منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهوم الاستثناء وأثره في اختلاف العلماء في توجيه الأحكام الشرعية دراسة تطبيقية

اشترك في النشرة البريدية

مقدمة

الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين المنعم عليهم، وصل اللهم وسلم على النعمة المسداة والرحمة المهداة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أمين.

إن الله تعالى أنزل القرآن الكريم خاتمة الشرائع، وجعله صالحا لكل زمان ومكان، يسره الله لعباده لمعرفة الحلال والحرام بنصوص وقواعد شاملة لكل ما جد من الوقائع، يتعرف العلماء أحكام الشريعة وحكمها بطريق الاجتهاد لبيان تفاصيل أحكام الوقائع المستحدثة، لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية وهي لا تخلو من حكم الله تعالى.

وقد تميزت الحضارة الإسلامية بانبثاقها من أصل واحد، حفظ لها خصائصها وأصولها وفروعها، فالقرآن والسنة النبوية كانا القطب والمحور الذي تدور حوله العلوم، فشق في كل علم مجرى يتشعب في اتجاهات مختلفة تعود كلها لتصب في قناة واحدة، وهي خدمة الشريعة الإسلامية.

فعلوم اللغة والفقه والأصول والتفسير والحديث، جميعا نشأت خدمة للقرآن الكريم فهما وتنزيلا، وحفظه من التحريف. فالتداخل بين هذه العلوم ضل مكينا، نالت علوم اللغة بذلك الترابط حظوة لدى العلماء والباحثين قديما وحديثا، فلم تكن غايتهم حفظ كتاب الله وسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم من اللحن فحسب، بل كان الهدف أسمى وأكبر، تمثل في تأسيس نظرية لغوية متكاملة في فهم الخطاب الشرعي، والوقوف على أسراره ومقاصده، وفقه تنزيله.

مفهوم الاستثناء وأقسامه

لابد من تعريف الاستثناء وتحديد مفهومه لغة واصطلاحا وذكر أقسامه قبل الدخول في تطبيقاته.

المطلب الأول: مفهوم الاستثناء لغة واصطلاحا

الاستثناء في اللغة: هو ثني الشيء ورد بعضه على بعض، قال تعالى:﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ ﴾[1]، قال الفراء: نزلت في بعض من كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم بما يجب وينطوي على العداوة والبغض، فهذا الثني يعني الإخفاء، وعن الزجاج قال: “يثنون صدورهم يجنون ويطوون ما فيه ويسترونه استخفاء من الله بذلك”[2].

قال ابن منظور: وأصله من ثنيت الشيء إذا أحنيته وعطفته وطويته، والثناية بدون همزة وبهمزة ثناءة”[3]، وقال الكفوي: “الاستثناء في اللغة: المنع والصرف”[4]، وقال في موضع آخر:” وَالِاسْتِثْنَاء إِيرَاد لفظ يَقْتَضِي رفع مَا يُوجِبهُ عُمُوم اللَّفْظ، أَو رفع مَا يُوجِبهُ اللَّفْظ”[5].

ومعنى قوله المنع هو أنه يمنع دخول كلام في كلام آخر ويصرفه إلى وجهة أخرى.

أما التعريف الاصطلاحي فقد عرفه عدد من النحاة والفقهاء، قال الزجاج: “الاستثناء إخراج الثاني مما دخل فيه الأول بالأدوات التي وضعها العرب لذلك”[6].

قال ابن مالك: “هو المخرج تحقيقا أو تقديرا من مذكور ب(إلا) أو ما بمعناها بشرط الفائدة، فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل، وإلا فمنفصل مقدر الوقوع بعد “لكن” عند البصريين وبعد سوى عند الكوفيين”[7].

وعرفه الرضي شارح كافية ابن الحاجب: “حقيقة المستثنى متصلا كان أو منقطعا هو المذكور بعد إلا وأخواتها مخالفا لما قبله نفيا وإثباتا”[8].

