منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كورونا.. أو المجتمع بلا مدرسة، أو المدرسة عن بعد

زمان كورونا 2020 ـ الفصل 6 ـ د. منير بن رحال

اشترك في النشرة البريدية

تصادف اليوم ٧ من الحجر الصحي مع بدايه شهر شعبان، مناسبة تستعيد فيها الروح بعض الاطمئنان استعدادا لشهر رمضان، على أمل أن ينتهي الوباء قبل الشهر العظيم.

لكن وفي ظل الوباء، لا يخيفني الموت، بقدر ما تخيفني الوحشية التي وصل إليه بعض البشر، استغلال الأزمة للزيادة في الأسعار، الأنانية المفرطة في شراء كل دواء متوفر.. ما أدى إلى ظهور مصطلح جديد لوصف هؤلاء:

Covid +idiot = covidiot

حيث اتفق بعض مستخدمي الإنترنت على كلمة جديدة، تتكون من مصطلح “Covid”، الذي يصف جزئيًا مرض Covid-19 (  التلوث بالفيروس التاجي Sars-CoV-2)، والاسم الشائع في اللاتينية “الأبله”idiot، وبذلك، فإن “covidiot” هو شخص يقوم، في ظل وباء كورونا، بتخزين الطعام أو منتجات النظافة غير الضرورية، مثل الأرز، أو لفافات ورق الحمام، أو غيرها المنتجات الأساسية التي قد تكون كافية لاحتياجات الأسرة العادية لفترة تم تعريفها على أنها سنة واحدة.

أخافتني كثيرا صورة بعض من كنا نحسبهم ملائكة فأصبحوا شياطين، من كنا نحسبهم أصدقاء فإذا بهم أكبر الأعداء…

المزيد من المشاركات
1 من 67

وهذا يهم حتى الدول!! فبالأمس سرقت سفينة محملة بالأدوية متجهة الى تونس، فقد كشف وزير التجارة التونسي، محمد المسيليني، عن سرقة باخرة كانت محملة بالكحول الطبي ومتجهة إلى البلاد. وقال المسيليني، في تصريحات تلفزيونية: “تعرضت باخرة تابعة لنا، كانت محملة بالكحول الطبي، للسرقة في عرض البحر خلال توجهها إلى تونس”. وتابع الوزير التونسي بقوله “ما حدث يشبه واقعة سرقة دول التشيك لشحنة مساعدات طبية قادمة من الصين إلى إيطاليا”.

إن حالة التوحش تشمل الدول كذلك، لقد أبانت كورونا أن القانون مجرد شعار ف “هناك حالة هستيريا بين الدول، الدول تسرق بعضها البعض… حتى الاتحاد الأوروبي، ما عاد اتحادا أوروبيا، فإيطاليا تئن تحت وطأة الوباء وإسبانيا تحصي موتاها وبريطانيا منعزلة عن الجميع، من جمعهم euro فرقتهم corona.

١٢٣ عاما من التعليم عن بعد

منذ ما يقارب 123 عام وتحديدًا في سنة 1892، بدأت جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية البحث عن طريقة لإيصال الدروس التعليمية إلى جميع الطلبة، ووجدت في الرسائل البريدية وسيلة مناسبة لتقديم المعرفة إلى شريحة واسعة من الراغبين في التعلم.

ولفترة زمنية طويلة اتعبت العديد من الجامعات هذا المنهج، حتى جاءت المحطات الإذاعية، وبدأت بنشر المعرفة عبر الدروس التعليمية المذاعة، ليطلق على جمهورها الجديد لقب المتعلمين بدلًا من المستمعين، وتؤدي الوظيفة التعليمية بكفاءة عالية، أوقات السلم كما الحرب.

وفي عام 1921 أخذت البرامج التعليمية حيزًا كبيرًا في الإذاعات الأمريكية، سرعان ما لاقت نجاحًا باهرًا، جعل من انتشارها أمرًا أكيدًا، لتصل فكرة التعليم عبر المذياع إلى كافة أنحاء العالم، ليسجل النظام التعليمي انضمام مدرسة تعليمية جديدة بعناصر مبتكرة.

وبعد مرور نصف قرن على بداية الدروس التعليمية عبر الإذاعة، تبنت إحدى الجامعات الأمريكية فكرة التعلم عن بُعد باستخدام أجهزة التلفاز، وباشرت في تزويد طلابها بالدروس التعليمية المتلفزة، وهو ما شكّل نهضة حقيقة في ميدان التعليم عمومًا، سارت على نهجها العديد من المحطات التلفزيونية العربية والعالمية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

ومع نهاية التسعينيات وبداية ثورة الانترنت، ودخوله لجوانب متعددة من حياة الأفراد، وجدت البرامج التعليمية مكانها الجديد لتزرع بذورًا نمت مع الوقت، وشكلت ثمارًا ناضجة من كافة النواحي لتعود بالفائدة الكبيرة على الطلبة.

