منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكلام في التراويح والقيام عبر وسائل الاتصال والإعلام

محمد سكويلي

0
اشترك في النشرة البريدية

كثٌر الكلام هذه الأيام حول التراويح والقيام، والناس مقبلون على شهر الطاعة والصيام، الكل يتساءل عن إجازة صلاة التراويح عبر مختلف وسائل الاعلام من تلفاز ومذياع أوهواتف ذكية وحواسيب وهم ماكثون في بيوتهم في ظل الحجر الصحي. فجاءت الإجابات شافيات كافيات من شتى مشارب المدارس العلمية والمذاهب الفقهية. فمنهم من يسر ووسع  فخفف وأجاز، ومنهم من شدد وشرط فتحفّظ ومنع، ومنهم بين هذا وذاك سدد وقارب وحدد ووافق…

فهذا الأستاذ الدكتورالحسين أيت سعيد – عضو المجلس العلمي الأعلى وأستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض – لا يرى مانعا في صلاة التراويح عن بُعد للفوز بثواب صلاة الجماعة الكبيرة، وكذا كون صلاة التراويح تندرج في باب النوافل التي وسّع فيها الشارع ما لم يوسع في الفرائض، فأجاز النوافل جلوسا بلَا عِلّة، وعلى الدّابة، وجماعة وفُرادى إلى غير ذلك من التوسع الجاري في بابها المفصّل في كتب الفقه.

اعتمد الدكتورالحسين في ذلك على مجموعة من الأدلة الفقهية خصوصا منها المالكية والشافعية، والتي نذكر منها:

  • ففي الفقه المالكي، وبالضبظ في المدونة (1/175): قال الإمام مالك: “ومن صلى في دُورٍ أمام القبلة بصلاة الإمام وهم يسمعون تكبير الإمام، فيصلون بصلاته ويركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، فصلاتهم تامة وإن كانوا بين يدي الإمام…؛ وقد بلغني أن دارا لآل عمر بن الخطاب وهي أمام القبلة كانوا يصلون بصلاة الإمام فيها فيما مضى من الزمان، وما أحب أن يفعله أحد، وإن فعله أجزأه“.
  • فإذا كان مالك يجيز عدم اتصال الصفوف، وعدم كون المأموم وراء الإمام في الفريضة التي أمْرُها ضيق، فأَنْ يجوز ذلك في النافلة أوْلى بشرطٍ واح، وهو أن المأموم يسمع تكبيرات الإمام، فيركع معه ويسجد بالسماع، ولا يُشترطُ عنده رؤية الإمام، لكن إن اجتمع السماع والرؤية فذلك أكمل، وإلا فشرط صحتها هو السماع للإمام لا غير، واعتمد مالك في هذا على ما نُقل إليه من جريان العمل القديم بذلك في دار آل عمر بن الخطاب بالمدينة، ولا يكون ذلك العمل عندهم إلا عن عمل الصحابة.
  • وفي المدونة أيضا قال ابن القاسم: “وسألنا مالكا عن النهر الصغير يكون بين يدي الإمام وبين قوم وهم يصلون بصلاة الإمام؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان النهر صغيرا، قال: وإذا صلى رجلٌ بقوم فصلى بصلاة ذلك الرجل قومٌ آخرون بينهم وبين ذلك الإمام طريقٌ فلا بأس بذلك…”.
  • فهذا قد أجازه مالك في الفريضة، والنافلة (صلاة التراويح) أحق بهذا التيسير، وإنما اشترط أن يكون النهر صغيرا، لأنه إذا كان كبيرا فمياهه الجارية الكثيرة تحول بخريرها بين المأموم وسماع إمامه.
  • فلا فرق في المسافة التي تفصل بين الإمام والمأموم مادام تكبيرات الإمام تسمع اليوم عبر شاشات التلفاز والحواسيب أوالمذياع.
  • أما الشافعية، ففي الحاوي الكبير (2/343): قال الشافعي رضي الله عنه: “وإن صلى رجل في طرف المسجد والإمام في طرفه ولم تتصل الصفوف بينه وبينه أو فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام أجزأه. كذلك صلى أبو هريرة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد“.
  • قال الماوَرْدي الشارح: فالاعتبار في صحة صلاته، يعني المأموم أن يكون عالما بصلاة إمامه، وطريقُ العلم بها من أربعة أوجه: إما بشهادة، أو بسماع تكبيره، أو بمشاهدة من خلفه، أو بسماع تكبيرهم، فإن كان بصلاتهِ عالما صحت صلاته سواء كان المسجد صغيرا أو كبيرا، قَرُب ما بينهما أو بَعُد، حال بينها حائل أو لم يحل، اتصلت الصفوف أو لم تتصل…