قال ابن حزم(ت:456ه): “الاستثناء: هو تخصيص بعض الشيء من جملته، أو إخراج شيء ما مما أدخلت فيه شيء آخر”[9]، فالاستثناء هو إخراج شيء وتخصيصه من مجموعة أشياء من جنسه أو من غير جنسه، وينقسم الاستثناء بهذا الاعتبار إلى قسمين:

  • استثناء منقطع “هو استثناء الشيء من غير جنسه ونوعه المخبر عنه. قال ابن حزم: “إن استثناء الشيء من غير جنسه ونوعه المخبر عنه جائز”[10]. مثاله قوله تعالى:{فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس}، فقد استثنى الحق تعالى إبليس من مجموع الساجدين وهو ليس من جنسه خلقة وخلقا، فالاستثناء يدل على أن حكم المستثنى ليس هو حكم المستثنى منه .
  • استثناء متصل: وهو استثناء الشيء من جنسه، مثاله: أكلت الرغيف إلا نصفه، فنصف الرغيف مستثنى والرغيف مستثنى منه، وبينهما علاقة جزء بكل، أو تخصيص جزء من كل.

وبين الخصوص والاستثناء فرق بينه ابن حزم بقوله: “وأما التخصيص: فهو أن يخص شخص أو أشخاص من سائر النوع(…) وأما الاستثناء: فهو ما جاء بلفظ عام ثم استثني منه بعض ما يقع عليه ذلك اللفظ(…) إلا أن التخصيص إذا حقق فيه النظر فهو استثناء صحيح”[11].

 

 

المطلب الثاني: أثر الاستثناء في توجيه الاختلاف في الأحكام الشرعية

نماذج تطبيقية:

أولا: أثر الاستثناء في تفصيل أحكام المعاملات المالية الجائزة والربوية

قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾[12]، دلت الآية بمنطوقها على حرمة المعاملات المالية الربوية، وأحل المعاملات المالية التجارية القائمة على التراضي، وهذه الآية لا يجوز فيها مفهوم المخالفة، والتجارة مستثناة من الأموال والمعاملات الباطلة، واختلف النحاة في نوع الاستثناء، هل هو متصل أم منفصل؟

قال الأخفش: “(إلا أن تكون تجارة ) استثناء خارج من أول الكلام، و(تكون) هي (تقع) في المعنى وفي (كان) التي تحتاج إلى خبر فلذلك رفع التجارة”[13]، فالتجارة لم تدخل في النهي لأنها ليست أكل الأموال بالباطل، بل هي مبادلة مباحة. وإليه أشار ابن جرير الطبري(ت310) بقوله: “إلا أن تكون تجارة عن تراض قرئ بالنصب والرفع، فمن قرأها بالنصب كان تقديره، إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض، فتكون التجارة الواقعة عن تراض مستثناة من النهي عن أكل المال، إذا كان أكل المال بالباطل قد يكون من جهة التجارة ومن غير جهة التجارة، فاستثنى التجارة من الجملة، وبين أنها ليست أكل المال بالباطل، ومن قرأها بالرفع كان تقديره إلا أن تقع تجارة كقول الشاعر:

فِدَى لبني شَيْبانَ رحْلِي وناقتِي         إذا كان يومُ ذو كواكبِ أشهبُ

يعني: إذا حدث يوم كذلك.

وإذا كان معناه على هذا كان النهي عن أكل المال بالباطل على إطلاقه لم يستثن منه شيء، وكان ذلك استثناء منقطعا بمنزلة لكن إن وقعت تجارة عن تراض فهو مباح”[14]، إذا قرئت (التجارة) بالنصب زاد في السياق ذكر المحذوف وتقديره ب(الأموال)، فتكون التجارة مستثناة من النهي، ومن قرأها بالرفع قدر المحذوف ب(تقع) فرفعت التجارة، وكان النهي عاما في كل مال باطل سواء كان تجارة أو غيرها لم يستثن شيئا، والاستثناء منقطع بمنزلة لكن إن وقعت تجارة عن تراض فهو مباح، كما ذكر الطبري.

قال الزمخشري: “إلا أن تقع تجارةٌ، وقرئ تجارة، إلا أن تكون التجارة تجارة (عن تراض منكم) والاستثناء منقطع معناه، لكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم”[15]، الاستثناء عنده منقطع تقدير الكلام اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم. وذكر الرازي أن للاستثناء في هذه الآية وجهان: “استثناء منقطع، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال الباطل، فكان (إلا) ههنا بمعنى (بل)، والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض. والثاني: أن من الناس من قال: الاستثناء متصل وأضمر شيئا، فقال التقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض”[16].

