منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقه إدارة الأزمات “وباء كورونا نموذجا”

عثمان غفاري

0

الحمد لله القائل في محكم كتابه ” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”(1)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين وسراجا وهاجا، المبشر لهذا الدين بالاستمرار والانتشار والانتصار حين قال في ما صح عنه في صحيح مسلم: ” لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة “(2) وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار وعلى إخوانه المتمسكين بسنته وشريعته الغراء، في السراء والضراء، الراضين بالقدر والقضاء، الملتمسين رفع البلاء بالدعاء والتماس العلم والحكمة من العلماء والخبراء والأطباء.

أَمَّا بعدُ:

اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون المقصد الأسمى من التشريع تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الحال والمآل، ومتى خرج العباد عن هذا الإطار الرباني والفلك الشرعي، وقعوا في الحرج والضيق واستفحلت الأزمة وصارت أزمات على كل المستويات.

والأمة تعيش هذا البلاء الأخير المسمى ” فيروس كورونا” – عجل الله تعالى برفعه عنا عاجلا غير آجل – وما استتبعه من تدابير وقائية احترازية تصدى لها الخبراء الأمناء الأكفاء كل بحسب اختصاصه وفي حدود مجال تدخله – بارك الله جهود الجميع وجعلها خالصة لوجهه الكريم -، قلت والأمة تعيش هذه الأزمة المستفحلة يتعين على علماء الأمة كذلك أن يواكبوها بفقه جامع مانع، مراع للواقع، مستحضر لسنة التدافع.

  • فقه ميسر يسير، يهدف إلى التحرر قبل التحرير، ويزاوج بين التنوير والتغيير.
  • فقه يعالج ما استجد من نوازل من عدة مداخل بلا تناقض ولا تعارض بل في تلازم وتكامل.
  • فقه يحتاج إلى همة عالية وإرادة سامية وعزمة حانية لإدارة هيئة واعية، لا تستفزها الأحداث وتتخذ أصوب القرارات لإدارة الأزمات.
  • فقه يحتاج لتظافر جهود أفراد ومؤسسات كثيرة من أجل اجتهاد جماعي، باعثه رحمة قلبية مع تصحيح القصد، ورافده حكمة عقلية مع تجديد العهد، وثماره حضور مسؤول ثابت الخُطى في عزم وحزم.
المزيد من المشاركات
1 من 69

وإسهاما من طُويلب علمٍ في هذا الخير الكثير اخترت في هذه الورقة أن أتناول موضوع ” فقه إدارة الأزمات: وباء كورونا نموذجا ” تناولا تحليليا مبسطا يسلط الضوء على أشكال التفاعل التي آل إليها العقل المسلم في تفاعله مع الأحداث والمآسي الكبرى تشخيصا للواقع، وحصرا لأهم المداخل التي ينبغي مراعاته عند مدارسة ما استجد من أزمات ونوازل، وتلمسا لبعض المعالم التي يتعين توفرها في كل اجتهاد يروم اقتراح بعض المخارج، فالله أسأل أن يؤتينا جميعا الحكمة وفصل الخطاب، وأن تكون هذه المقالة طرقا لباب الملك الوهاب لييسر لهذا الأمر ما شاء من أولي الألباب.

1) أشكال التفاعل الحاصل

سجل كثير من المتابعين لأزمة تفشي ” فيروس كورونا” عجزا ظاهرا لبعض علماء الأمة عن التعامل السليم مع مثل هاته الأزمات والمآسي، عجز كان بفعل فاعل استأثر بالقرار، وأطلق العنان لعملاء أجراء، تجرأوا على دين الأمة هجوما وتشويها، وعلى علمائها جرحا وتنقيصا، حتى ألجأ بعضهم إلى طلب السلامة خوفا أو طمعا، وحاصر من تمنع منهم وأبى، فانحصر عطاؤهم في دائرة لا تقدم ولا تؤخر ولا أثر لها في الواقع، أو انشغلوا بمناقشة قضايا جزئية بآليات متجاوزة ولغة متعالمة لا تصل للعامة والعوام، ويمكن تلخيص أشكال التعامل مع الأزمات التي تعصف بالمسلمين وتدينهم ووجودهم إلى ثلاثة تجليات للفقه الذي ينبغي أن يرفع وهي:

