منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نشأة المقاصد الشرعية

نشأة المقاصد الشرعية/ الأستاذة حسنية الهيلالي

0

نشأة المقاصد الشرعية

بقلم: الأستاذة حسنية الهيلالي

1-تقديم

لا يخفى على الدارسين للعلوم  الشرعية أن علم مقاصد الشريعة له ارتباط وثيق بالنص الشرعي، وأنه روعي منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ومن بعدهم . ولقد عرف هذا العلم نضجا واستواء مع الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى. و”كثير من الدارسين يعتبرون أو يصرحون بأن الشاطبي هو مؤسس علم مقاصد الشريعة، وأن هذا العلم قد ولد فعلا في كتابه الموافقات”[1]

2-تعريفات

*(المقاصد جمع مقصد، والمراد بالمقصد هنا: المعنى والهدف، والغرض الذي قصده الشارع فهو مقصد له . وهو مقصود له أيضًا. ومقاصد الشريعة هي: معاني الأحكام التي تضمَّنها القرآن الكريم والسنة النبوية)[2].

*( الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة الغرَّاء، وأثبتتها الأحكام الشرعية، وسَعَت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان”). [3]

*(المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها).[4]

  3-أساسيات في علم مقاصد الشريعة

الفكر المقاصدي يرتكز على فهم النص الشرعي وتطبيقه على الواقع، وفهم النص  الشرعي هو بحث في مقصد الشارع منه. والقرآن الكريم والسنة النبوية هما أساسا الأحكام والمقاصد. يقول الشاطبي:” إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وأنه الرسالة ونور الأبصار والبصائر وأنه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره وإذا كان كذلك، لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه وأن يجعله جليسه على مر الأيام و الليالي” والسنة النبوية تبين مراد القرآن ومقاصده وأحكامه وأوامره ونواهيه لهذا فالمقاصد التي أقرها القرآن الكريم هي نفسها التي أقرتها السنة وفصلتها. وعلم مقاصد الشريعة لا يرتبط فقط بتعليل الأحكام الشرعية ولا بمصطلحي الاستحسان ولا المصلحة المرسلة، لأن علم المقاصد وجد بوجود النص الشرعي أي زمن الوحي أما تعليل الأحكام والاستحسان والمصلحة المرسلة فجاءت بعد ذلك. وتجدر الإشارة إلى أن تسمية بعض مقاصد الاحكام الشرعية عللا مجرد اصطلاح، وقد استعملت مصطلحات أخرى مثل: الحكمة أو السبب أو المعنى الذي شرع من أجله الحكم بدلا من مصطلح العلة. لذلك نجد الشاطبي وهو شيخ المقاصد ذكر مسألة تعليل الأحكام في مطلع حديثه عن المقاصد وأشار إلى اختلاف علماء الكلام والأصوليين فيها لكنه لم يجعلها الأساس الذي بنى عليه إثبات مقاصد الشريعة بل تجاوزها ليثبت مقاصد الشريعة مباشرة من خلال النصوص الشرعية.

و مصطلح المصلحة المرسلة مصطلح قال به الإمام الغزالي ولم يكن مستعملا بلفظه قبل ذلك.

والاستحسان لفظ استعمله أبو حنيفة وغيره من العلماء بمعناه اللغوي، وكان أبو حنيفة أكثرهم استعمالا له دون إعطائه مدلولا اصطلاحيا محددا إذ كان يستعمله بمعنى الأولى أو الأرجح أو الاستثناء أو التخصيص أو الترجيح بين الأدلة.

4-التأليف في مقاصد الشريعة

لقد اهتم العلماء في القرون الأولى بالتأليف في مقاصد الشارع من نصوصه فكان التأليف في الفقه وتفسير القرآن والحديث النبوي للبحث في مقاصد الشارع من هذه العلوم، أما مقاصد الأحكام الشرعية لم يفردوها بالتأليف، لقد كانت حاضرة في ثنايا مؤلفاتهم خاصة في آيات القرآن الكريم والحديث النبوي وبيان مقاصدهما والحكمة من أحكامهما وقد استعمل العلماء الأوائل مصطلح الحكم الشرعي للتعبير عن مقاصد الخطاب الشرعي واستعمل كلمات كثيرة للتعبير عن مقاصد الأحكام الشرعية مثل المعنى والعلة والحكمة والمناسبة والمقصد.

من المؤلفات المفردة في مقاصد الأحكام الشرعية: كتاب إثبات العلل للحكيم الترمذي توفي 320 هـ وكتاب محاسن الشريعة للقفال الشاشي توفي 350 هـ وكتاب محاسن الإسلام وشرائع الإسلام لمحمد بن عبد الرحمن البخاري توفي 546هـ إلا أن هذا النوع من التأليف لم يكن معدودا من صلب العلم لهذا لم يعتنوا به ثم جاء الجويني إمام الحرمين بكتابه تقسيم العلل والأصول حيث قسم أصول الشريعة إلى خمسة أقسام ثم بعده تلميذه أبو حامد الغزالي فهذب ما ذكره الجويني وكان له يد في التنقيح والإضافة خاصة في كتابه شفاء العليل حيث تابع شيخه الجويني في جعل جعل المقاصد  في ثلاث مراتب هي الضروريات و الحاجيات والتحسينيات وهذا ما استقر عليه الأمر فيم بعد، ثم فصل الغزالي الحديث عن الكليات الخمسة الدين النفس العقل النسل المال. حيث يقول:” ومقصود الشارع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم وعقلهم ونفسهم ونسلهم ومالهم ثم جاء العز بن عبد السلام شيخ المصالح والمفاسد وكتابه القواعد الكبرى الذي أصل فيه للعلاقة بين المصالح والمفاسد ومقاصد الأحكام ثم بعده تلميذه القرافي في كتابه الفروق، ثم بعد ذلك ابن تيمية الذي يعد إماما في الموازنات، وتلميذه ابن القيم.

ثم كان كتاب الموافقات الذي يتضمن خطة متكاملة الأركان والفروع في مقاصد الشريعة للإمام الشاطبي باني الهرم المقاصدي ثم جاء محمد الطاهر بن عاشور وهو رائد مقاصد الشريعة في العصر الحديث خاصة في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية الذي كان من أهم إضافاته الدعوة إلى استقلال مقاصد الشريعة عن أصول الفقه وذكر في كتابه مقاصد الشريعة في المعاملات وأحكام العائلة ومقاصد المعاملات المالية.

5-خاتمة

إن دراسة المقاصد وتطبيقها لها أهمية كبرى من حيث كونها روح الشريعة. فمن خلالها يستطيع الداعية إلى الله عز وجل عرض كمال الشريعة ومحاسنها وضرورياتها و إبراز مدى  الشقاء الذي يبلغ الإنسان في البعد عنها ، وأنها صالحة لكل زمان ومكان ،وهي المخرج الأمثل لمشاكل العالم وهمومه.


[1] أحمد الريسوني في مقال بعنوان: علم مقاصد الشريعة بين الولادة الكامنة إلى الولادة الكاملة في موقع بيت الفرقان والميراث الإسلامي

[2] محاضرات في مقاصد الشريعة للدكتور أحمد الريسوني

[3]الأصول العامة لوحدة الدين للدكتور وهبة الزحيلي

[4] الأستاذ علال الفاسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.