منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسجد لبنة لتوحيد الأمة   من خلال استباطات ابن عطية الأندلسي في المحرر الوجيز

0
اشترك في النشرة البريدية

من أهم  شعائر الإسلام التي تؤكد حقيقة معنى الوحدة الصلاة، فهي فريضة  تجمع قلوب المسلمين قبل أشباحهم، في مساجدهم جنبا إلى جنب في الجمع والجماعات، كأنهم ذات واحدهم، وحدة في النظرة والفكرة، ووحدة في الغاية والوجهة، ووحدة في المظهر والمخبر، وحدة تسكن لباب القلوب عابرة للقشور،” وإن إبراز ملامح التفاف المسلمين حول المقاصد الاسلامية، ووحدة العقيدة والكلمة، هو هذا التوارد على الصلوات المكتوبة جماعة في المسجد، حيث  تترسخ  معاني العقيدة الاسلامية في القلوب، وتتعمق روح التعاون وتتقوى عرى التكامل في حياة المسلمين”[1].

فالمسجد قبل أن يكون بناء وجدران فهو روح، روح مسجدية تشع اشعاعا عميقا  ومتوازنا ومتواصلا في محيطه الممتد زمانا ومكانا، تروم بناء شخصية الفرد المسلم وإرساء كيان جماعة المسلمين، لم تكن يوما أبنية  مادية أو حيزا مكانيا أو “قاعة للصلاة “[2] فقط بمنأى عن هموم الناس وانشغالاتهم. نعم وظيفته الأولى تعبدية قبل كل شيء  ولكن ليست الوحيدة، بل لها امتداد وثيق بوظائف أخرى لا تقل أهمية عن الأساس التعبدي، حيث  تشكل جميعا المعنى الشامل للعبادة، ومن بينها  الوظيفة التوجيهية التربوية والاجتماعية الثقافية والصحية الاعلامية وأخيرا وليس آخرا السياسية العسكرية، هكذا كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤسسة إسلامية شاملة شمول الإسلام،  فليس عبثا أن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده مسكنا ومقاما ومقرا لقيادة الدولة الإسلامية في بدايتها، حتى يقتدي به من بعده، ” ليجعل المسجد دويلة صغيرة يتعلم من خلالها المسلمون حقوق المواطنة المتساوية ومبادئ التنظيم المحكم والوحدة وقوة الرابطة، وغيرها من الحكم المستفادة من صلاة الجماعة وتوظيفها في صياغة مقاصد الشريعة في ما يخص الاجتماع السياسي”[3].

تميزت نظرة ابن عطية لمكانة المسجد بالشمولية كشمولية الإسلام انطلاقا من  الأساس، بتأسيس البناء على تقوى “أي هو بحسن النية فيه وقصد وجه الله تعالى وإظهار شرعه، كما صنع بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجد قباء، أما التأسيس على شفا جرف هار إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين المؤمنين”[4]، ثم إلى العمارة الحقة التي  تزيد على صلاة الفرائض والجمعات طلبَ العلم والقضاء والفتيا والإصلاح بين الناس، كما أن المسجد هو معقد الشورى وقاعدة التخطيطات العسكرية، فيقول رحمه الله  “والمساجد المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصح أن تفرد للصلاة والدعاء وقراءة العلم، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث بها في أمور الدنيا. ولا يتخذ طريقا، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب، ولقد قعدت للقضاء بين المسلمين في المسجد الجامع بالمرية مدة، ثم رأيت فيه من سوء المتخاصمين وأيمانهم وفجور الخصام وعائلته ودخول النسوان ما رأيت تنزيه البيت عنه فقطعت القعود للأحكام فيه[5]، مع تجويزه إبقاء بعض الأحكام القضائية داخل المساجد مثل اللعان تماشيا مع الفعل النبوي وتعظيما  لموضع حفظ النسب،” وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظا بالوقت وكل وقت مجز”، وتعليله تخصيص العصر عن غيرها ” لأنه وقت اجتماع الناس”[6] .