الفقه المنحبس وسماته الانغلاق والاجترار

الانغلاق بما هو جمود وعدم قدرة على إيجاد آراء متنوعة أو ابتكار حلول متعددة لمعالجة النوازل المستجدة، والاجترار يعني فرض الفقه المتوارث عن سلفنا الصالح من العلماء، ورفض المخالف لها من الآراء دون مراعاة لتغير الزمان والمكان والقدرة والإمكان، فأصبح أهل هذا الخيار يدورون في دائرة مفرغة، لا يأتون بجديد بل يكتفون بالتكرار والترديد، لأحكام منقحة مع مزيد تشديد، شعارهم الخالد ” ليس بالإمكان أحسن مما كان” ولعمري إن هذا الركون والسكون من أسباب موت الأمة، إذ سيطرت عليها نزعة التقليد وطغيان التبعية، وعُطل الاجتهاد وفشا الاستبلاد، وبُرر الاستبداد وأُخرست الألسنة عن فضح الفساد، وسُلط سلاح التكفير والتبديع على العباد، وفُتح المجال واسعا للطعن في شعائر الدين، من قبل المتربصين الحاقدين.

إنّ هذه العقلية السلبية تجلت بوضوح جلي خلال هذه الأزمة عندما اتخذت السلطات السياسية قرارا بإغلاق بيوت الله وتعطيل الجمع والجماعات، فاشتعلت حروب كلامية بين العلماء والمجامع الفقهية، بقيت في العموم الغالب حبيسة فقه الاجترار أو التبرير بدعوى الاضطرار، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا نزر قليل من أولي النهى والاعتبار.

الفقه الملتبس وسماته الانسياق والانكسار

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

المقصود بالانسياق هنا هو خضوع كثير من أهل العلم الشرعي بوعي أو بغير وعي، لنحلة الغالب المتغلب، والصوت الصاخب المستلب المتغرب، والفهم الملتبس للتجديد كما ينظر له أعداء الإسلام، وتروج له بعض أبواق الإعلام، ويموله بعض الحكام، ويقعد له من سار على دربهم من الأزلام، تجديد هو أقرب للتبديد، ونقض وهدم للدين وتخريب، أما الانكسار فالمراد به إعلان الكثير من الدعاة والعلماء عجزهم عن التعامل مع نتائج الثورات المضادة، واختيارهم السلامة والمهادنة، والهروب من مسائل العصر ومستجداته، وجهاد البناء والتعبئة ومقتضياته، وتربية الأجيال الصاعدة وتبعاته، إلى إسلام القعود والدروشة، والإسلام الفكري ومنتديات الدردشة، فأصبحوا للمستبدين مفتيين، ولدعاوي المغربين مبررين، وللدعاة الصادقين مستهدفين، فألبسوا الحق بالباطل، وخلطوا الحابل بالنابل، فصارت الزنا عند بعضهم علاقات رضائية، والربا بنوعيها عقودا استثمارية، والانتقاص من شعائر الدين وشرائعه حرية فردية، والتخلي عن فلسطين وأهلها أولوية وطنية وحكمة سياسية، وقد برَّز الإعلام الموازي هؤلاء الأزلام، وأعلنوها حربا ضروسا على مقدسات الأمة، ووُظٍّفت هذه العقلية في “أزمة كورونا” في التصفيق والتصديق القبلي على كل ما قررته الدولة من إجراءات من غير تعديل ولا تأصيل ولا تعليل، واتهام المخالفين بالخرافية والرجعية والتخلف، وبالدعوة جهارا نهارا للانسلاخ من شعائر الدين بدعوى أنها تجوزت منذ سنين، وما علينا إلا تشييعها لمثواها الأخير في ركن ركين، بعد تغسيل وتكفين.

