منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سوء فهم الجابري لمعهود العرب

سلسلة "القراءات المعاصرة للقرآن الكريم" مساءلة نقدية لمشروع الجابري

0

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون اللسان العربي المبين هو اللسان المختار لحمل كلامه جل وعلا، به يظهر للناس وحيه ، وفيه يستودع مراده ، وأن يكون العرب هم أول من يتلقى شرعه، ويكلف بإبلاغ دعوته للناس أجمعين منذ البعثة المحمدية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد فعل ذلك – جل وعلا – لحكم علمها : منها كون اللسان العربي أفصح الألسن وأسهلها انتشارا ، وأكثرها تحملا للمعاني مع وجازة الألفاظ ، ولأن الأمة المتلقية للرسالة والناشرة لها أمة قد سلمت من أفن الرأي عند المجادلة ، ولم تقعد بها عن النهوض أغلال التكالب على الرفاهية ، ولا عن تلقي الكمال الحقيقي إذ يسبب لها خلطه بما يجر إلى اضمحلاله، وبالتالي فليس المراد من خطاب العرب بالقرآن الكريم أن يكون التشريع قاصرا عليهم أو مراعيا لخاصة أحوالهم ، بل إن عموم الشريعة ودوامها وكون القرآن معجزة دائمة مستمرة على تعاقب السنين والأحقاب ينافي ذلك ، نعم إن من مقاصده تصفية نفوس العرب الذين اختارهم كما قلنا لتلقي شريعته وبثها ونشرها ، فهم المخاطبون ابتداءا قبل بقية أمة الدعوة فكانت أحوالهم مرعية لا محالة ، وكان كثير من القرآن مقصودا به خطابهم خاصة ، وإصلاح أحوالهم ولكن ليس ذلك بغرض الاقتصار على أحوالهم أو قصر الخطاب عليهم.

وقد تحدث العلماء – رحمهم الله تعالى – قديما عن علاقة القرآن بمعهود العرب، يقول الإمام الشاطبي : » إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها. فإذا كان كذلك، فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب« [1].

إلا أن الجابري أساء فهم هذا المعنى واستخدمه بشكل يراد به القضاء على تجدد معاني القرآن وصلاحه لكل زمان ومكان، فقد قال وهو يتحدث عن أهمية الاحتكام إلى أسباب النزول أنها » مفيدة من حيث إن كثيرا منها يكشف عن مدى ارتباط القرآن بالواقع الإنساني، مما يؤكد ما سبق أن أبرزناه من أهمية المعرفة بأسباب النزول في مجال استحضار معهود العرب لفهم آياته وأحكامه ، الشيء الذي قد يمنع من توظيف آيات الذكر الحكيم في شأن من الشؤون ، كالإفتاء والتفسير والوعظ…الخ ، توظيفا يخرج بها عن ” أسباب نزولها ” ودلالتها ومقاصدها« [2].

فالمقصود بمهود العرب عند العلماء – كما رأينا عند الشاطبي – هو معهودهم في التخاطب على مستوى اللغة في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، أما الجابري فقد خرج عن هذا المقصد وأصبح يتحدث عن معهود العرب المعرفي وليس اللغوي لجعله عائقا يعوق أي تطور أو تجدد لفهم القرآن فهما مناسبا للعصر، بل تبقى كل معانيه حبيسة المعهود المعرفي للعرب الذين نزل فيهم القرآن ابتداءا.

وانطلاقا من هذا الفهم المعوج راح الجابري يفهم عددا من الكلمات والآيات القرآنية فيفسر مثلا كلمة الصمد بأنها المصمت الذي لا جوف له كالأصنام،[3] ودليله على ذلك هو معهود العرب حيث يقول : » أما نحن فقد فضلنا استقاء المعنى من نفس ما كان يعتقده مشركو مكة زمن النبي من معتقدات أضافوها إلى اعتقادهم في الله « [4]، فالجابري هنا يفترض أن الله تعالى يصف نفسه وصفا مخالفا لوضع الأصنام التي تعبدها قريش وبما أن هذه الأصنام مجوفة فمقتضى المخالفة أن الله تعالى مصمت غير مجوف، والدليل على ذلك هو معهود العرب.

