30.

[23] – في قضايا الشعر العربي المعاصر، مجموعة من المؤلفين، المنظمة العربية للتربية الثقافة والعلوم، تونس، 1988، ص133

[24] – في قضايا الشعر العربي المعاصر، ص133

[25] – في قضايا الشعر العربي المعاصر، ص133

[26] – في قضايا الشعر العربي المعاصر، ص152

[27] – قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر،عائشة عبد الرحمن، دار المعارف،ط2، القاهرة، ص229.

[28] – في قضايا الشعر العربي المعاصر، ص153

[29]  – القصيدة السياسية في شعر نزار قباني، ص29

[30] – مدخل إلى الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، ص16

[31] – مدخل إلى الأدب الإسلامي، ص17.

[32] – ظاهرة التزام الشاعر في الأدب الإسلامي، مجلة ينابيع، العدد 35، 1429ه،  ص 54

[33] – ظاهرة التزام الشاعر في الأدب الإسلامي، ص 55

[34] – ظاهرة التزام الشاعر في الأدب الإسلامي، ص 55.

[35] – أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، شلتاغ شراد، دار المعرفة، ط1، 1987، ص9.

[36] – أثر القرآن في الشعر العربي الحديث، ص 10.

[37] – عبد السلام ياسين الإمام المجدد، محمد العربي أبو حزم، إفريقيا الشرق، ط1، 2016، ص31،32.

[38] – عبد السلام ياسين الإمام المجدد، ص 32.

[39] – عبد السلام ياسين الإمام المجدد،ج1، ص147.

[40] – عبد السلام ياسين الإمام المجدد، ج1، ص190

[41] – عبد السلام ياسين الإمام المجدد،ج1، ص 188

[42] – عبد السلام ياسين، ص190

[43] – المنظومة الوعظية، ص8

[44] – المنظومة الوعظية، ص9.

[45] – مدخل إلى الأدب الإسلامي، ص18

[46] – منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، ص 51.

[47] – المنظومة الوعظية، ص11.

[48] – المنظومة الوعظية، ص6

[49] – شذرات، ص26.

[50] – شذرات، ص13.

[51] – المنظومة الوعظية، ص43

[52] – قطوف 7، ص18

[53] – شذرات، ص66

[54] – قطوف3، ص76

[55] -قطوف 5، ص81

[56] – شذرات، ص 28

[57] – المنظومة الوعظية، ص43

[58] -المنظومة الوعظية، ص47

[59] – قطوف 2، ص28.

[60] -قطوف 3، ص50

[61] – المنظومة الوعظية، ص5

[62] – قطوف 1، ص48

[63] – قطوف 7، ص38

[64] – قطوف 7، ص27

[65] – الالتزام في الشعر الفلسطيني، ص45

[66]– المنظومة الوعظية، ص14.

[67] – المنظومة الوعظية، ص16

[68] – المنظومة الوعظية، ص76

[69] – قطوف2، ص22.

[70] – قطوف 2، ص30

[71] – شذرات، ص78.

[72] -قطوف 4، ص7.

[73] – قطوف 2، ص21

[74] – قطوف1، ص63

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.