منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بدعة الجابري في ترتيب سور القرآن حسب أسباب النزول

مقاصد الجابري من إعادة ترتيب القرآن حسب أسباب النزول

0

إن الواقف على فكر الجابري يدرك أن الرجل لا يأتي بجديد، ولكنه يعمد إلى أقوال شاذة قديمة، أو افتراءات حديثة لمستشرقين معروفين فيضخمها ويرجحها على غيرها من الأقوال – التي قد تكون في نفس الموضوع – بالبحث لها عن أدلة وحجج يزعم أنها تؤكد صدقيتها، ثم يعود هو نفسه لنقضها وإبطالها دون وإدراك، وهذا نفسه الذي حدث في كتابه  مدخل إلى القرآن  وهو ذات العنوان » الذي سبق واتخذه المستشرق الفرنسي بلاشير لكتابه عن القرآن[1]«.

وفي هذا  الكتاب أعلن الجابري عن منهجه في تفسير القرآن الكريم بإعادة ترتيب سوره حسب أسباب النزول، متذرعا بأنه  » عندما أخذت أجيال جديدة من المسلمين تعمر الساحة، فقد كان طبيعيا لكل من يريد فهم القرآن أو استنباط أحكام منه تغطي المستجدات، أن يشعر بالحاجة إلى معرفة ما اصطلح عليه ب ‘ أسباب النزول ‘ ، الأمر الذي يقتضي ترتيب السورحسب نزولها[2] « .

وهذا مجرد استعراض وادعاء، لأن الجابري لم يحقق أي هدف من هذه الأهداف المسطرة  في هذا النص، مما  يطرح مجموعة من الأسئلة هي :

– ألم  تكن نفس الحاجة للفهم والاستنباط وعلى مدى أربعة عشر قرنا عند أجيال متوالية من الأقدمين ؟ .

– لماذا لم يفعل سلف الأمة هذا الذي فعله الجابري –أقصد إعادة ترتيب المصحف حسب ترتيب النزول –، بل فهموا القرآن فهما يناسب زمانهم دون تعديل الترتيب الموجود ؟ .

المزيد من المشاركات
1 من 68

– لماذا لم يأت الجابري في  كتبه بأي شيء  يربط بين القرآن وبين مستجدات العصر التي زعم أن ترتيب القرآن حسب أسباب نزوله يروم به استنباط أحكام منه تغطي مستجدات العصر ؟ .

– لماذا حرص الجابري على ربط القرآن بمسار الدعوة المحمدية ؟ هل هو نوع من الفهم التاريخي القرآن ؟ .

– لماذا هذا العدول عن الترتيب الإلهي للقرآن الكريم إلى ترتيب جديد مبتدع، وبأهداف لم يحقق الجابري ولو واحدة[3] منها ؟ .

لقد سبق كثير من المستشرقين الجابري إلى هذا الأمر وحرصوا على استخراج نسخة من القرآن الكريم مخالفة للمصحف العثماني، فانتهوا إلى أنه : » …إذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه ، فمن الصعب أن نتصور أن يقوم بهذا العمل زيد بن ثابت أو أي مسلم آخر « [4] .

لقد خابت كل محاولات المستشرقين، وانتهت إلى الفشل الذر يع، وهذا ما سجلته دائرة المعارف بالقول :» لقد هوت محاولات المستشرقين – في ثلاثينيات القرن العشرين – إصدار نسخة أخرى من  القرآن غير نسخة عثمان [5]«  .

والسبب في هذا الفشل لم يكن سوى أن » ترتيب السور في النسختين[6] يتبع المبدأ نفسه وهو إيرادها بحسب حجمها من الكبيرة إلى الصغيرة « [7]. وهذا المبدأ المتبع  في ترتيب المصحف ليس ضربا من الاجتهاد، أو نوعا من الفوضى[8]، بل هو مبدأ  » فريد من نوعه، بحيث يصعب أن يكون استعماله من قبيل المصادفة ، بل نتيجة روابط أدبية ، حتى ولو لم يكن في مقدورنا إثبات هذه الروابط « [9] . هذا الكلام صدر عن واحد من كبار المستشرقين – هو تيودور نولدكه – الذين وضعوا ترتيبا لسور القرآن مازال هو المعتمد إلى اليوم في أوساط المستشرقين رغم قيام الإنكليزي ” بل ” والفرنسي ” بلاشير[10] ” بمحاولات مماثلة لم تحظ بكثير من الشهرة أو النجاح، وانتهت جميع هذه الجهود إلى فشل واضح محتوم .