المزيد من المشاركات
1 من 69

ورغم خطورة هذا الفهم الذي جاء به الجابري فقد يكون مقبولا لو خالف به فهما آخر لند من أنداده، ولكنه خالف من هو أعرف منه بمعهود العرب اللغوي والمعرفي وأعلم بمراد الله تعالى في كتابه إنه ترجمان القرآن عبد الله بن عباس الذي فسر الصمد بقوله رضي الله عنه: » يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم . هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار « [5] . فهل الجابري أعلم بمعهود العرب من ابن عباس ؟ قطعا لا، ولكنه التتلمذ – الذي يبلغ درجة الجمود أحيانا – للمستشرقين الذين يرون أن القرآن ليس وحيا من الله تعالى، بل هو من بنات أفكار محمد، ولذلك يزعم أحد كبار المستشرقين أن»  أحد أهم مصادر تعلم محمد كانت الاعتقادات الدينية التي اعتنقها قومه. وما من مصلح يمكنه أن يتنصل تماما من المعتقدات التي تربى عليها. هكذا بقي لدى مؤسس الإسلام بعض من الأساطير القديمة ) مثلا حول الجن ( وبعض الآراء الدينية التي كانت سائدة في زمن الجاهلية. والبعض الآخر منها احتفظ به عمدا. أما الطقوس الممارسة في الكعبة والحج فقام بتعديلها لتلاءم تعليمه. معيدا إياها إلى أصول إبراهيمية. وهذا ما لم يكن معلوما عند العرب« [6].

هذه هي الثقافة – الاستشراقية – التي رضعها الجابري – للأسف -. حتى الإرث جاء في القرآن الكريم موافقا – حسب زعم الجابري – للبيئة التي نزل فيها حيث حاول الموازنة بين المجتمع المكي الذكوري والمجتمع المدني الذين كان يتميز بنوع من التوازن في العلاقات بين الرجال والنساء، وهكذا أصبح القرآن في فهم الجابري » يوفق[7] بين ما جرت به العادة من طغيان الذكورية لدى قريش ، وبالتالي ما حمله المهاجرون المكيون معهم إلى المدينة من بعض مظاهر هذه العادة ، وبين ما كانت تتمتع به المرأة في المدينة من قوة الشخصية وحق ” المراجعة ” للرجال بمن فيهم زوجها وأقاربها « [8].

ولنفترض أن القرآن الكريم نزل في بيئة أخرى، فهل كانت أحكامه ستتغير ؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فإن القول بأن الدعوة الإسلامية عامة وأن القرآن صالح لكل زمان ومكان باطل. وأما إذا كان الجواب بالنفي وهو الصحيح لأن القرآن بالفعل صالح لكل زمان ومكان، وقد طبق في كل مكان، وعم كل زمان ومكان، فإن القول بتأثير البيئة وأن القرآن حاول التوفيق بين بيئتين متناقضتين بيئة مكة وبيئة المدينة كلام باطل لا أساس له من الصحة، بل هو أقرب إلى الهلوسة من مس الشياطين.

أما ما تحدث عنه القرآن الكريم من آيات بينات في الكون فينبغي للعاقل أن ينظر فيها ويتدبر في كيفية خلقها وكيف تدبر أمورها ليصل بذلك إلى الخضوع التام والعبودية الكاملة لله تعالى مصداقا لقوله جل وعلا : » اِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَيَاتٍ لأُوْليِ الاَلْبَابِ الذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىا جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ « [9]، فهذه المعاني العظيمة لا وجود لها في فهم الجابري، ولذلك تصبح عدد من الآيات القرآنية – في هذا الفهم الجابري – مقطوعة تماما عن الغرض المراد منها.

ذلك ما نجده في تعليقه على سورة النحل، يقول الجابري : » كما ذكرت قضايا مطروحة في البادية ، خاصة قضية المساواة في الرزق ، الشيء الذي ليس من مجال قريش الذين يكسبون ثروتهم من عائدات الحج والتجارة ، وتسخير الموالي والعبيد . وأخيرا ، تتميز هذه السورة بخاتمتها التي تناسب الدعوة في البادية والأرياف ”  ادْعُ  إِلَىا سَبِيلِ رَبـِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبـَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ”[10][11]« .

هكذا يزعم الجابري أن سورة النحل تطرح قضايا تتعلق فقط بالبادية والأرياف وكأن قريشا قد حققت العدالة الاجتماعية في أبهى صورها والعبودية الحقة لله تعالى في أعلى مقاماتها، وبالتالي فلا علاقة لما ورد في سورة النحل بأم القرى مكة المكرمة، وهذا يعني أنها أبعد ما تكون عن حاجاتنا المعاصرة وتشعباتها المختلفة. فالعدل في الأرزاق مطلب بدوي ماضوي انتهى زمانه، والحكمة مطلوبة في الأرياف فقط، والموعظة الحسنة حاجة خاصة بأهل البادية، والدعوة خاصة بعصر النبوة، فهل بقي من القرآن شيء يمكن التعويل عليه ؟.