وبهذا كله يذهب الدكتورالحسين أيت سعيد إلى جواز صلاة التراويح خلف وسائل الاتصال المختلفة، للفوز بأجر صلاة الجماعة الكبيرة خصوصا والناس تعيش تحت وطأة الحجر الصحي،  وهذا يدخل في الفقه الميسر المتحرر الذي يتطلع إليه الناس اليوم.

المزيد من المشاركات
1 من 37

أما الفقيه مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي ومدير معهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية بوجدة، من أعضاء المجلس العلمي الأعلى، فقد قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح جماعة ثم فرادى، وبعدها قال صلى الله عليه وسلم حين احتشد عليه الناس: “خفت أن تفرض عليكم”.

وتابع الفقيه في  بعض تصريحاته أنه  :”ظل الناس يصلون أوزاعا في عهد أبي بكر وجمعهم عمر بن الخطاب، فكانت صلاة التراويح جماعة سنّة من سنن عمر بن الخطاب”، وأضاف بنحمزة أنه بعدما اقتضت الضرورة أن نعود إلى الوضع الأول، ونصلي فرادى، سنعود”.

واعتبر رئيس المجلس العلمي بوجدة، أن البحث عن إمام للصلاة وراءه هو نوع من التشدد لا داعي له، لأن صلاة الفرد وحده تكفي، وأورد أن حالة الطوارئ الصحية مناسبة للعودة إلى البيوت للصلاة وفتح المصاحف بها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتبع الناس الإمام عبر وسائل الاتصال بشكل صحيح ودقيق وذلك لاختلاف المسافة الزمانية والمكانية.

وهذا الفقيه المالكي الأصولي المجتهد أبو الطيب مولود بن الحسن السريري السوسي يذهب إلى تقييد جواز صلاة التراويح عبر مختلف وسائل الاتصال بمدى قرب وضبط الإمام في كل حركاته وفي حالة تعذر ذلك فالأصل أن تصلى التراويح في البيت إما جماعة أو على انفراد..

أما الدكتور عبد العلي المسؤول – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين – فقد أفاض واستفاض في هذا الموضوع حيث خلَصَ إلى ما يلي:

  • يجوز للإمام الراتب أن يصلي هو داخل المسجد، ويقتدي به من يسمعون قراءته وصوته بمكبر الصوت من أهل حيِّه أو قريته، أو يرونه، إذ الإمام الراتب جماعة؛ ولأن الاقتداء بالمسمِّع سائغ. قال خليل في المختصر: (وَمُسَمِّعٌ وَاقْتِدَاءٌ بِهِ أَوْ بِرُؤْيَتِهِ وَإِنْ بِدَارٍ). وروي عن مالك “أَنَّ دَارًا لِآلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَامَ الْقِبْلَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ”الذخيرة 2/92، وكان أَزْوَاجَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّينَ فِي حُجُرِهِنَّ بِصَلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم، وهذه ليست دعوة إلى هجران المساجد والصلاة في البيوت.
  • من لم يكن بمكان سكناه مسجد، أو وُجِد المسجد وتعذر على الإمام الراتب الصلاة بالناس منفردا كما ذكر قبلُ، ولم يجد أهل ذلك البيت من يؤمهم في التراويح، ساغ لهم الائتمام بإمام يسمعون صوته ويرونه بواسطة وسائل التواصل، أو يسمعون صوته فقط، وألا تكون التراويح مسجلة. قال الخرشي شارحا قول خليل: (وَمُسَمِّعٌ وَاقْتِدَاءٌ بِهِ أَوْ بِرُؤْيَتِهِ وَإِنْ بِدَارٍ) “وَكَمَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِصَوْتِ الْمُسَمِّعِ وَأَوْلَى صَوْت الْإِمَامِ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِرُؤْيَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي فِي الْأَرْبَعِ بِدَارٍ وَالْإِمَامُ خَارِجَهَا بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ”.

