منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان”

0

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛

فقد أمرنا ربنا سبحانه وتعالى باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، فقال تعالى: “فآمنوا بالله ورسوله النبيء الامي الذي يومن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون”. وقال: “قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم”.
ومن أجل وأعظم ما يجب اتباعه فيه صلى الله عليه وسلم؛ عبادته وتقربه إلى الله سبحانه وتعالى عامة، في سائر الشهور والأيام، وخاصة في هذا الشهر المبارك؛ شهر رمضان، وبالأخص في العشر الأواخر منه.
فكيف كان صلى الله عليه وسلم يعبد ربه وخالقه في هذه الأيام المباركة؟ ما هديه فيها؟ وبأي شيء كان يخصها ويميزها بها عن غيرها؟
هذا ما أود التذكير به إن شاء الله سبحانه تعالى فأقول وبالله التوفيق:
النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو أكثر الناس عبادة وتقربا إلى الله عز وجل في سائر الشهور والأيام، كان يجتهد في ذلك اجتهادا. إلى درجة أنه صلى الله عليه وسلم كان يجهد نفسه، ويتعب جسده فيها، شكرا لله عز وجل وطلبا لمرضاته. وقد تعجب من فعله هذا غير واحد من الصحابة، منهم: زوجه أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها. ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: “أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا”. فهذا هو دأبه، وهذه عادته، وهذا هديه صلى الله عليه وسلم في سائر الشهور والأيام.
ولكن هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك شهر رمضان؛ كان أكمل الهدي، حيث كان صلى الله عليه يكثر فيه من العبادات؛ كان يدارس فيه مع جبريل عليه الصلاة والسلام القرآن، وكان يكثر فيه من الجود والإحسان، إلى درجة أنه صلى الله عليه وسلم كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في زاد المعاد: خص رمضان بعبادة لم يخص بها غيره من الشهور وهو: الوصال.
كان هذا دأبه وهديه صلى الله عليه وسلم في الشهر كله، لكنه صلى الله عليه وسلم خص الثلث الأخير منه بأمور عظيمة جليلة، كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتقل في هذا الثلث الأخير، من مقام إلى مقام، ومن درجة إلى درجة أعلى منها في التقرب والتعبد لله عز وجل.
ومن الأحاديث الدالة على هذا الانتقال وهذا الاجتهاد؛ الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، عن أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو قولها: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله”.
ـ قولها رضي الله تعالى عنها: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر…”، التعبير بكان في هذا السياق يفيد: أن ما ذكر في هذا الحديث؛ من شد المئزر، وإحياء الليل، وإيقاظ الأهل، كان يتكرر، فهو صلى الله عليه وسلم كان يقوم بهذا العمل كل عام، لم يفعله عاما واحدا فقط، بل كان يواظب عليه، ومن هنا يستفاد والله أعلم: سنية هذه المذكورات، وتأكدها في هذه الأيام المباركة؛ الأيام الأخيرة من شهر رمضان.
وقولها رضي الله تعالى عنها: “إذا دخل العشر”. أل في العشر للعهد، والمعهود هنا في الذهن، وهو: العشر الأخير أو الأواخر من رمضان. وقد جاء هذا مبينا في رواية عند الإمامين؛ أبي شيبة والبيهقي. كما يدل على هذا أيضا؛ صنيع الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ترجمته لهذا الحديث. فقد ترجم لهذا الحديث بقوله: “باب العمل في العشر الأواخر من رمضان”.
وقولها رضي الله تعالى عنها: “شد مئزره” هذا هو العمل الأول المذكور في هذا الحديث، الذي كان يخص به النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان.
والمئزر ويقال أيضا: الإزار. كما يقال: الملحف، واللحاف. والمئزر: ما يأتزر به الرجل من أسفله، ويذكر ويؤنث. وشده يصح فيه أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون كناية عن اعتزال النساء، والنبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يكني عما يستقبح ذكره. والكناية كما يقال: أبلغ من التصريح؛ لأن فيها ادعاء للشيء مع دليله. وهو هنا: شد المئزر، وذلك أنه يلزم من شده، اعتزال النساء.