وقبل ذلك تحدث الجابري عن سورة الملك وما ورد فيها من آيات كونية باهرة، قائلا: » ومع أن خطاب الوعيد فيها موجه إلى قريش ، فإن الأدلة التي تعرضها هي من بيئة العرب خارج مكة ، الشيء الذي يعني أن خطاب الدعوة موجه إليهم : السماوات الطباق، والكواكب زينتها، والأرض الذلول ، والمشي في مناكبها ، والطيور الصافات تجري في السماء دون أن تسقط « [12]، فكل هذه الآيات لا وجود لها – عند الجابري – في الحاضرة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

فالناس في المدينة لا يمشون فوق الأرض الذلول، بل يمشون فوق سطح القمر ! ولا وجود للطيور الصافات لأنه قد حل محلها الطائرات الصافات ! وفي المدينة لا يرى الناس السماوات الطباق والكواكب المزينة لها لأنهم يعيشون خارج هذا الكون المنظور !.

وإذا صح كلام الجابري هذا فلماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسم يقرأ سورة الملك كل ليلة، فعن جابر، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام كل ليلة حتى يقرأ تنزيل السجدة ، وتبارك الذي بيده الملك “[13].

وقد ورد في السنة أن قراءة سورة الملك كل ليلة تنجي من عذاب القبر فعن عبد الله بن مسعود ، قال : ” من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر، وكنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسميها المانعة ، وإنها في كتاب الله سورة من قرأ بها في كل ليلة فقد أكثر وأطاب [14]“.

كما روي أن رجلا كان يقرأ بسورة الملك في قبره، فعن ابن عباس ، قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الذي بيده الملك حتى ختمها ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر ، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الملك حتى ختمها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” هي المانعة ، هي المنجية ، تنجيه من عذاب القبر[15]“. فلعل الموتى أيضا – حسب زعم الجابري – ينتقلون إلى البادية ! فالقبور هي الأرياف ! والبرزخ هو العالم القروي !!!.

ومع هذا الفهم الكليل والقول الباطل لم يتورع الجابري عن المباهاة والمفاخرة به، حيث قال: »  ولا بد من التأكيد هنا على أن ربط الخطاب القرآني منذ سورة الحجر إلى آخر ما نزل في مكة بالدعوة في أوساط القبائل من أهل البادية، في المواسم والأسواق، هو اجتهاد منا، لم نعثر على شبيه له في التفاسير التي بأيدينا وأيدي الناس. والسبب الرئيسي في انفرادنا بهذا هو انفرادنا في بناء فهم القرآن على ترتيب النزول. ولا شك في أن القارئ قد لمس بنفسه نتائج هذه المحاولة من خلال ما قدمناه من فهم مستقل، وأحيانا مختلف عن فهم جميع المفسرين « [16]. نعم لقد لمسنا نتائج تدمي القلوب وتحير العقول بما حوته من اضطراب وتناقض وقصور في الفهم لا يليق بأحد من جميع المفسرين الأعلام من علمائنا الكرام.

ورغم أن العرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أمة أمية لا علاقة لها حتى بالعلوم التي كانت سائدة في ذلك العصر فإن الجابري يصر على ربط معاني القرآن الكريم ليس بالمعهود المعرفي للعرب كما يزعم، بل بالمعهود المعرفي الذي كان سائدا في اليونان وغيرها من البلدان رغم أن العرب لم يتعرفوا على الثقافة اليونانية بشكل واسع إلا في العهد العباسي، وهكذا يصبح – عند الجابري – » مفهوم ” السموات السبع ” يطابق معهود العرب في ذلك الوقت الذي يرجع إلى الموروث ” العلمي ” القديم الذي كان يتمثل في النظام الفلكي الذي شيده بطليموس…وقد بقيت نظرياته مهيمنة على علم الفلك إلى القرن السادس عشر « [17]. وبعد ذلك تجاوزها العلم الحديث ولم يعد لهذه النظرية والآيات القرآنية التي تتضمنها أي فائدة !!!.