وجذبت الدروس عبر الانترنت ملايين الطلاب حول العالم، لما تقدمه من تسهيلات عديدة، وحرية كبيرة في اختيار الوقت والمكان المناسب للدخول الإلكتروني إلى الفصل الدراسي.

وبمرور الوقت، أصبحت الدراسة عن بُعد وسيلة أساسية لدى البعض، وجدوا فيها المنفعة والفائدة عوضًا عن الدخول في رتابة التعليم التقليدي، خاصة في البلدان النامية التي تعاني من نظام تعليمي ضعيف ومتخلف. وشهد نظام التعلم عن بُعد عام 2008 نقلة نوعيّة بإطلاق أول مساق مفتوح عبر الانترنت، جمع آلاف الطلاب في تجربة حماسية، مهدت الطريق لتأسيس العديد من المواقع الإلكترونية التعليمية التي تعتمد على الطرق التفاعلية والأساليب التعليمية المتقدمة.

وتحاكي المواقع الإلكترونية التعليمية الجامعات العالمية، سواء بمناهجها المتطورة، أو بطريقة التقييم والمتابعة، فضلًا عن شهادات التخرج التي تمنحها، وهي لا تقل أهمية ومكانة عن الشهادات التقليدية.

ومع ارتفاع أجور التعليم الأكاديمي حول العالم، قدم الابتكار الرقمي خيارات جديدة للطلبة، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، البيئة الحاضنة لمشاريع تعليمية مميزة منها منصة كورسيرا، التي انطلقت منتصف عام 2011 وحققت بفترة قياسية انتشارًا واسعًا تجاوز القارات السبع.

المغرب في عصر التعليم الرقمي مع وباء covid19

من حسنات كورونا ٢٠٢٠، أنه أجبر حكومة بلادنا على الدخول إلى عصر التعليم الرقمي عن بعد بسرعة وفاعلية غير مسبوقة في التاريخ، بل حمل الأمهات والآباء ( على الأقل المتعلمات والمتعلمين) إلى التحول، حتى إشعار آخر، إلى معلمات ومعلمين. بل، أكثر من ذلك، جعل فعل التعلم فعلا اجتماعيا، هو فعل اضطراري ولكنه، واقعي ومعيش…

ربما تعوزه الوسائل لأن شبكة الإنترنت لا توجد في كل مكان ولا يستفيد منها الجميع وكذا الحواسيب، والطرائق لأنه لم يتم تكوين المستخدمين في إنتاج الأسناد الإلكترونية وتلقيها، ويصعب تقييمه وتقييم أثره على التحصيل لدى التلاميذ، ولكنه، على الرغم من كل ذلك، فرصة لإعادة مساءلة المدرسة لا في ما يتعلق بوظيفتها وبتسييرها وتجلياتها بل يضع وجودها أصلا موضع سؤال.

يرجعنا هذا الوضع إلى المفكر الأمريكي النمساوي اليوغوسلافي الأصل إيفان إيليتش (Illich (1926-2002 صاحب كتاب “مجتمع بلا مدرسة” الذي ينتقد فيه المدرسة حد الدعوة إلى الإلغاء بوصفها مؤسسة تفرض تراتبية استهلاكية، وبكونها تخلق سباقا على الدبلومات لا علاقة له بالكفاءات، وتوهم بأنها الوحيدة القادرة على التعليم، وذلك في إطار دمقرطة مزيفة ومزعومة، ويحمل بشدة على أن الإجبارية تتضمن التدجين والامتثالية conformisme، فضلا عن تمديد الطفولة enfantillageعن طريق إطالة التمدرس. لهذه الأسباب فهو يدعو إلى تخليص المجتمع الصناعي من المدرسة بسبب الإلزامية والاحتكارية مما يجعلها في نظره تلوثًا اجتماعيًا ضارًا بالتعليم. ولأجل أن يكون التخلي عن المدرسة فعالًا، فمن الضروري، في نظره، فصل المدرسة عن الدولة.

إن قدرات التعلم الطبيعية لدى الطفل تتجلى خارج المدرسة: ليست المدرسة هي التي تعلم الطفل التحدث، واللعب، والحب، والاختلاط، والتي تمكنه من معرفة لغة ثانية، وتمنحه حب القراءة.