الفقه المتوجس وسماته الاحتراق والإضرار

حيث يتفاعل بعض العلماء مع الواقع المر بإحراق أعصابه، والغرق في نظرية المؤامرة، والتبخيص المتعمد لدعاة الحق، والتشكيك في نواياهم، والهروب من توجيه النقد لمن يقودون حياتنا فعلياً، ويصنعون القرارات التي تؤثر على الحياة الاجتماعية، بل تجد الكثير منهم يلجأ إلى إلحاق الضرر بالأبرياء فينكد عيش من حوله، ويستضعف أقرب الناس إليه ويتخذ منهم أعداءَ، وهو ما يتجسد في كثرة الصراعات الاجتماعية على كل المستويات والمواقع والمنصات، وتنامي ظاهرة صغار الطغاة، المتسمين بالعنف اللفظي والمادي نحو المخالف، وشيطنة من كان للمخزن غير محالف، والجلوس لشتمه، وإنشاء المنصات للعنه وتسفيه إنجازاته وتشويه مكتسباته بالكذب والبهتان، وقد تجلت هذه العقلية في “أزمة كورونا” في الحملة الممنهجة التي شنها دعاة التغريب بتعاون مع أنصار الإسلام الفكري الحركي، على من دعا الناس للتوبة والدعاء رفعا للبلاء، أو في الاستخفاف بمن اعتبر الوباء من جنود الله تعالى يرسله للابتلاء أو الإيذاء، جراء ما اقترفته أيدينا من الفساد والإفساد، أوفي التحريض على من رفع صوته بالتكبير والتهليل من أسطح وشرفات البيوت التماسا واستمطارا للرحمات وفتحا لباب القنوت.

2) مَداخل التعاطي الفاصل

بعد التشخيص لواقع التعاطي من جهة السلب والنقد، وقبل الخوض في غمار بسط معالم الفقه الذي نريد تدقيقا في المفاهيم والمصطلحات، واستقراء للحجج والآيات، ومراعاة للمقاصد والغايات، أرى ضرورة الإقرار بدور كثير من العلماء العاملين، الذين وفقوا قولا وعملا في التعاطي السليم مع هذه الأزمة باعتماد المداخل المتعددة المتكاملة استنادا لنظرية الأبواب المتفرقة المستمدة من قوله تعالى في سورة يوسف على لسان يعقوب عليهما الصلاة والسلام ” وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ” (3) ولهذا الغرض أسوق ثلاثة مداخل فاصلة متكاملة بلا تناقض ولا تضاد، لمعالجة وتدبير هذه الأزمة اعتمدت من بعض علماء الأمة – جزاهم الله خيرا- عسى الله أن ينفع بها البلاد والعباد إن تبناها أصحاب الأمر وعممت، وأسهم العلماء في تبنيها وتنزيلها وتفعليها وهي مداخل لمشروع مبدع ينبغي أن يشجع:

المدخل الأول: مدخل تربوي تعبدي روحي

“فيروس كروونا” بلاء يستوجب توبة وأوبة ودعاء لله تعالى وتوكلا عليه، والأمر هنا يستدعي استنفار الصالحين والدعاة والوعاظ والخطباء وعموم المسلمين للتذكير بهذا الأصل الأصيل، شريطة أن يكون خطابا متوازنا لا يتناقض مع العلم ولا يروج خطابا خرافيا والمعيار الحاسم هنا هو التقوى والاستقامة والصلاح فاللهم شفع فينا خيارنا ” فرب أشعت أغبر لو أقسم على الله لأبره” (4 ) كما في الحديث الشريف