وتبعه القرطبي بقوله: “هذا استثناء منقطع، أي ولكن تجارة عن تراض، والتجارة هي البيع والشراء، وهذا مثل قوله تعالى:﴿ وأحل البيع وحرم الربا﴾”[17]، واختاره أبو حيان قال: “هذا استثناء منقطع لوجهين: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل فتستثنى منها سواء أفسرت قوله بالباطل بغير عوض كما قال: ابن عباس، أم بغير طريق شرعي كما قاله غيره. والثاني: أن الاستثناء إنما وقع على الكون، والكون معنى من المعاني ليس مالا من الأموال. ومن ذهب إلى أنه استثناء متصل فغير مصيب لما ذكرناه. وهذا الاستثناء المنقطع لا يدل على الحصر في أنه لا يجوز أكل المال إلا بالتجارة فقط، بل ذكر نوع غالب من أكل المال به وهو: التجارة، إذ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها”[18]، فالاستثناء منقطع عنده للتبريرين اللذين أوردهما، قال ابن عاشور: “والاستثناء في قوله: إلا أن تكون تجارة منقطع، لأن التجارة ليست من أكل الأموال بالباطل، فالمعنى: لكن كون التجارة غير منهي عنه. وموقع المنقطع هنا بين جار على الطريقة العربية، إذ ليس يلزم في الاستدراك شمول الكلام السابق للشيء المستدرك ولا يفيد الاستدراك حصرا، ولذلك فهو مقتضى الحال. ويجوز أن يجعل قيد الباطل في حالة الاستثناء ملغى، فيكون استثناء من أكل الأموال ويكون متصلا، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر إباحة أكل الأموال في التجارة، وليس كذلك، وأياما كان الاستثناء فتخصيص التجارة بالاستدراك أو بالاستثناء لأنها أشد أنواع أكل الأموال شبها بالباطل، إذ التبرعات كلها أكل أموال عن طيب نفس، والمعاوضات غير التجارات كذلك لأن أخذ كلا المتعاوضين عوضا عما بذله للآخر مساويا لقيمته في نظره يطيب نفسه. وأما التجارة فلأجل ما فيها من أخذ المتصدي للتجار مالا زائدا على قيمة ما بذله للمشتري قد تشبه أكل المال بالباطل فلذلك خصت بالاستدراك أو الاستثناء”[19]، والتجارة ليست من جنس الباطل، قال الآمدي: “والتجارة ليست من جنس الباطل وقد استثناه منه”[20].

اختلف العلماء كما رأينا في استثناء التجارة من الأموال الحرام والمعاملات الباطلة، وذلك يرجع إلى الدليل النحوي، فبعضهم يرى أن الاستثناء متصل، أي أن التجارة تدخل في عموم الأموال، لكن استثناها من المعاملات الباطلة، والفريق الثاني: رجح الاستثناء المنقطع، أي أن التجارة ليست من جنس الأموال التي يلحقها البطلان في المعاملة، وهؤلاء يقدرون الاستثناء المنقطع ب(لكن) المخففة. والمرجح هو اعتبار الاستثناء منقطع، وذلك أن عددا كثيرا من اللغويين والمفسرين والأصوليين رجحوا الاستثناء المنقطع، كما أن: “الاستثناء المنقطع أنسب للمقام في هذه الآية، فالتجارة الموصوفة بالتراضي – التي هي مستثنى- ليست من جنس الأموال

المأكولة بالباطل التي هي مستثنى منه”[21]، واعتبر أبو جعفر النحاس “النصب بعيد من جهة المعنى”[22].