نفس الموقف يكرره الجابري في مسألة خلق حواء، حيث ذهب إلى أنه » ليس في القرآن ما يدل على أن الله خلق حواء من ضلع آدم . وما يفهم من الآيات التي تعرضت لهذا الموضوع هو أن الله خلق آدم من طين…والمعنى : هو الذي خلقكم – خلق كلا منكم – من نفس واحدة ، هو الرجل ، أي من مني الزوج ، وجعل من تلك النفس ، أي من ذلك المني زوجها باختلاطه مع ماء المرأة . وهذا ما يقتضيه العلم القديم الموروث عن أرسطو والذي انتشر بين الأطباء القدامى ، فقد كانوا يرون أن النفس ) وهي الصورة ( هي مني الرجل ، أما ماء المرأة فهو مجرد مادة للتغذية « [18]، هكذا نجد الجابري في الوقت الذي يقف موقفا سلبيا من التفسير العلمي الحديث للقرآن الكريم ويحاول تصوير هذا الموقف السلبي على أنه غيرة على القرآن، لأن ما  » بدا وكأنه متفق مع العلم في مرحلة ” راهنة” فإن تطور العلم يكشف أنه مجرد تقول على القرآن « [19]، نجده هنا يربط معاني القرآن بالموروث العلمي القديم ربطا فيه افتراء كبير، ثم يزعم أن ذلك يناسب معهود العرب الذي أقره العلماء وفي هذا افتراء على العلماء، فهل هي دعوة صريحة إلى إطراح القرآن وتنكب الإسلام ؟.

هذا ما يفيده كلام الجابري بشكل عام رغم أنه في بعض الأماكن يصرح بعكس ذلك، كقوله: » وهذه خاصية بارزة في الخطاب القرآني : ذلك أنه ما من خصوص يربط به إلا والعموم يلازمه « [20]، وقوله : » وقد يكفي التذكير بأن اقتناعنا بأن القرآن يخاطب أهل كل زمان ومكان يفرض علينا اكتساب فهم متجدد للقرآن بتجدد الأحوال في كل عصر « [21]. فكيف يستقيم هذا الكلام مع الذي قبله؟.

هذا هو التجديد الذي جاء به الجابري، فالأقدمون فهموا القرآن فهما إيمانيا، والمعاصرون أحدثوا التفسير العلمي للقرآن الكريم، والجابري عاد بنا مئات السنين إلى الوراء ليفسر القرآن تفسيرا يتناسب مع الموروث العلمي القديم، مع العلم أن الجابري نفسه يقر بأن العرب لم يتصلوا بتلك المعارف القديمة إلا في أواخر العهد الأموي على يد خالد بن يزيد، ثم انتشر هذا العلم بكل مكوناته الطبية والفلسفية والمنطقية..الخ ، في العهد العباسي خصوصا زمن المأمون الذي أحدث دار الحكمة وأشرف عليها.

لقد صرح الجابري أن القرآن مرتبط بالواقع الإنساني، ولكنه للأسف أساء تأويل هذا المعنى رغم صحته، فشتان بين القول بأن القرآن مرتبط بالواقع الإنساني بشكل يراد به إصلاح هذا الواقع وتوجيهه إلى السمو الأخلاقي والنفسي والاجتماعي، وبين ما يريد الجابري تكريسه من أن القرآن مرتبط بالواقع الإنساني بمعنى أن القرآن خاضع له ومتأثر به ليصل في النهاية إلى التحلل من الشرع بدعوى أن الشرع عالج واقعا لم يعد له وجود !!!.

وهذا هو ديدن الجابري فهو يحرص دائما على ربط القرآن الكريم بالعصر الذي نزل فيه ويتجنب الخوض في علاقة القرآن بالعصر الذي نعيش فيه، لأن الإجابة – عند الجابري – عن سؤال كيف نفهم القرآن ؟ » على ضوء معطيات العصر الذي نعيش فيه ، هي المغامرة الكبرى« [22]، وهو بالطبع غير مستعد لتحمل تكلفة هذه المغامرة – التي قد تعني القول بأن القرآن لا يصلح لهذا الزمان – خصوصا في هذه الظروف، ظروف الصحوة الإسلامية، لذلك وضع اللبنة الأولى التي تجلت في ربط القرآن بالعصر الذي نزل فيه، وربما ترك إكمال المهمة لمن يأتي بعده في ظروف قد تكون مهيأة للتصريح بما عجز الجابري عن التصريح به.

لقد اختلط الأمر على الجابري حينما ذكر تلك الفهوم على أنها تناسب معهود العرب في زمانهم رغم أن المقصود بمعهود العرب إنما هو معهودهم في التخطاب على مستوى اللغة وليس على مستوى المضمون، ولعله أراد بما قاله ما ورد في الموافقات عند الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى من أن الشريعة أمية، وبالتالي فإن »  ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها وهم العرب تنبني عليه قواعد ، منها : أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وأشباهها وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح فإن السلف الصالح كانوا أعلم بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه ، ولم يبلغنا أن أحدا منهم تكلم في شيء من هذا سوى ما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة. نعم تضمن علوما من جنس علوم العرب وما هو على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة… [23]« .