المدخل الثاني: مدخل تشريعي عملي مادي

” فيروس كروونا ” وباء يستوجب وقاية وعلاجا وتوعية، والأمر هنا يستدعي استنفار الخبراء والمتخصصين والعلماء وعموم المتدخلين رسميا وشعبيا لتسطير برامج ووضع خطط عملية والبحث عن حلول علمية، أخذا بالأسباب لأن انتقال العدوى بمشيئة الله تعالى وقدرته لا بطبعها ونفسها أمر ثابت في الشريعة والطب، فهذا الفيروس ينتقل عن طريق انتقال الرذاذ عن طريق الجهاز التنفسي، وعن طريق الاتصال المباشر بالمريض إما عبر انتقال الدم أو سوائل الجسم من خلال الغشاء المخاطي أو الجلد التالف، أو عبر اللمس ومصافحة من يعانون من السعال أو العطس، أو الملامسة غير المباشرة بواسطة استخدام أدوات المصاب كالمناديل والمناشف والآلات الخاصة به، فإذا تعرض الشخص السليم لإحدى مسببات المرض المعدي كانت إصابته به متوقعة، بقدرة الله تعالى ومشيئته، لكن قابليته للإصابة به غير مؤكدة لأنها متوقفة على عوامل كثيرة، منها مقاومة الشخص أو مناعته، وكذلك كمية أو قوة مسببات المرض، وباستحضار كل هاته الحقائق العلمية، وإعمالا لحديثي رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أنتم أدرى بأمور دنياكم”(5) و“الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها “ (6) توجب على العلماء والدعاة ضرورة توعية الناس بأهمية التزام توجيهات المختصين، فالحلول في هذه الحالة تحكمها النجاعة والجدوى بغض النظر عن الدين وإن كان للإسلام آياد بيضاء وتوجيهات عملية في هذا المضمار على مستوى التغذية تقوية للمناعة، أو على مستوى الاحتراز بتشريعه للحجر الصحي، أو على مستوى العلاج بحثه على التداوي بالمباح، والمعيار الحاسم هنا هو الكفاءة والاستحقاق والتخصص.

المدخل الثالث: مدخل تدافعي سياسي

” فيروس كروونا” ابتلاء يستوجب يقظة جماعية ورؤية استشرافية ثاقبة تتصدى لمؤامرة المستغلين للوباء سياسيا واقتصاديا من أنظمة الاستكبار العالمي والاستبداد الداخلي حتى لا يوظفوه لمآرب أخرى تحريفا للنقاش وتصريفا لقرارات جائرة وتوظيفا له خدمة لمصالحهم على حساب المستضعفين، والأمر هنا يستدعي استنفار الحكماء والفاعلين النجباء الذين يحذرون من الأضرار ويوجهون البوصلة عندما تزيغ عن الجادة، ويجلون الحقائق ويتابعون الوقائع ومن هنا نجد صوابية خطاب حتى “لا نخرج عن الموضوع” الحريص على عدم تمييع النقاش وتوظيفه الممارس من قبل بروباغندا إعلامية محكومة ومتحكم فيها بجهاز تحكم عن بعد، فعلى العلماء تجلية الحاجة إلى فقه متوازن حتى لا يتجاوز الساسة كل حد.

و كل هذه المداخل تلزمنا بتدابير وخطوات فردية وجماعية من قبيل:
* اللجوء إلى الله والإكثار من ذكره وقيام الليل والصدقة…
* التقيد بالتدابير الوقائية والعلاجية التي تعلن عنها الجهات المختصة.
* تجنب التهويل والتهوين لما لهما من أضرار وخيمة حالا ومآلا.
* إعمال قاعدة دفع المضار مقدم على جلب المصالح ومن هنا فلا حرج في ترك بعض العبادات الجماعية مؤقتا وتعليق بعض الأنشطة الجماعية كل ذلك وفق ضوابط وقواعد شرعية علمية.
* فضح خطابات وقرارات الموظفين المستغلين للوباء لمصالح اقتصادية وسياسية أيا كان صاحب هذا الخطاب أفرادا ومؤسسات وحكومات ومنظمات.
* إبداع واقتراح مبادرات مجتمعية خادمة للشعب تنويرا وتحريرا وتطويرا مع الانخراط فيها عمليا فالأعمال الناجزة على بساطتها أولى من التعاليق العاجزة على وجاهتها.
* توحيد القلوب ورص الصف الداخلي والتعاون مع الأغيار والتكافل الاجتماعي بغض النظر عن الاختلافات الإيديولوجية والسياسية فالوطن فوق الجميع وحياة الإنسان وحمايته وصون كرامته فوق التجاذبات مصداقا لقول الله تعالى: ” ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” (7) والله نسأل أن يوفقنا للخير ويدفع عنا كل شر.