ثانيا: أثر الاستثناء في تفصيل حدود الحرابة

” قوله تعالى:﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[23]، هذا الاستثناء وارد بعد التفصيل في عقوبات وحدود الحرابة، وقد اختلف العلماء في هذا الاستثناء، هل يستثنى من كل العقوبات المذكورة أم يستثني من بعضها دون الآخر؟ قال الزمخشري:” استثناء من المعاقبين عقاب قطع الطريق خاصة، وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء، إن شاءوا عفوا، وإن شاءوا استوفوا”[24] استثناء من عقوبة قاطع الطريق دون الحدود الأخرى، وحجة الزمخشري ما استشهد به من الأثر المروي عن علي، قال: “وعن علي رضى اللَّه عنه: أن الحارث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة”[25]. قال الجصاص: “استثناء لمن تاب منهم من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة من أوجب الله عليه الحد لأن الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته الجملة منها”[26]. وذهب ابن عاشور إلى أنه استثناء يسري على الحكمين: “والاستثناء بقوله: إلا الذين تابوا راجع إلى الحكمين خزي الدنيا وعذاب الآخرة، بقرينة قوله: من قبل أن تقدروا عليهم، لأن تأثير التوبة في النجاة من عذاب الآخرة لا يتقيد بما قبل القدرة عليهم. وقد دلت أداة الاستثناء على سقوط العقوبة عن المحارب في هذه الحالة فتم الكلام بها، خزي لأن الاستثناء كلام مستقل لا يحتاج إلى زيادة تصريح بانتفاء الحكم المستثنى منه عن المستثنى في استعمال العرب، وعند جمهور العلماء. فليس المستثنى مسكوتا عنه كما يقول الحنفية، ولولا الاستثناء لما دلت الآية على سقوط عقوبة المحارب المذكورة. فلو قيل: فإن تابوا، لم تدل إلا على قبول التوبة منهم في إسقاط عقاب الآخرة”[27].

اختلف العلماء في هذه الآية على آراء: الأول: يمثله كبار الصحابة كابن عباس، ومجاهد وقتادة من التابعين، وهذا الرأي يرى أن الاستثناء وقع لأهل الشرك إذا فعلوا شيئا في حال شكرهم ثم تابوا بعد ذلك وأسلموا فإن الله غفور رحيم. قال الطبري: “إلا الذين تابوا من شركهم ومناصبتهم الحرب لله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد، بالإسلام والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها الله جزاء لمن حاربه ورسوله وسعى في الأرض فسادا، من قتل أو صلب أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، وبهذا الفهم يكون عندنا مقدر مغيب من ظاهر النص أي: يكون عندنا شبه جملة مقدرة تحدد دلالة الاسم الموصول إذ المعنى إلا الذين تابوا من أهل الكفر”[28]، فالاستثناء في الآية إذن ووفقا لما ذكر ابن جرير الطبري، استثناء منقطع ، والاسم الموصول (الذين) لا علاقة له بما قبله، وبعد (إلا) جملة، باعتبار الذين مبتدأ خبره جملة (فاعلموا أن الله غفور رحيم) والعائد محذوف: أي غفور لهم وحينئذ يكون استثناء منقطعا بمعنى: لكن التائب يغفر له”[29].

الرأي الثاني: ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الآية تعني الحُرَّابُ من أهل الإسلام من قطع منهم الطريق، وهذا مذهب الشافعي، نقله عنه الرازي، قال:” قال الشافعي رحمه الله، لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم (…) فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو”[30]، فالاستثناء على حسب هذا الرأي استثناء متصل، أي أن الاسم الموصول يعود على المحاربين، و(الذين) في موضع الاستثناء، وعلى هذا الاستثناء المتصل تقبل توبة المحارب،” فإذا تابوا قبل القدرة على أخذهم سقط عنهم ما ترتب على الحرابة، وهذا فعل علي رضي الله عنه بحارث بن بدر العراني، فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا”[31] .

المذهب الثالث: ذهب إلى أنهم الحراب الذين حاربوا بأرض الشرك، قال الطبري(ت:310هـ): “معنى ذلك: كل من جاء تائبا من الحراب قبل القدرة عليه مستسلما تاركا للحرب”[32]، و(كل) في كلام الطبري من ألفاظ العموم، أي يشمل المحارب مسلما كان أو غير مسلم، وهو مذهب ابن كثير (المتوفى: 774هـ)، إذ اعتبر اللفظ عاما وأن الآية يقصد بها “كل من تاب من المسلمين وأهل الشرك قبل القدرة عليهم، ثم إن المسلمين إذا تابوا قبل القدرة عليهم يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، أما سقوط قطع اليد ففيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة”[33]، فالذين تابوا في الآية يدل سياقها على عمومها، كما دل على وجود محذوف يمكن تقديره لبيان جنس الاسم الموصول (الذين)، فيقدر بشبه جملة مع الجملة التي تبين الحال، وعن هذا المقدر قال ابن العربي المعافري (ت:523هـ): “إلا الذين تابوا من المسلمين أو غيرهم وقد حاربوا بأرض الشرك”[34].