وإن انقطع التيار الكهربائي أو الانترنيت، أَتَمُّوا فرادى، وإن سها الإمام في ركن أو فيما يجبر بسجود السهو وتمكنوا من رؤية إصلاح ذلك اتباعا للإمام فَعَلُوا، وإن عسر ذلك أعادوا ما وقع فيه الخلل، والأمر في ذلك واسع بحمد الله.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

ويؤكد الدكتور أن هذا حل استثنائي لحالة الوباء الاستثنائية، والأصل أداء التراويح في الجماعات والمساجد، والقلوب ينبغي تعلقها ببيوت الله ابتداء وانتهاء.

وفي الشرق كما في المغرب آراء متنوعة بتنوع المراجع والمدارس، فهذا الدكتور علي جمعةالأزهر الشريف– يجيز الصلاة عبر وسائل الاتصال إذا ثبت الاتصال بالإمام رؤية أو سماعا، وفي حالة فقدان ذلك فعلى المصلي التابع أن ينوي المفارقة.

أما الشيخ عبدالله المنيع – عضو هيئة كبار العلماء – فقد حسم الجدل حول إمكانية الصلاة خلف الإمام في البث المباشر في التلفزيون، مؤكدا أنه لا تجوز تأدية الصلوات عن بعد.

وشدد المنيع في تصريحات خاصة إلى «عكاظ»، على أنه لا تجوز تأدية الصلوات الخمس جماعة عن بعد، عبر إمام تُنقل صلاته ببث مباشر، مرجعاً ذلك لكون صلاة الجماعة لا تكون إلا إذا كان المأموم مباشرا إمامه وذلك في مسجده أو الساحات المتعلقة بالمسجد أو الدار المجاورة للمسجد نفسه، وهو يرى الإمام والمأمومين الذين معه. وأشار إلى عدم جواز ذلك لوجود مئات أو آلاف الكيلومترات بين الإمام والمأموم. وأضاف: «إن الجائز هو فقط مشاهدة الصلاة التي تبث والاستماع لها، ولكن لا يكون معهم في الصلاة، فالمسافة التي بينه وبين الإمام قاطعة». وأكد المنيع أن صلاة التراويح يجوز أن تكون جماعة ويجوز أن تكون فرادى، مستشهدا بفعل الرسول حين صلى التراويح جماعة فقط ثلاث ليال وخشي أن تفرض على الأمة فصار يصلي التراويح في بيته. وقال: «إنه يجوز للأفراد أن يصلوا التراويح في منازلهم كما فعل الرسول».

وفي الأخير وأمام كل هذه الرؤى والآراء المختلفة فإننا نلمس تلك السعة والدعة التي يتصف بها فقهنا المتسامح الحنيف الذي يترك المجال للفرد في أن يختار النهج الذي يوافق ميوله وقدراته .. كما أن مثل هذه النوازل والحوادث لابد لها أن تكون دافعا قويا لجمع الشمل وتقريب الفوارق وتوحيد الاجتهادات الفقهية بين مختلف المذاهب.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.