منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وضع المساجد زمن كورونا ” الحالة المغربية أنموذجا “

اشترك في النشرة البريدية

أولا: المساجد مغلقة إلى حين

لا يخفي أهمية الأمن الروحي لكل مجتمع، خاصة في الظروف العصيبة التي يمر منها، مما يستوجب التمسك بتلك الثوابت والعض عليها بالنواجذ، حتى يتسنى له عبور الأزمات لبر الأمان، ومما أذهل العالم اليوم، ظهور جائحة كورونا بشكل مفاجئ، جعلته يفقد توازنه وينتزع  الإنسان من طبعه الاجتماعي، بتكريس التباعد بين الأفراد كإجراء وقائي لمواجهة الوباء، مما استوجب على الدول والحكومات فرض إجراءات احترازية أملتها الظروف المستجدة، ومنها إغلاق المرافق العامة والمؤسسات.                                                                               لكن بعد أشهر من المقاومة التي كلفت اقتصاديات الدول الكثير، فُرض عليها واقع التعايش مع الجائحة بإعادة فتح كل المؤسسات، وهو الأمر الذي اختاره المغرب أسوة بغيره ، فكان موعد جل مناطقه مع بعض الاستثناءات، ابتداء من منتصف ليلة 24 يونيو 2020 بإعادة فتح المقاهي وصالات الرياضة والمتنزهات والحمامات وغيرها، باستثناء المساجد؛ وهي التي حظيت بالعناية في دول أخرى، فكانت على رأس قائمة المؤسسات التي شملها الفتح، وسمح لمرتاديها بقصدها في نظام وانتظام وفق شروط الصحة العامة.

والسؤال المطروح في منتديات الناس، لماذا الاستمرار في غلق المساجد؟ وفتح غيرها من المؤسسات والفضاءات في وجه العموم، وذلك طبقا لشروط تراعي الحالة العامة التي تمر منها البلاد، لم يعد من المقبول غض الطرف على هذا الأمر، أو السكوت عنه بأي حال من الأحوال، إذ يعتبر فتح المسجد على رأس الأولويات، و ينبغي أخذ التدابير اللازمة لإقامة الشعائر بالشكل السليم، مع الحرص على أدائها وفق مقتضيات الصحة العامة، وذلك بتنظيم الدخول إليها عبر توسيع ساعات استقبال الراغبين في أداء الفريضة إن استدعى الأمر ذلك، ولنا في تراث فقه مالك ومدرسته، ما يغني ويساعد على إنجاح عملية العودة للمساجد بشكل منظم، والسهر على إعادة الحياة إلى المسجد  لطبيعتها بالتدرج.

يتداول الناس مطلب فتحها باعتبارها أهم ركائز إشعاع الأمن الروحي في المجتمع المغربي، والفضاء المناسب لتوجيه الناس وإرشادهم في هذا الظرف بالذات، واستقبال المساجد للناس سيشكل دفعة معنوية وإشارة قوية لعودة الحياة لما كانت عليه، مما يتطلب مراجعة القرار والعدول عنه، والتأسي بدول جعلت من فتحه بوابة لبعث الأمل وسط شعوبها، لكن التجربة المغربية، سارت في طريق آخر سطره بيان المجلس الأعلى للعلماء وبلاغ الوزراء الأخير.

 

ثانيا: بيان العلماء        

المزيد من المشاركات
1 من 10

بيان المجلس الأعلى العلمي بالمغرب رفض فتح المساجد لاعتبارات من بينها أن صلاة المأمومين بالتباعد وراء الإمام لم تقم عليه بينة داخل المذهب الفقهي المعتبر ببلدنا، حيث لم يجدوا فتوى للإمام مالك أو للمجتهدين من تلامذته الذي تعاقبوا على تطوير مذهبه من بعده، ولست أدري هل سقطت سهوا أو عن سابق قصد، فتوى التباعد التي أجازها رأس المذهب رضي الله عنه لأصحاب الخيل قال مالك رضي الله عنه “ولابأس على أهل الخيل أن يصلوا بإمام متباعدين، لحِصَانة خيلهم” 1 قال علي 2 في المجموعة: “وهو أحب إلي من صلاتهم أفذاذًا”.

لكن التناقض الصارخ، هو ان الملك صلى قيام ليلة 27 من رمضان، على صفة مخالفة لما جاء في البيان، مما جعلنا أمام واقعة متناقضة، هل سكوتهم على الصلاة الملكية تمت بناءا على علمهم الأكيد أن هناك مسوغ فقهي من داخل المذهب، أم أن السكوت هو تمييز  يطبع سلوك العلماء الرسميين بين القادة والسوقة(عامة الناس ورعاعهم). هل تلك الصلاة التي تمت في تلك الليلة الرمضانية غير جائزة بناء على البيان المذكور، والمجلس الأعلى للعلماء هو هيئة استشارية علمية تعنى بقضايا الدين والناس، وسبق وأقام الدنيا ولم يقعدها في من أفتى من خارج أسوار المذهب، كما ندد بفتاوى شاردة لعلماء آخرين.

