منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إفشاء السلام سبيل المحبة والوئام

اشترك في النشرة البريدية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن المتدبر لنصوص الشريعة التي تحض على السَّلام بين الناس، وينظر في الآداب المنظمة له، ثم في آثاره على الفرد والأسرة والمجتمع كله، يرى مقدار الأمن والطمأنينة والوئام والمحبة والاحترام المتبادل الذي يتركه إفشاء السَّلام، حيث يوفر أمنا في نفس الفرد وفي محيطه كله، ويرسخ أدبا راقيا وذوقا عاليا داخل المجتمع المسلم، ينطلق منه أفراد هذا المجتمع لنقل صورة رائعة مشرقة مليئة بالسلوك المتمدن المتسامح المبادر للكلمة الطيبة والفعل الطيب، وقد كان لهذ التشريع من وسائل الإسلام في شيوع السلم المدني، وتأكيد أهمية التعارف وانفتاح الناس بعضهم على بعض. 

إفشاء السلام طريق للمحبة وسبب لدخول الجنة:

عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، إِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِنْ فَعَلْتُمْ تَحَابَبْتُمْ؟» قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ». فالهدي النبوي الكريم واضح في تحقيق المحبة بين أفراد المسلمين، وأن إفشاء السلام من الطرف المؤدية لهذه المحبة، لما يمنحه من التقدير والاحترام المتبادل، ولما فيه من معاني اللطف والتطمين من كف الشر والأذى.

إفشاء السلام طريق لإنهاء الخصام:

إن إشاعة روح التسامح والتصالح، والبعد عن الهجران والخصام، المعبر عنها بفساد ذات البين قد يكون بين الأخوين، وقد يكون بين الزوجين، وقد يمون بين الجيران، أو بين زملاء العمل، والمجتمع المسلم بحاجة لأن يكون كل هؤلاء في حالة من المحبة والوئام والتسامح والعلاقة الطيبة، فيشيع بينهم التقدير والتعاون بدل التدابر والقطيعة، ومثل هذه الأجواء السلمية الطيبة تساعد على راحة النفوس والثقة المتبادلة، وبالتالي يتفرغ كل واحد للعمل والإنتاج، بعيدا عن أجواء التشاحن المعطلة المثبطة. أخرج البخاري عن أنس بن مالك: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ». فهذه التوجيهات تهدف إلى تحقيق السلم بين أفراد المجتمع المسلم، وقد شملت ما يتعلق بالقلوب من النهي عن التباغض والحسد، وما يتعلق بالأجساد من النهي عن التدابر والهجران، ولما كان الهجران لا بد له أن ينتهي، كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الإرشاد إلى جعل إفشاء السلام علامة على إنهائه، وإعلان بداية عهد جديد من المسالمة والتسامح. 

المزيد من المشاركات
1 من 63

أخرج مسلم عن أبي أيوب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَيَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بالسلام). إنه معيار الخيرية، ومقياس التفاضل بين أفراد المجتمع، فأفضلهم المبادر بالسلام والتسامح والمصالحة.

والإسلام لا يريد إفشاء للسلام خاليا من معناه، إنما يريد إفشاء ليس معه إعراض أو إدبار أو تحاسد، كما يفهم من مجموع النصوص.

إفشاء السلام على أهل البيت، وعلى الناس في البيوت:

قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] وهذا تذكير بأدب الدخول المتقدم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة بإسقاط الآداب، فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القربي والبعيد، ومعنى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} فليسلم بعضكم على بعض.

أخرج الترمذي عَنْ أَنَس بن مالك، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ، يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ”. وهكذا لما كانت كلمة «السلام عليكم» جامعة لمعاني التأنيس والأمان واللطف للداخل إلى الببت، وتحمل معاني الوفاء والمحبة والسلامة من الشر، امتن الله تعالى على المسلمين بها بأن جعلها: {مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}، وذلك لما فيها من نية المسالة وحسن اللقاء والمخالطة، وذلك يوفر خير الأخوة وخير الصلة. ووجه طيب التحية أنها دعاء بالسلامة وإيذان بالمسالمة والمصافاة.

وختاما: فقد ظهر لنا أن إفشاء السَّلام من أهم العوامل المرسخة للمحبة والتآلف بين الناس، وغيابه دليل على الشحناء والتباغض، ولا يحقق إفشاء السَّلام الخالي من معناه أي نتيجة، بل الذي يحقق النتيجة المرجوة هو الإفشاء الذي ليس معه إعراض أو إدبار أو تحاسد.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.