وقد رد الطاهر بن عاشور – رحمه الله تعالى – في المقدمة الرابعة من تفسيره على الشاطبي، لأن كلام الشاطبي مبني على ما أسسه من كون القرآن لما كان خطابا للأميين وهم العرب فإنما يُعتمد في مسلك فهمه وإفهامه على مقدرتهم وطاقتهم ، وأن الشريعة أمية. وهو أساس واه لوجوه ستة :   » الأول أن ما بناه عليه يقتضي أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال وهذا باطل لما قدمناه ، قال تعالى :” تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا “.  الثاني أن مقاصد القرآن راجعة إلى عموم الدعوة وهو معجزة باقية فلا بد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة . الثالث أن السلف قالوا : إن القرآن لا تنقضي عجائبه يعنون معانيه ولو كان كما قال الشاطبي لانقضت عجائبه بانحصار أنواع معانيه . الرابع أن من تمام إعجازه أن يتضمن من المعاني مع إيجاز لفظه ما لم تف به الأسفار المتكاثرة . الخامس أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقضي إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم فأما مازاد على المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام ، وتحجب عنه أقوام ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . السادس أن عدم تكلم السلف عليها إن كان فيما ليس راجعا إلى مقاصده فنحن نساعد عليه ، وإن كان فيما يرجع إليها فلا نسلم وقوفهم فيها عند ظواهر الآيات بل قد بينوا وفصلوا وفرعوا في علوم عنوا بها ، ولا يمنعنا ذلك أن نقتفي على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية أو لبيان سعة العلوم الإسلامية ، أما ما وراء ذلك فإن كان ذكره لإيضاح المعنى فذلك تابع للتفسير أيضا « [24] .

إن الفهوم التي ذهب إليها الجابري لا علاقة لها بمراد الله جل وعلا، فالله تعالى لم يخاطب الناس لا بطب بطليموس ولا بمنطق أرسطو وفلسفته، لأن الكلام الصادر عن علام الغيوب – جل وعلا – لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة من الطوائف مهما بلغ شأنها في العلم والمعرفة ولكن معانيه تطابق الحقائق ، وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت الآية لها علاقة بذلك فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هكذا فهم السلف الصالح كتاب الله تعالى فانطلقوا يفتحون الآفاق ليس فتحا جغرافيا فحسب بل فتحا على كل المستويات المادية والمعرفية، وهناك فتوح أكبر من تلك الفتوح الماضية تنتظر هذا الجيل عندما يفهم عن الله تعالى مراده، وينطلق لتحقيق المقاصد الكبرى للشريعة المحمدية، ويترفع عن الاشتغال بسفاسف الأمور ويعرض عن التبعية البليدة للغرب، ويقرر أن يكون قائدا لا مقودا.

[1] الموافقات ، م 1 ج 2 ، ص 50 – 51 .

[2] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 380 .

[3] فهم القرآن القسم الأول ، ص 86 .

[4] نفس المرجع ، ص 88 .

[5] تفسير ابن كثير .

[6] تاريخ القرآن ، ص 18 .

[7] سبق للجابر في أحد كتبه أن قال بأن نظام الإرث في الإسلام موافق للطبيعة القبلية في الحجاز المتعلق بحرص القبيلة على عدم خروج ثرواتها إلى قبيلة أخرى عن طريق منع النساء من الإرث .

[8] فهم القرآن القسم ، الثالث ص 244 .

[9] سورة آل عمران ، الآية 190 – 191 .

[10] سورة النحل ، الآية 125 – 126 .

[11] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 236 .

[12]  نفس المرجع ، ص 179 .

[13] رواه النسائي ، كتاب عمل اليوم والليلة ، ذكر ما يستحب للإنسان أن يقرأ .

[14] رواه النسائي، كتاب عمل اليوم والليلة ، باب الفضل في قراءة تبارك الذي بيده الملك ، حديث : 10146 .

[15] رواه الترمذي ، باب ما جاء في فضل سورة الملك ، حديث : 2890 .

[16] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 86 .

[17] نفس المرجع ، ص 259 .

[18] فهم القرآن القسم الأول ن ص 240 .

[19] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 307 .

[20]نفس المرجع ، ص 61 .

[21] فهم القرآن القسم الأول ، ص 9 .

[22] نفس المرجع والصفحة .

[23] الموافقات ، مجلد 1 ج 2 ، ص 60 – 61 .

[24] مقدمة التحرير والتنوير المقدمة الرابعة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.