3) معالم الفقه الواصل

الفقه الواصل بين الحق المبثوث في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وواقع الأمة الذي يتألم له كل ذي قلب سليم وعقل رشيد، يتجلي في الحاجة إلى فقه جامع مانع، مراع للواقع، مستحضر لسنة التدافع، هذه ثلاثة معالم للفقه الذي نريد لإدارة الأزمات المجتمعية التي تعيشها الإنسانية حتى نكون حقا ملاذا أخلاقيا للأمم، صغتها على عجل ولي معها عودة بنية التفصيل ومزيد من التأصيل، أدعو سادتي العلماء لإعمالها وإنزالها وندعو الإنسانية لاستلهامها عند الحديث عن البلاء وهي:

المعلم الأول: في الحاجة إلى فقه جامع

فالناس حين نزول البلاء ينقسمون إلى أقسام: قسم والعياذ بالله محروم من الخير يقابل البلاء بالتسخط وسوء الظن بالله واتهام القدر فينقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة، وقسم موفق يقابل البلاء بالصبر وحسن الظن بالله والاستعداد للآخرة جعلني وإياكم من الموفقين، وقسم راض بقدر الله يقابل البلاء بالرضا والشكر، وهو أمر زائد على الصبر، ولا سبيل لبلوغ ذلك المقام إلا بفقه جامع قائم على أسس عشر، أكتفي ببعضها لظروف النشر وهي:

  • معرفة الحكمة من البلاء

فعن سيدنا سفيان رضي الله عنه قال: ” ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة “(8) فالله تعالى يبتلي ليهذب لا ليعذب، فالابتلاء كفارة وطهور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة”(9) كما أنه دليل محبة ومحبوبية والمحب لا يضجر من فعل حبيبه قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:” إذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع” (10) والابتلاء أيضا دليل على الخيرية والمنزلة العالية لقوله عليه الصلاة والسلام: ” إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها”(11) لذلك لا أرى تناقضا بين القائلين بأن البلاء ابتلاء إيذاء والقائلين بأنه ابتلاء اصطفاء متى أعملنا الفقه الجامع.

  • الموازنة بين الرضا بالقدر من غير تحسر، وبين الأخذ بالأسباب لرفع البلاء من غير ضجر

فهذا سيدنا يحي بن معاذ يقول: ” يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت! وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت”(12) فلا تناقض في الفقه الجامع بين التوجه إلى الله بالذكر والتوبة والدعاء لرفع البلاء، وبين التوجه إلى الأطباء والخبراء بحثا عن الدواء والشفاء.

  • فقه جامع بين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة

فقه يزاوج بين الزهد في الدنيا وتطليقها ثلاثا لأنها دار ممر لا دار مقر، دار فناء لا دار بقاء، وبين العمل بكل جهد على تحصيل متاعها وجعلها وعاء للكنوز والمدخرات الباقية، والاستمتاع بها حالا ومآلا، عاجلا وآجلا، لذلك لا أرى بمقتضيات الفقه الجامع حرجا في حديث العلماء عن الموت وأحكامه، وربط الناس بالآخرة والمعاد، مع توجيههم الناس للأخذ بكل السبل الشرعية لحمايتهم من الموت، لأن الموت والتداوي كلاهما حق وشرع، والحق لا يضاد الحق، بل يكمله ويعضده، يقول ابن الجوزي رحمة الله عليه:“أما بعد فإني رأيت عموم الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجا يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت ! وهل ينتظر الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود سوى العدم”(13).

  • فقه شامل لجميع الميادين الفردية والجماعية

فقه يستهدف العامة والخاصة، وينشد الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، ويسعى لإبطال واقع موبوء موجود، ويعمل على إيجاد واستشراف بديل مفقود، وإلى هذا الفقه يدعو الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى حين يقول: ” نحتاج إلى اجتهاد مشفوع بجهاد يبْصر الأمور في شمولها، ويستنبط الأحكام من أصولها. من لنا بفقه يستفيد من ذخائر أئمتنا دون أن يقف معها، وينحبس في أفقها، ويقلد طرائقها في التفريع وتفريع التفريع إلى أن يغيب عن المنظر المشهد الكلي والأهداف الكلية، والغاية النهائية!.… من لنا بفقه واجتهاد وجهاد، يتتلمذ مباشرة لاجتهاد الصحابة رضي الله عنهم، وخاصة اجتهادِ الخلفاء الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم” (14).