فالاستثناء في هذه الآية ولَّد اختلافا بين العلماء في الحكم الشرعي، والآية تحمل على الجمع وهو المذهب الذي أميل إليه، على أن هذا ليس إقصاء للآراء والاجتهادات الأخرى، بل كلها صحيحة، فطبيعة النص القرآني ومرونة قواعده اللغوية والشرعية هي التي تفرض هذا الاتساع في الفهم والتنزيل، وتعدد الأفهام محمود إذا انضبط بضوابط وقواعد التأويل الشرعي، و التي تعتبر اللغة من أهم هذه الضوابط. والقرآن الكريم من خصائصه الغنى الدلالي، به يستوعب مجموعة لا نهائية من التأويلات، وهذا عين تدبره وفقه معانيه.

ثالثا: أثر دلالة الاستثناء في حكم شهادة القاذف:

قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[35]، نصت الآية على عقوبة الذين يقعون في أعراض المحصنات ويفترون عليهن بدون بينة، والعقوبة المنصوصة عليها: ثمانون جلدة وعدم قبول الشهادة، واعتبارهم من الفاسقين، ثم جاء الاستثناء بعد هذه العقوبات، وهنا اختلف العلماء هل تقبل شهادة التائب أم لا؟

أشار أبو الفتح القنوجي(المتوفى:1307هـ) إلى أن في المسألة اختلافا بين العلماء، قائلا: “إن الاستثناء يعود على الفسق فقط في قول أهل العراق وإلى الفسق وعدم قبول الشهادة جميعا في قول أهل الحجاز”[36]، وقصد بأهل العراق هنا الحنفية ، إذ يقبلون شهادة القاذف، وأما مالك والشافعي من الحجاز فيعتبرون القاذف فاسقا لا تقبل له شهادة حتى بعد التوبة، قال الطبري:”قال بعضهم استثنى من قوله تعالى(ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون) وقالوا إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق، حد فيه أو لم يحد”[37]، والذي فصل القول فيه بشكل كبير، هو أبو حيان، قال:” (إلا الذين تابوا) هذا استثناء يعقب جملا ثلاثة، جملة الأمر بالجلد وهو لو تاب وأكذب نفسه لم يسقط عنه حد القذف، وجملة النهي عن قبول شهادتهم أبدا وقد وقع الخلاف في قبول شهادتهم إذا تابوا بناء على أن هذا استثناء راجع إلى جملة النهي وجملة الحكم بالفسق أو هو راجع إلى الجملة الأخيرة وهي الثالثة، وهي الحكم بفسقهم، والذي يقتضيه النظر أن الاستثناء إذا تعقب جملا يصلح أن يخصص كل واحد منها بالاستثناء أن يجعل تخصيصا في الجملة الأخيرة”[38]، وخلاصة كلام أبي حيان أن الاستثناء عائد على الجملة الأخيرة،  “وليس يقتضي ظاهر الآية عود الاستثناء إلى الجمل الثلاث، بل الظاهر هو ما يعضده كلام العرب وهو الرجوع إلى الجملة التي تليها”[39].

فالاستثناء في هذه الآية ورد بعد جمل ثلاثة معطوف بعضها على بعض، وقد اختلف فيها أئمة اللغة والتفسير، وعليه تحدث الإمام السيوطي(ت:911هـ) في “الهمع” قائلا: “إذا ورد الاستثناء بعد جمل عطف بعضها على بعض، فهل يعود على الكل؟  فيه مذاهب: أحدها وهو الأصح، نعم، وعليه ابن مالك إلا أن يقوم دليل على إرادة بعضهم، قال تعالى { والذين يرمون المحصنات….} عائد إلى فسقهم وعدم قبول شهادتهم معا إلا في الجلد، لما قام عليه من الدليل”[40]، وهذا مذهب الحنفية فهم يعملون القاعدة النحوية في ترجيح مذهبهم وإليه ذهب ابن الهمام (المتوفى: 861هـ) بقوله : “وأصله أن الاستثناء في قوله تعالى:{إلا الذين تابوا} ينصرف إلى الجملة الأخيرة أو إلى الكل؟ والمسألة محررة في الأصول، وهي أن الاستثناء إذا تعقب جملا متعاطفة ينصرف إلى الكل أو إلى الأخيرة؟ عندنا إلى الأخيرة”[41]، وقد رد كبار المالكية قول الحنفية في هذه المسألة وجادلوهم انطلاقا من المسائل النحوية، فابن العربي المعافري أرجع الاستثناء إلى الكل قائلا: “وهي مسألة نحوية لا حظ لغير النحو فيها، وذلك أن المعطوف يشرك المعطوف عليه فيما وقع الخبر به عنه، وظن أبو حنيفة أن ذلك بمنزلة الضمير الذي يرجع إلى أقرب مذكور، فيختص به منها ما يحتمل الرجوع إلى ما تقدم، فيحكم كذلك به، وباب العطف بخلافه لأنه لا احتمال فيه لغير الاشتراك”[42]. فالخلاف قائم بين العلماء في هذه المسألة وقد رأينا كيف احتج الحنفية باللغة لإثبات رأيهم، وكذلك المالكية احتجوا باللغة لإثبات صحة رأيهم، والقاعدة المشهورة عندهم أنه لا إنكار في المسائل الخلافية، لا نغلب رأيا على آخر كلها اجتهادات فيها محل من الصواب.