ويؤيد هذا الاحتمال من حيث اللغة والاستعمال؛ قول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهار
ويؤيده من حيث الواقع: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف في هذه الأيام العشر، ومدة اعتكافه: عشرة أيام، ومن شروط صحة الاعتكاف؛ اعتزال النساء، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: “ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد”.
وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف، يدني إلي رأسه، فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان”.
وفي هذه الكناية دعوة نبوية شريفة إلى اختيار ما يناسب من الألفاظ، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: “وقولوا للناس حسنا”.
الوجه الثاني: أن يكون كناية عن التشمير والجد في العبادة، يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له. وفي صحيح مسلم: “عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره”.
الوجه الثالث: أن يراد: الاعتزال، والاجتهاد معا.
الوجه الرابع: وهو أوجه الوجوه وأعمها، أن يحمل اللفظ على الحقيقة والمجاز أي: الكناية معا: والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان: يشد مئزره بالفعل، وهذه حقيقة، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتزل نساءه، وهو كناية، وكان يجتهد في العبادة وهو كناية أيضا. وحمل اللفظ على الحقيقة والكناية معا جائز، كما في قولهم في طويل القامة: فلان طويل النجاد. ـ غمد السيف ـ فهو كناية عن طول القامة. ويجوز أيضا: أن يكون له سيف طويل النجاد. قال عبد الرحمن الأخضري رحمه الله تعالى في الكناية:
لفظ به لازم معناه قصد مع جواز قصده معه، يرد
وقد ورد في رواية عند الإمام مسلم: “وجد، وشد المئزر”. وفي رواية أخرى: “شد مئزره، واعتزل النساء”. والعطف يقتضي المغايرة.
وقولها رضي الله تعالى عنها: “وأحيى ليله” أي: أحياه بالسهر وعدم النوم، في الصلاة وغيرها من العبادات. وفي التعبير بالإحياء عما ذكر، مجاز بالاستعارة التصريحية التبعية، شبه القيام وشبهه بالإحياء، بجامع الانتفاع في كل.
ويصح أن يكون المعنى: وأحيى نفسه فيها، وأسند الإحياء إلى الليل لوقوعه فيه، فيكون فيه مجاز عقلي.
والليل، وقته معلوم، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقد ورد في الحديث مفردا معرفا بالإضافة. وورد عند الإمام مسلم معرفا بأل،: “أحيا الليل”. وهذا يفيد أن الإحياء استغرق الليل كله؛ لأن المفرد المعرف بأل أو الإضافة يفيد العموم، لكن ورد في حديث عند الإمام مسلم ما يخصصه، فيفيد أنه كان يحيي جله لا كله. والحديث هو: قول أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها: “وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهرا متتابعا إلا رمضان”.
وقولها رضي الله تعالى عنها: “وأيقظ أهله”. الأهل يشمل الزوجة والأولاد، ومن كان يعيش معه صلى الله عليه وسلم في بيته. فعن زينب بنت أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: “لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه”.
هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام؛ يجد ويجتهد، ويشمر، ويعتزل نساءه ويحيي ليله، ويوقظ أهله. فما المطلوب منا نحن إزاء هذا الهدي النبوي الشريف؟ المطلوب منا جميعا، هو اتباعه، فعلينا:
1 ـ أن نضاعف الجهد والعمل؛
2 ـ أن نحيي من الليل ما استطعنا؛
3 ـ أن نحيي ليلنا بما يقربنا إلى الله عز وجل؛ بالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن ومدارسته…
4 ـ أن نشرك أهلنا وذوينا معنا في هذا الفضل العظيم؛
5 ـ يمكن أن نجعل من هذا الحجر الصحي الذي نعيشه اعتكافا، بمجرد النية والتزام الطاعة، خاصة على مذهب من يجيز الاعتكاف في البيوت، وهو قول في المذهب قال به ابن لبابة.
فاللهم وفقنا لصالح الأعمال، وبارك لنا في ما بقي من رمضان، آمين والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.