 

المعلم الثاني: في الحاجة إلى فقه الواقع

أقصد بفقه الواقع ما ذهب إليه الأستاذ عمر عبيد حسنه بقوله: ” فالنزول إلى الميدان وإبصار الواقع الذي عليه الناس، ومعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم واستطاعاتهم وما يعرض لهم، وما هي النصوص التي تتنزل عليهم في واقعهم، في مرحلة معينة، وما يؤجل من التكاليف لتوفير الاستطاعة، إنما هو فقه الواقع، وفهم الواقع، إلى جانب فقه النص” (15) هذا الأمر يتطلب من العلماء صحبة للشعب وتفاعلا مع قضاياهم بدراسة الواقع المعيش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات، التي تيسر لهم الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس وما يعترضها وما يواجهها، كما يتطلب رفقا وتدرجا ومرونة وحكمة في التعاطي مع قضايا الأمة، تسديدا ومقاربة، ومدافعة ومصانعة، من غير تنازل عن شرع الله مآكلة ومشاربة، ويشهد لهذا المعلم ما روي عن السلف والأئمة المتّبعين بإحسان، من استحباب الأخذ بالرُخص خاصة في أزمنة الأزمات ومن ذلك، قول قتادة رحمه الله: “ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم” (16)، وقول سفيان الثوري رحمه الله: “إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة. فأما التشديد فيُحسنه كل أحد” (17)، وقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: ” إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصداً العدول عن الحرام لحاجته إليه فإنّه يثاب على ذلك” (18)

المعلم الثالث: في الحاجة إلى فقه التدافع

لا يخفى على كل ذي رأي سديد، الهجمة الشرسة والبشعة التي تستهدف الإسلام والمسلمين خلال هذه السنوات الأخيرة بحروب ساخنة بسخونة الأسلحة الفتاكة الساعية لاستئصال البشر والشجر، وحروب باردة ببرودة الخونة الموظفين لتشويه الإسلام والطعن في أهله بالمكر والغدر، وقد استغل أعداء الدين هذا الوباء وزلات بعض المسلمين في التعامل معه ممارسة وخطابا، وتولي علماء الأمة عن مناقشة مسائل العصر ومستجداته، أو مناقشتها بآليات ولغة متجاوزة، استغلوا كل ذلك لشن حملة ممنهجة ومنظمة تتهم الشريعة بالتخلف والجمود وتدعو لتجاوزها وطرحها جملة وتفصيلا لأنها أصبحت متجاوزة لا تواكب العصر. الأمر الذي يستوجب عزمة حانية وقومة بانية لعلماء الأمة للذود عن الشريعة من خلال فقه أصيل مواكب للعصر، ينافح عن حوزة الإسلام بلين من غير ضعف، وقوة بلا عنف. والله نسأل أن يوفق علماء الأمة لما كلفوا به من تبليغ إرث النبوة حتى يصيروا للأمة وشباب الصحوة نعم القدوة.


(1) سورة المائدة الآية 48

(2) رواه مسلم في صحيحه

(3) سورة يوسف الآية 67

(4) رواه مسلم في صحيحه

(5) رواه مسلم في الصحيح

(6) رواه الترمذي وابن ماجه

(7) سورة المائدة الآية 32

(8) سير أعلام النبلاء 306/13

(9) [رواه الترمذي وصححه الألباني، صحيح الجامع 5815

(10) رواه أحمد وصححه الألباني

(11) أخرجه أبو داوود في سننه وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة

(12) [صفة الصفوة 295/ 2

(13) تسلية أهل المصائب 1/71

(14) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات 2/ 93

(15) عمر عبيد حسنة في تقديم كتاب الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي، لعبد المجيد الشرفي،

(16) انظره في: تحفة المولود، ص: 8

(17) آداب الفتوى للنووي، ص: 37

(18) مجموع الفتاوى: 7 / 48

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.