منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نصرة فلسطين من أعظم البر

نصرة فلسطين من أعظم البر/حسن قاسمي

0

نصرة فلسطين من أعظم البر

بقلم: حسن قاسمي

إن المؤمنين قد أخذوا من الله القوامة على منهجه في الأرض، والقائم على منهج الله في الأرض يجب ألا تكون له ذاتية ولا عصبية أسرية، ولا عصبية قبلية؛ لأنه جاء ليهيمن على الدنيا كلها، ومن الصَّغار أن ينتقم المؤمن من الكافر عندما يأتي إلى بيت الله. ولا يليق ذلك بمهمة القوامة على منهج الله، وقد قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض

ولذلك قال الحق لرسوله: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105]

وحينما أمر الحق رسوله أن يحكم بين الناس فذلك الحكم يقتضي عدم تمييز المؤمن على الكافر؛ لأن المسلمين هم القُوَّام، وهم خير أمة أخرجها الله للناس كافة. ولو فهم الناس أن خير الأمة الإسلامية عائد عليهم لما حاربوها.

فنحن – المسلمين – لسنا خيراً لأنفسنا فقط، ولكننا أمة لخير الناس جميعاً. ولذلك قال الحق: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ}.[سورة المائدة، الآية :2]

ونرى سيدنا عمر يمر عليه قاتل أخيه زيد بن الخطاب، يقول له أحدهم: هذا قاتل زيد، فيقول عمر: وماذا أصنع به وقد هداه الله إلى الإسلام، فإذا كان الإسلام جبّ الكفر ألا يجب دم أخٍ لعمر؟ ولكن عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْه – يقول لقاتل أخيه: عندما تراني نحّ وجهك عني. قال ذلك لأنه يعرف دور العاطفة ويعرف أنه لا يحب قاتل أخيه، فقال قاتل أخي عمر: وهل عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ فقال عمر: لا. بل تأخذ حقوقك كلها. فقال قاتل أخي عمر: لا ضير؛ إنما يبكي على الحب النساء. فالإيمان هو الذي منع عمر من أن ينتقم من قاتل أخيه.

فالإسلام لا يتدخل إلا في النزوع وهي تعبير عن مرحلة لاحقة للإدراك الذي يسبب للإنسان العاطفة محبة أو كراهية، ثم يعبر الإنسان عن هذه العاطفة بالنزوع؛ لأن مظاهر الشعور ثلاثة: إدراك، ووجدان، ونزوع، فحين يمشي إنسان في بستان فيه أزهار ويرى الوردة فهذا إدراك، ولا يمنع الإسلام هذا الإدراك. وعندما يعجب الإنسان بالوردة ويحبها فهذه حرية، لكن أن تمتد اليد لتقطف الوردة فهذا ممنوع.

إن التشريع لا يتدخل في العملية النزوعية فقط إلا في مجال واحد وهو ما يتعلق بالمرأة، فأمر كلا من الرجل والمرأة بغض بصرهما صونا لهما عن الوقوع فيما لا يحمد عقباه

إن الأمر الالهي لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب”. [سورة المائدة، الآية: 2]”  أي ليعن بعضكم بعضا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه.

وهذه الآية هي التي تجعل مسألة الإيمان قضية عالمية، وكلمة «تعاون» على وزن «تفاعل» ، والتفاعل يأتي من اثنين؛ مثلما نقول «تشارك»  ومسائل الحياة أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة.. ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالحركة فيها، والحركة في الأرض أوسع من أن تتحملها الطاقة النفسية لفرد واحد، بل لا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء هذه العمارة

 وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدال على الخير كفاعله). وقد قيل: الدال على الشر كصانعه. ثم قيل: البر والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر. قال ابن عطية: وفي هذا تسامح ما، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز. وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته.

وقال ابن خويز منداد: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم ، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة فالمؤمنون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، وهو ما نحتاجه اليوم في الدفاع عن أرض الإسراء والمعراج، وحماية المستضعفين من الولدان والأطفال والنساء والشيوخ من بطش الصهاينة المعتدين، وقوى الاستكبار العالمية المتواطئة معهم، فالكفر والنفاق ملة واحدة، يخدم بعضهم بعضا بما يفسد الأرض ويذل أهلها.

فواجب المؤمنين اليوم وغدا هو نصرة المظلوم سواء كان مسلما أو غير ذلك، وتحقيق العدل في الأرض لينعم أهلها بالحياة الكريمة ويعيشوا بكرامة  التكريم الإلهي للإنسان “ولقد كرمنا بني آدم” تكريم يمنع قتل هذا البنيان الذي صنعه الله بيده ونفخ فيه من روحه لأنه إفساد في الأرض والله لا يحب الفساد؛ ولأنه قتل للبشرية جمعاء قال تعالى: ”  مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” [سورة المائدة،  الآية: 32]

والبر هو ما اطمأنت إليه نفسك؛ والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه أحد،. فقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} هو أمر لكل جماعة أن تتعاون على الخير، ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه.

 ثم نهى فقال. (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن” العدوان” وهو ظلم الناس.

قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: “تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره”.

وروى الطبراني في المعجم الكبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام”  .

والذي يفهم الشريعة الإسلامية يعرف أن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب ومن لا يحب. أما الودّ فهو عمل القلب، وهذا ما نهى عنه الله بالنسبة للمشركين به، أما المعروف فالمسلم مطالب أن يفعله حتى بالنسبة لمن يكرهه.

إن الله تعالى قد أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال: (واتقوا الله إن الله شديد العقاب). فحركة الحياة كلها تم بناؤها على التعاون.

 لكن ماذا إن تعاون الناس على الإثم؟ إنهم إن فعلوا ذلك يهدمون الخير؛ لأن التعاون على الإثم إنما يبدأ من كل من يعين على أمر يخالف أمر الله، وأوامر الله تنحصر في «افعل» و «لا تفعل» ، ما ليس فيه «افعل» و «لا تفعل» فهو مباح، إن شئت فعلته وإن شئت لا تفعله. والذي يأمر بتطبيق «افعل» ويحزم الأمر مع «لا تفعل» وينهى عنه ويجرِّم من يفعله هو متعاون على البر والتقوى.

فالتقوى معناها أن نفعل ما أمر به الله أن نفعله، وأن ننتهي عما نهى الله عنه، فلا ننقل فعلاً من دائرة «لا تفعل» إلى دائرة «افعل» وكذلك العكس. وبذلك نجعل بيننا وبين الجبار وقاية.

إنّ ما يجعل الناس تتهاون في التعاون على البر ويجترئون على الإثم أنهم لا يجدون من مجتمعاتهم رادعاً، ولو وجدوا الردع من المجتمع لحمى المجتمع أفراده من الإثم. وإن صار للمجتمع وعي إيماني لقاطع المخالفين وأشعرهم بأنهم منبوذون، وساعة يرى أمثال هؤلاء الناس أنهم منبوذون من المجتمع الإيماني والإنساني فسيرجعون إلى المنهج الحق ولو بعد حين… فالله الله في فلسطين وفي أهل فلسطين “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.[سورة يوسف الآية: 21].

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.