 

 

خاتمة

  • خلصت في هذه الدراسة إلى جملة استنتاجات هي كالآتي:
  • القواعد النحوية ساهمت في اختلاف العلماء في فهم النص الشرعي، ويعتبر الفقه الإسلامي أكبر جانب علمي استفاد من التراث النحوي، حيث جعل الدرس النحوي إجرائيا، يعمل داخل النصوص، والقواعد مسخرة في الكشف عن المعنى في القرآن الكريم، والبحث عن أسرار التشريع. ولا يمكن الوقوف على أكثر مقاصد الوحي إلا من خلال النحو وقواعده.
  • أكثر اختلافات الفقهاء في الأحكام الشرعية كان بسبب القواعد النحوية، وهذا الاختلاف متناسب مع اتساع خطاب التكليف.كما أن القاعدة النحوية غالبا ما تحسم بعض الخلافات بين الفقهاء، فترجح كفة مذهب على مذاهب أخرى.
  • ساهمت قاعد الاستثناء في بيان تفاصيل بعض الأحكام الشرعية، كما فكت اختلافات كثير بين العلماء، إذ اللغة مفزع المجتهد إذا اقتدح زناد المحاججة.
  • القاعدة النحوية تتمتع في النص الشرعي بالمرونة، بحيث يخرج العلماء أحكاما متعددة تتناسب واتساع وسماحة الشريعة الإسلامية.

 

 

 

 

 

 

مصادر ومراجع

المزيد من المشاركات
1 من 39
  • القرآن الكريم
  • ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، ت: حسين علي اليدري – سعيد فودة، دار البيارق – عمان، ط: الأولى، 1420هـ – 1999.
  • ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ت: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت، الط: 1 – 1419هـ.
  • ابن مالك، شرح تسهيل الفوائد، دار الهجرة للطباعة، ت: محمد بدوي وآخرون، ط1.
  • ابن منظور (المتوفى: 711هـ)، لسان العرب، لناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414 هـ.
  • أبو البقاء الكفوي (ت: 1094هـ)، الكليات، ت: عدنان درويش – محمد المصري، مؤسسة الرسالة – بيروت.
  • أبو القاسم الزجاج، الجمل النحوية، ت: على توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة، دار الأمل، ط:1، سنة،1404ه-1984م.
  • أبو بكر الجصاص (المتوفى: 370هـ)، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ط:1، 1415هـ/1994م.
  • أبو بكر بن العربي، أحكام القرآن، ت: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ – 2003م.
  • أبو جعفر النحاس (المتوفى: 338هـ)، إعراب القرآن الكريم، ت: عبد المنعم خليل إبراهيم، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ.
  • أبو جعفر النحاس (المتوفى: 338هـ)، إعراب القرآن، علق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ.
  • أبو حيان، البحر المحيط، المحقق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر – بيروت، الطبعة: 1420 هـ.
  • الأخفش(ت:215هـ)، معاني القرآن، ت: الدكتورة هدى محمود قراعة، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1411 هـ – 1990 م.
  • الأستربادي رضي الدين، شرح الرضي لكافية ابن الحاجب، ت: حسن بن محمد إبراهيم الحفظي ويحيى بشير مصطفى، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ط:1، سنة 1417ه/1966م.
  • جلال الدين السيوطي، همع الهوامع شرح جمع الجوامع، ت: عبد الحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية – مصر.
  • الرازي (المتوفى: 606هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1420 هـ.
  • الزمخشري، الكشاف، لناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1407 هـ.
  • السمين الحلبي (ت: 756هـ)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، ت: الدكتور أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق.
  • الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الناشر : الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: 1984 هـ.
  • القرطبي (المتوفى: 671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، ت: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م.
  • الكمال بن الهمام، فتح القدير، دار الفكر، بدون طبعة.