إن منع الناس من دخول المساجد لهذا الاعتبار بالتحديد منزلق أخلاقي ينبغي الوقوف عنده، خاصة أن الأحوال التي تعتري تغير الفتوى من زمان و مكان وأشخاص لم تتغير في هذه النازلة،  كما أن الشارع لم يميز في أداء العبادات بين حاكم ومحكوم، وينبغي للمجلس أن يزيل هذا الاشكال و يوضح هذا التناقض حفظا لدين الناس و توضيحا للمُشْكَلات المحدثة.

إن السكوت التقريري للصلاة الملكية بالتباعد، ومنع الناس منها حسب البيان خاصة مع فتح المصانع والمعامل أبوابها للناس، وعودتهم لممارسة حياتهم الطبيعية، بما فيها أداء الصلوات جماعة كما يتم ذلك  غالبا في أماكن العمل،  سواء علنا في قاعات الصلوات أو خارجها، مما ينبغي معه فتوى تحدد طريقة أدائها بكيفية صحية تمنع من انتشار المرض بينهم، عوض إطلاق الكلام على عواهنه لأسباب لم يقتنع بها عامة الناس فضلا على ذوي التخصص منهم.

 

         ثالثا:  بلاغ الوزراء.

لم يشر البلاغ الوزاري الأخير سيرا على نهج البيان السابق للمجلس الأعلى للعلماء، لقضية فتح دور العبادة، أسوة بغيره من الفضاءات العامة التي سمح لها وفق شروط محددة باستقبال الناس، ومنها حتى المرافق الصحية كالحمامات التي يطوي فتحها على خطر العدوى اكثر من غيرها، فلماذا لم يشر البلاغ الوزاري لقضية فتح المساجد، رغم العودة الطبيعة لكل مرافق الحياة المدنية، هل في فتحه وفق الشروط المتفق سريانها عليه وعلى غيره خطر يهدد حياة المغاربة، أم أن فتحه خارج عن مسؤولية محرري البيان والبلاغ، وفي انتظار تصحيح الأمر والعودة إلى الرشد، دون تمييز بين المؤسسات المدنية منها والدينية، وفي انتظار كذلك أن يتحمل الكل مسؤوليته في العودة التدريجية والآمنة للوضع الطبيعي الذي كنا عليه قبل الجائحة، أو على الأقل التعايش مع هذا الوضع الجديد وفق الضوابط التي اعتمدتها بلدان غيرنا، مسهم الضر، وكانوا قوما أسرع إفاقة بعد نكبة، فسمحوا للمساجد ودور العبادة باستقبال الناس، ولم يضعوا أمامها أعوان سلطة أو شرطة، وتركوا لأهل كل مسجد تنظيم نفوسهم والاحتراز وفق التدابير المتفق عليها، و إلى أن يرجع اهل البلاغ وأصحاب البيان للرأي السديد بفتح كل الفضاءات العامة دون تمييز، نؤكد أن الأخذ بأسباب الوقاية دين من الدين.

رابعا:   تدابير وقائية.           

مقالات أخرى للكاتب

وفي انتظار تصحيح الوضع هناك إجراءات سبقت  لها دول فتحت مساجدها، واتخذت مجموعة من التدبير المرافقة نذكرها على سبيل الاستئناس:

1_ منها تعقيم اليدين قبل الدخول إلى المساجد.

2_ أن يصحب المصلى  سجادته الشخصية معه.

3_ ارتداء الكمامة إجباري على رواد بيت الله في هذه المرحلة الاستثنائية

4 _ احترام مسافة الأمان بالصلاة المأمونين بالتباعد، ويرجع لفتوى مالك رحمه في هذا الشأن1.

5_ الانصراف مباشرة بعد أداء الفريضة في جو من الوقار والاحترام والتعامل بالسمت الإسلامي المطلوب بين عمّار المسجد والمشرفين على تنظيم الصلاة من لجنة المسجد.

6_ تمديد وقت فتح المسجد بما يسمح للناس بالدخول مجموعات لأداء صلاة الفريضة، ويرجع لأحكام مسجد السوق في ثراتنا الفقهي.

 

المراجع :

1_ كتاب النوادر والزيادات جزء1 ص295  لأبي زيد القيرواني، تحقيق د عبد الفتاح محمد لحلو دار الغرب الإسلامي طبعة 1999.

2_ علي بن زياد توفي سنة 183هـ، تلميذ مالك وهو الذي روى عنه موطئه و أدخله للقيروان

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.