و من جميل استنباطات ابن عطية رحمه الله، أنه عمم مفهوم المساجد وعمارتها إلى كل بقاع أرض الله، مستندا إلى قوله عليه الصلاة والسلام “جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”[7]، فقال في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ” وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة” قبل أن أن يؤكد المعنى الجامع البديع لعمارة  المسجد الحقة ” هي حفظه من الظلم فيه”[8]، مما يبين ارتباط المساجد بالأمة قبل الأفراد، والاجتماع فيها وسيلة لمقصد كلي هو توحيد كلمة الأمة ومظهر من مظاهر قوتها.

ولمزيد التأكيد على الجماعة وفي والجماعة[9]، فإنه إن  تعذر الصلاة في المسجد فلا أقل من إقامتها في جماعة، كما في قوله تعالى ” ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى “(النساء آية 43) ، حيث يعلل رحمه الله أفضلية  الجماعة  بقوله “معنى الصلاة هنا  موضع الصلاة والصلاة معا، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين”[10]،  بل هي طبيعة الصلاة المشروعة في الإسلام، “ووضعها الصحيح ، واركعوا مع الراكعين  ، ولذلك داوم عليها الرسول عليه السلام وأصحابه مداومة شديدة ، حتى كأنها جزء من الصلاة “[11]، بل إن  ابن عطية رحمه لله لم يدع إشارة أو لطيفة تدبرية في معنى الصلاة في الجماعة إلا انتهز الفرصة بإيرادها  في بيان بديع، ومن ذلك في قوله تعالى لمريم عليها السلام ” يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين “(آل عمران آية 43) ” ثم أمرت بعدُ بالصلاة في الجماعة، فقيل لها، واركعي مع الراكعين وقصد هنا مَعلم من معالم الصلاة”[12]، وفي قوله تعالى ” وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين “( البقرة آية43) أورد  رحمه الله تعليل معية الراكعين بقوله ” إنما قال (مع) لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله (مع) بشهود الجماعة”[13]، إمعانا في الحث على إظهار شعائر الدين وحماية وحدة المومنين تعاونا وتعارفا واتصالا، فلا مناص أن الصلاة جماعةً تسلُك بالمسلمين في سِلك رباط إيماني وتعمِّقُ المحبة في قلوبهم تمهيدا لجمع كلمتهم.

 

المزيد من المشاركات
1 من 10

[1] عبد السلام العزوزي، مؤسسة المسجد بين التأميم والتحرير، مجلة منار الهدى  ص12

[2] كلمتان تختزلان أزمة مساجد اليوم، فأين هذه العبارة من كلمة “مسجد” القرآنية المفعمة بروح العبادة واجتماع القلوب والأشباح وبرسالة الاسلام الممتدة عبر الزمان والمكان

[3] عليان بوزيان، توظيف مقاصد صلاة الجماعة في تفعيل مقاصد الشريعة الخاصة بالأمة، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية،جامعة قطر المجلد 32، العدد 2، خر يف 1435/36ه 2010/11م، ص 415

[4]  ابن عطية المجرر الوجيز ، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، الناشر: دار الكتب العلمية  بيروت، ج3 ص 85

[5] ابن عطية، المحرر الوجيز، ج5 ص 383

[6] ابن عطية، المحرر الوجيز ج4 ص 2167

[7] باب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهور صحيح البخاري، كتاب الصلاة،

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

[8]  ابن عطية، المحرر الوجيز ج3 ص 16

[9] رغم أن المالكية وابن عطية منهم، لا يرون الصلاة في المسجد جماعة فرض كفاية كالشافعية والأحناف ولا شرطا كالطاهرية، زلا فرض عين كالحنابلة  ولكنه يرونها  سنة، وسبب اختلافعم تعارض مفهومات الآثار الواردة في حكم صلاة الجماعة” انظر ابن رشد بداية المجتهد ونهاية المقتصد،ج1 ص182،الشوكاني، نيل الأوطار، ج2 ص 340

[10]  ابن عطية، المحرر الوجيز ج2 ص 57

[11] أبو الحسن الدوي، الأركان الأربعة، ص 54

[12]  ابن عطية، المحرر الوجيز ج1 ص 434

[13] ابن عطية، المحرر الوجيز ج1 ص 136

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.