[1] – سورة هود، الآية 05

[2] – أبو جعفر النحاس (المتوفى: 338هـ)، إعراب القرآن، علق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ، ج2/161.

[3] – ابن منظور، لسان العرب، فصل (الثاء المثلثة) ج14/116.

[4] – أبو البقاء الكفوي (ت: 1094هـ)، الكليات، ت: عدنان درويش – محمد المصري، مؤسسة الرسالة – بيروت، ص91.

[5] – نفسه، ص91.

[6] – أبو القاسم الزجاج، الجمل النحوية، ت: على توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة، دار الأمل، ط:1، سنة،1404ه-1984م. ج2/248.

[7] – ابن مالك، شرح تسهيل الفوائد، دار الهجرة للطباعة، ت: محمد بدوي وآخرون، ط1، ج2/264.

[8] – الأستربادي رضي الدين، شرح الرضي لكافية ابن الحاجب، ت: حسن بن محمد إبراهيم الحفظي ويحيى بشير مصطفى، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ط:1، سنة 1417ه/1966م.ج2/224.

[9] – ابن حزم (ت: 456هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، ج4/10.

[10] – ابن حزم، الإحكام، ج4/397.

[11] – ابن حزم، الاحكام في أصول الأحكام، ج4/444.

[12] – سورة النساء، الآية:29.

[13] – الأخفش(ت:215هـ)، معاني القرآن، ت: الدكتورة هدى محمود قراعة، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1411 هـ – 1990 م،ج1/253.

[14] – ابن جرير الطبري، تفسير الطبري، ج8/219.

[15] – الزمخشري، الكشاف، ج1/502

[16] – الرازي (المتوفى: 606هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1420 هـ، ج10/57.

[17] – القرطبي (المتوفى: 671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، ت: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م. ج5/151.

[18] – أبو حيان، البحر المحيط، ج3/610.

[19] – الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج5/23-24.

[20] – الآمدي (المتوفى: 631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، ج2/293.

[21] – عبد الرحمن السعدي، أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الحكم الشرعي، دار عمار للنشر والتوزيع –عمان، ط:1، سنة 1421ه/ 2000م.  ص198.

[22] – أبو جعفر النحاس (المتوفى: 338هـ)، إعراب القرآن الكريم، ت: عبد المنعم خليل إبراهيم، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 هـ، ج1/410.

[23] – سورة المائدة، الآية:34.

[24] – الزمخشري، الكشاف، ج1/628.

[25] – المصدر نفسه، ج1/628.

[26] – أبو بكر الجصاص (المتوفى: 370هـ)، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ط:1، 1415هـ/1994م. ج2/516.

[27] – الطاهر بن عاشر، التحرير والتنوير، ج6/186.

[28] – ابن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل أي القرآن، ج10/277-278.

[29] -السمين الحلبي (ت: 756هـ)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، ت: الدكتور أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، ج4/252.

[30] – الرازي، مفاتيح الغيب، ج11/348.

[31] – أبو حيان، البحر المحيط، ج4/242.

[32] – الطبري، جامع البيان، ج10/280.

[33] – ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ت: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت، الط: 1 – 1419هـ، ج3/92.

[34] – أبو بكر بن العربي، أحكام القرآن، ت: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ – 2003م.ج2/101.

[35] – سورة النور، الآية:4- 5

[36] – القنوجي (المتوفى: 1307هـ)، الروضة الندية، دار المعرفة، ج2/.263.

[37] – ابن جرير الطبري، جامع البيان، ج19/103.

[38] – أبو حيان، البحر المحيط، ج8/290.

[39] – المصدر نفسه، ج8/290.

[40] – جلال الدين السيوطي، همع الهوامع شرح جمع الجوامع، ت: عبد الحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية – مصر، ج2/263.

[41] – الكمال بن الهمام، فتح القدير، دار الفكر، بدون طبعة، ج7/400-401.

[42] – ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، ت: حسين علي اليدري – سعيد فودة، دار البيارق – عمان، ط: الأولى، 1420هـ – 1999 ج1/36.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.