لم يكن إيليتش يتوقع، غالبا، أن وباء سيفرض، دون سابق إنذار، على نصف تلاميذ العالم التوقف عن الدراسة والانعزال في بيوتهم تجنبا لانتشار الوباء (التقدير الذي قدمته اليونسكو أمس مرشح للزيادة)، ولا شك أنه لو كان لا يزال على قيد الحياة لرأى كيف تجسدت فكرته الثورية ولو مؤقتا. لقد أوصى بإنشاء “شبكات تواصل ثقافي” بديلا للمدارس مع استخدام مراكز توثيق، مع إمكانية اعتماد تعليم تعاضدي بين الأقران، كما طالب بالحق في التعلم، بالنسبة لكل الأعمار، ليس فقط لتَعَلُّم شيء ما، ولكن لتَعْليم شخص آخر: ففي نظره “يجب أن يكون الحق في تعليم كفاية معترفًا به تمامًا مثل حق الكلام. إن إليتش الذي سبق أن أشار إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الحاسوب في شبكات التعلم لم يطل به العمر كي يشهد الثورات التي عرفها الإنترنت وتكنولوجيا الهواتف الذكية، وازدهار الذكاء الاصطناعي عموما، وخصوصا بزوغ شبكات التواصل الاجتماعي وانتشارها الواسع. فجل الشبكات رأت النور بعد وفاته في 2002: فايسبوك (2004)، تويتر (2006)، واتساب (2009). المآخذ التي سجلها إيليتش على المدرسة كمؤسسة منتجة للمذهبة والإكراه ومكرسة لدونية الفقراء على قدر كبير من العمق والحمولة الإنسانية. ولكن هل يعوض التعلم الحر الذاتي النابع من حاجات شخصية ووفق إيقاعات شخصية خاصة المدرسة؟ وهل يغني الإنترنت بكل ثرائه وشساعة مجاله وفعاليته وسرعته في نقل المعرفة والمعلومة وغزارتهما عن المدرسة؟ هل يمكن التخلص من المعلم (ة) وإلغائه؟

كل نقاد المدرسة الشرسين منهم والمعتدلين من روسو وديوي، وكارل روجرز، وفريني، و بياجي، ومونتيسوري.. وصولا إلى إليتش يرجحون أن يكتشف الطفل بنفسه ما سيتعلمه. لا مانع أن يكون الطفل فاعلا، ملتزما كما تقتضي البيداغوجيات الفعالة بل يتعين عليه ذلك، لكن أليس من المتعذر عليه أن يتعرف لوحده ما تطلب من الإنسانيّةُ قرونا لأجل اكتشافه. وهذا ما تتولاه المدرسة، رغم كل مثالبها، بواسطة النقل الديداكتيكي.

مشكلة الشاشات الإلكترونية والمرئية عميقة ومتعددة الوجوه.

طرحت المشكلة في عصر ازدهار التلفزيون وتم الاتفاق بأنه يخلق بعض السلبية التي لا يمكن أن تكون نتائجها إيجابية. أما في عصر الإنترنت فازداد الأمر حدة لإنَّ المشكل فيه مرتبط أساسا بتدبير الوقت. وهذا حال الأطفال والمراهقين الذين لا يستطيعون التوقف عن ألعاب الفيديو، (حتى وإن كانت الكثير من البحوث بينت بأن ألعاب الفيديو يمكن أن تزيد من نسبة اليقظة والتركيز)، وعن الفرجة والتسلية، خصوصا بعد تطور التطبيقات والبرمجيات ومنها من يشجع على الإدمان مثل القراءة الأوتوماتيكية المفعلة على اليوتيوب وغيره من الوسائط. هل الوالدان في وضع يسمح لهما بممارسة سلطتهما لإيقاف كل استعمال محموم؟ صحيح أن كل إفراط يستدعي المراقبة، لكنها صارت صعبة أكثر فأكثر بعد أن ابتلعت الشاشات الصغرى والكبيرة الآباء بدورهم.

فسيمور بابيرت Seymour Papert، أبرز المتخصصين في الإعلاميات التربوية سبق له أن زعم بأنه يكفي أن نمنح حاسوبا لكل طفل كي يتعلم كيفية استخدامه. وقد ساند هذه الفكرة وروجها متخصص آخر في الإعلاميات هو نيكولا نيݣروبونت Nicholas Negroponte الذي زعم أنه يكفي لخلق ثورة في التربية أن نمطر بلدا ما بحواسيب بسعر 100 دولار.

هناك تجربة حصلت في الأوروغواي حيث تم تزويد كل الأطفال بحاسوب شخصي. لكن النتائج الدراسية تراجعت بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة.

لماذا؟

لأنه بدون بيداغوجيا خاصة يكون الحاسوب وسيلة للتسلية أكثر من كونه منبعا للتعلم. ولكن هذه البيداغوجيا المعلوماتية الصريحة والخاصة مفتقدة حتى في الدول المتقدمة الراسخة في العلم وفي التعليم معا. وهذا ما يحذو بالكثير من مصممي البرمجيات وصناع هذه التكنولوجيا المتطورة إلى إرسال أبنائهم إلى مدارس محافظة تنأى بنفسها عن استخدام الشاشات بمختلف إحجامها في التعليم والتلعم.

أرى أن وباء كورونا ليس عقابا ولا عقوبة، إنه فرصة لاكتشاف قدرات البشر على فعل أشياء مفيدة، وإن تحت الضغط.

فرب ضارة نافعة. ورب نقمة في طيها نعمة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.