هذا الفشل الذي حققه المستشرقون ودفعهم للإقرار بالحقائق التاريخية وحملهم على بث النتائج التي توصلوا إليها بعد عقود من البحث المتواصل لم تقنع الجابري، لأنه يرى أن»ترتيب السور في المصحف ترتيب اجتهادي[11] . وهذا ما يقول به جل من بحثوا في هذا الأمر من القدماء والمحدثين « [12]، وبالتالي فمن حقه أن يجتهد كما اجتهدوا – رغم أن هذا الادعاء تكذبه أقوال المستشرقين السابقة وأقوال عدد من علماء الإسلام –  و أن يعيد ترتيب المصحف ترتيبا يساعد على الفهم، لأن» ترتيب السور كما هي في المصحف…بناه الذين قاموا بجمع القرآن في عهد الخليفة عثمان على معيار الطول والقصر ، وهو معيار لا علاقة له بترتيب النزول [13]«  . وقد رأينا عكس ذلك في كلام نولدكه الذي توصل إلى أن ترتيب سور المصحف : » فريد من نوعه ، بحيث يصعب أن يكون استعماله من قبيل المصادفة ، بل نتيجة روابط أدبية ، حتى ولو لم يكن في مقدورنا إثبات هذه الروابط « [14] . ثم يخلص الجابري إلى أنه إذا كان هذا الترتيب اجتهاديا وكان قد وضع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، » فلا يعقل أن يقال إن مراجعة النبي للقرآن كانت مبنية عليه ، خصوصا وهو يبدأ بالقرآن المدني . إن الأقرب إلى المعقول هو أن تكون مراجعة النبي للقرآن قد تمت على أساس ترتيب النزول… [15]« .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

يقول الجابري هذا الكلام رغم أن ما ورد عن عدد من العلماء لا يقره، فعن ابن وهب قال : سمعت مالكا يقول : » إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم « [16]. وهذا ما تؤكده السنة النبوية، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فافتتح البقرة، فقلت : يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت : يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت : يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا إذا مر بآية تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم فكان كل ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثم قام طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه[17].« فهذا الحديث يضحض مزاعم الجابري ويبطل حججه التي تزعم الاعتماد على العقل في أمور لا علاقة للعقل بها، بل سبيلها النقل والنقل وحده.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يراجع القرآن مع جبريل وفق ترتيب النزول – حسب زعم الجابري –  فمن حق الجابري أن يضع الترتيب الذي يوصله إليه اجتهاده، لأنه كما يقول:»الهدف عندنا من ” ترتيب النزول ” هو التعرف على المسار التكويني للنص القرآني باعتماد مطابقته مع مسار الدعوة المحمدية « [18] .

لقد استصغر الجابري كل الجهود السابقة التي بذلها مستشرقون في هذا المجال، وقرر أن يعيد الكرة، وأصر على التغلب على الفشل بإعادة فهم القرآن الكريم حسب ترتيب النزول، وحدد لذلك مقصدين متناقضين، لأن الإسقاطات التي أتى بها الجابري أفقدت النص القرآني عمومه، وبالتالي إمكانية فهمه في زمان ومكان آخر غير الزمن والمكان الذي نزل فيه .

المقصد الأول :» هو التعرف على المسار التكويني للنص القرآني باعتماد مطابقته مع مسار الدعوة المحمدية « [19]، وبهذا يناقض الجابري نفسه عندما قرر في مكان آخر أن»القرآن ليس كتاب تاريخ، ولا يهتم بالحوادث في تسلسلها عبر الزمن البشري فزمان القرآن زمان خاص[20]«  .

المقصد الثاني :» فهم القرآن أو استنباط أحكام منه تغطي المستجدات [21] « .

فماذا تحقق من هذه المقاصد الكبرى التي رأى الجابري أنها تستحق كل جهد وعناء يبذل في سبيل تحقيقها؟.

[1] رد افتراءات الجابري ، ص 37 .

[2] التعريف بالقرآن ، ص 420 .

[3] أقصد أهدافه المعلنة أما غير المعلنة فالله أعلم بها .

[4] رد افتراءات الجابري ، ص 39  .

[5] رد افتراءات الجابري ، ص 41 .

[6] يقصد نسخة عبد الله بن مسعود و نسخة أبي بن كعب .

[7] تاريخ القرآن ، ص 275 .

[8] يرى أركون – عكس ما ذهب إليه نولدكه – أن »المصحف لا يخضع لأي ترتيب زمني حقيقي ، ولا لأي معيار عقلاني أو منطقي . وبالنسبة لعقولنا الحديثة المعتادة على منهجية معينة في التأليف والانشاء والعرض القائم على ” المحاجة ” المنطقية ، فإن نص المصحف وطريقة ترتيبه تدهشنا ” بفوضاها ” «.!!! الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص 86 . ماذا تقول لمن ملأ الله عقله وحياته فوضى .

[9] تاريخ القرآن ، ص 275 .

[10] ثم جاء الجابري ليحاول ” النجاح ” فيما فشل فيه من سبقوه من المستشرقين .

[11] يقول نولدكه : »من المستحيل وضع تسلسل زمني دقيق للسور القديمة ، لا بل للسور المكية بأسرها «  .

[12] التعريف بالقرآن ، ص 216 .

[13] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 393 .

[14] نفس المرجع والصفحة .

[15] نفس المرجع والصفحة  .

[16] الإتقان ، ص 88 .

[17] رواه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل ، حديث : 1331 .

[18] التعريف بالقرآن ، ص 245 .

[19] نفس المرجع والصفحة .

[20] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 347 .

[21] نفس المرجع ، ص 420 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.