منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سورة القدر

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعدُ:

وربك يخلق ما يشاء ويختار:

المزيد من المشاركات
1 من 2

خلق الله السماوات سبعًا، واختار السماء السابعة منها فكرَّمها وشرفها على سائر السماوات، واختصها بالقرب منه سبحانه.

وربك يخلق ما يشاء ويختار، وخلق الله الجنان – اللهم اجعلنا من أهل الجنان؛ لأنها ليست جنة بل جنان – واختار جنة الفردوس من بين هذه الجنان، فكرمها وشرفها وفضلها على سائر الجنان، فجعل عرشه فوقها.

وربك يخلق ما يشاء ويختار، وخلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة: نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا، واصطفى من أولي العزم الخليلين الحبيبين إبراهيم ومحمدًا، ثم اصطفى محمدًا ففضله على سائر الخلق.

وربك يخلق ما يشاء ويختار، وخلق الله الشهور واصطفى شهر رمضان فكرمه على سائر الشهور، وخلق الله الأيام واصطفى يوم عرفة ففضله على سائر أيام العام، واصطفى يوم الجمعة ففضله على سائر أيام الأسبوع، وخلق الله الليالي واختار ليلة القدر فشرفها وكرمها وفضلها على سائر الليالي، اسمع إلى مولانا – تبارك وتعالى – يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر ِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾  [القدر: 1-5].

وَللهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لَيْلَةٌ                   لَقَدْ عَظُمَتْ قَدْرًا كَمَا مُلِئَتْ خَيْرًا

فَطُوبَى لِقَوْمٍ أَدْرَكُوهَا وَشَاهَدُوا                 تَنَزُّلَ أَمْلاَكِ السَّمَا آيَةً كُبْرَى

فهي ليلة عظيمة القدر عند الله، وإنها لخسارة كبرى أن ينقضي شهر رمضان فلا يُدخلنا الفردوس الأعلى، وإنه لخسارة فادحة علينا أن ينقضي شهر الصيام ولا نُنقَّى من ذنوبنا كما ينقَّى الثوب من الدنس، وإنها لمصيبة عظيمة أن يخرج شهر الصيام من بيننا ويرحل ولا تكون نفوسنا أنقى من ثلج الصباح.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر ِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1-5].

تناسب السورة مع ما قبلها وما بعدها:

أهل العلم عمومًا، وأهل التفسير على وجه أخص، قد اعتنوا بعلم المناسبات القرآنية، سواء في ذلك التناسب بين السور بعضها مع بعض، أم التناسب بين الآيات، وبنَوا على هذا قاعدة مفادها: أن الأصل في آيات القرآن الكريم أن يكون بينها تناسب وترابط، يظهر في أغلب الأحيان، ويخفى في أحيان أخرى، لكن يمكن كشفُه بمزيد تأمُّل وتفكر.

والإمام السيوطي يقرر قاعدة مفادها: أن كل سورة من سور القرآن تفصيل لإجمال السورة التي قبلها، وشرح لها، وهذا في غالب سور القرآن، كما دلَّ على ذلك الاستقراء.

وهنا في (سورة القدر) فقد سُبقت بـ (سورة العلق) وبعدها بـ (سورة البينة).

في آخر (سورة العلق) يقول الله – تعالى -: ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق: 19]، وتأتي بعدها ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾، وهذه الليلة هي ليلة السجود والاقتراب، فالمناسبة واضحة ظاهرة مع آخر آية من السورة التي قبلها، كما أن (سورة العلق) تبدأ بقوله – تعالى -: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق:1]، وهو يقرأ ما أُنزل في ليلة القدر، فكأن السورة تقول اقرأ ما أنزلناه في ليلة القدر، فهي مناسبة ظاهرة مع ما قبلها في بدايتها وفي نهايتها.

أما مناسبة السورة مع السورة التي بعدها وهي (سورة البينة)، نلاحظ في هذه السورة في قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ﴾ ذكر ضمير المنزِل ﴿ إِنَّا ﴾، وضمير المنزَل الهاء في ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ الذي هو القرآن، لكن لم يصرح لا بالمنزِل ولا بالمنزَل ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ﴾، وفي آيات (سورة البينة) بيَّن هذا الضمير ضمير المنزِل ووضح المنزَل عليه، فقال: ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ [البينة: 2، 3] ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ هو المنزَل عليه، و﴿ اللَّهِ ﴾ المنزِل، إذن بيَّن ضمير المنزِل بـ ﴿ اللَّهِ ﴾، والهاء في ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ في ﴿ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾، الصحف المطهرة هي القرآن، رسول يتلو الصحف المطهرة التي هي القرآن الكريم الذي أنزلناه، وضَّح المنزَل عليه ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ ﴾، وذكر المنزِل وبيّنه بعد أن كان ضميرًا ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾، والصحف المطهرة – أي القرآن -الهاء في ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾، فإذن (سورة البينة) بيَّنت الضمائر التي في (سورة القدر)، وهو تناسبٌ جميل حتى في الاسم (البينة)؛ فهي بيَّنت هذه الضمائر، فإذن مناسبتها لما بعدها وما قبلها ظاهرة.

التفسير:

﴿ إِنَّا ﴾: بمعنى نحن، وهي ليست للكثرة بل للعظمة، فلم يقل: أنا أنزلته، إنما قال: إنَّا، فالمولى يتكلم بأسلوب العظمة، ولا أعظم من الله، فله العظمة كلها، وحتى لا يُفتح باب للشرك، فيتوهم البعض في ﴿ إِنَّا ﴾ أكثر من واحد، جاء بعدها بصيغة الإفراد في قوله ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾.

﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾؛ أي: القرآن العظيم، ولم يقل الله – تبارك وتعالى -: إنَّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، إنما قال: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾؛ لأن القرآن ليس في حاجة إلى بيان؛ لأنه أبين من البيان، وأوضح من الشمس في رابعة النهار، هو البحر في عطائه، وهو النهر في صفائه، وهو القمر في بهائه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

هو القرآن العظيم، كرمه الله وشرفه، فأنزله في ليلة ذات قدر؛ ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾، وكرَّم البلد الذي نزل فيه؛ فقال سبحانه: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 3]، وأكرم الملك الذي نزل به، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ [التكوير: 19-21]، وأكرم النبي الذي نزل عليه، فقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، إذًا فأنزلناه يعني القرآن الكريم.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.