منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعركة الفاصلة

المعركة الفاصلة/شيماء عيساوي

0

المعركة الفاصلة

بقلم: شيماء عيساوي

بسم الله الرحمن الرحيم قاسم الجبارين وناصر المستضعفين ولا عدوان إلا على الضالين المضلين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين النبي المجاهد محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أقدمت إسرائيل كعادتها على عدوان جديد يمس المقدسات الإسلامية، واقتحمت المسجد الأقصى المبارك ودنسته، واعتدت بشكل عنيف على الفلسطينيين، وحفرت الأنفاق على امتداد الجدار الغربي للمسجد، مما أدى إلى تصدع أساسيات العديد من المباني التاريخية والوقفية الملاصقة للحرم، فمن عادتها الاستخفاف بكل ما يمت للحضارة الإسلامية خصوصا والإنسانية عموما، وقد عاثت وأفسدت في الأراضي المقدسة بفلسطين وببيت المقدس.

فكان رد حركة المقاومة حماس هو الصواب لردع هذا العدوان، وكسر شوكة الكيان الصهيوني الغاشم. وبقدرة الله وقوته ونوره، رأينا ما كان يجب أن نراه منذ سنين من رد المقاومة الاعتبار للقدس ولفلسطين وللأمة الإسلامية، فحق لها الجهاد والدفاع عن شرف الأمة، وكرامة وحرمة المسجد الأقصى عرين المسلمين وجوهرتهم.

قال ابن تيمية: ” فجعل لمن جاهد فيه (المسجد الأقصى) هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فأنظروا ماذا عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} (1). ” (2)

فالمقاومة رابطت على الثغور وبادرت وخططت وتجندت، توكلت على الله وقدمت أبطالا ودافعت، فكان من حق رجالها أن نقدم رأيهم في الجهاد على آرائنا وأراء الساسة ، وعن كل من يتحدث بجهل  وقلة إدراك عن الحركة الإسلامية التي شنت الحرب وهي غير مؤهلة على مجابهة إسرائيل وأمريكا القوية بقلة عددها وعدتها، وهذا الكلام ما هو  إلا ذل وهوان، فالمقاومة على استعداد وبصيرة ورأيهم هو النافذ ويقدم على الأقوال الأخرى، ومن هنا نحييهم ونشد على أياديهم ونرفع شأنهم كما رفعوا شأننا، ونترحم على شهداء فلسطين وغزة أن يتقبلهم رب العالمين عنده.

المسلمون الآن في غزة يضطهدون ويعانون من القهر والجوع والحرمان وانعدام الراحة والتدمير النفسي والإهانة، والقتل ،وهدم بيوتهم، هذه الرقعة الجغرافية المحاصرة والممزقة أيما تمزيق، والتي يعصف الحزن  بها من كل مكان، من بكاء للأطفال والنساء والشيوخ والشباب و ما يتعرض له ذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى السرطان والكلى من كيد وعداء.

كما يمزق الحزن صدورنا من هول ما نشاهده من إبادة وحرب فتاكة، في الوقت نفسه آملين بمستقبل مشرق وضاء تتغير فيه هذه الكارثة، متأكدين من منطلق واقعي غير عاطفي أن النصر حليف المسلمين، وأن الإسلام هو دين المستقبل، وثوابته حجة قائمة ساطعة بالقرآن الكريم -هذا البيان الإلهي الخالد- وبالسنة النبوية الشريفة. فالإسلام هو منطلق الصحوة والحصن الحصين في مواجهة من يحاولون تفكيكه وتدميره، مؤمنين إيمانا صادقا بقدرته على استعادة المسلمين بعد أن انحرفت بهم الأوضاع، ونؤمن برفض الإسلام للعنصر الغريب المدمر، ونؤمن بالانتماء الإسلامي والتوازن الجامع بين الروح والمادة والعقل والقلب، وأيضا بالجهاد الذي يعتبر بذل الجهد وما في الوسع في سبيل الله تعالى، وهو مقول على معنيين الأول: إعلاء كلمة الحق ولا إله إلا الله والثاني: الرباط لحفظ أمور المسلمين، ودفع العدو عند هجومه. أو بعبارة أخرى هو استفراغ ما في الوسع لمحو ما لا يرضاه عز وجل ورسوله، ولا يرضاه العلماء الربانيون الراسخون في العلم.

والعدو مأخوذ من كلمة عدا: أي تجاوز الحد، فكل من ظلم غيره بأن أوقعه في مضرة أو سلبه حقه وأرضه، أو أعان  عليه عدوا قويا ظالما، يجب محاربته دفعا لعدوانه وردا لشره، فالجهاد كمقرر من مقررات الدين، إنما شرع لدفع خطر العدو كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)  تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) }. (3).

الإسلام طلب من أبنائه مجاهدة وتوقي شر العدو ومكائده والتضحية بالنفس والمال والأولاد في سبيل رفع شأن الدين وإعزاز كلمة الله، وجزاء المجاهد الحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم كما أخبرنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : {  ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. (4).

وتخبرنا السنة النبوية عن فضل ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ‏« تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ في سَبيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهادًا في سَبيلِي، وإيمانًا بي، وتَصْدِيقًا برُسُلِي، فَهو عَلَيَّ ضامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ أرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الذي خَرَجَ منه، نائِلًا ما نالَ مِن أجْرٍ، أوْ غَنِيمَةٍ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، ما مِن كَلْمٍ يُكْلَمُ في سَبيلِ اللهِ، إلَّا جاءَ يَومَ القِيامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، ورِيحُهُ مِسْكٌ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَوْلا أنْ يَشُقَّ علَى المُسْلِمِينَ ما قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبيلِ اللهِ أبَدًا، ولَكِنْ لا أجِدُ سَعَةً فأحْمِلَهُمْ، ولا يَجِدُونَ سَعَةً، ويَشُقُّ عليهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أنِّي أغْزُو في سَبيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أغْزُو فَأُقْتَلُ » .(5)، فلقد تمنى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله ثم تعود له الحياة فيجاهد ثم يقتل وهكذا لما يعرف من ثواب الشهادة في سبيل الله وما أعظمه من ثواب.

استولى الصهاينة على جزء كبير من فلسطين واحتلوا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وعاثوا فيها الفساد،  وقد شعر المسلمون بعظم الكارثة وفداحتها وتجرعوا كؤوس الحسرة والأسى بسبب ما فعله الاحتلال الصهيوني الذي عطل إسلامنا بمكره  وخداعه وبغضه وحقده وكيده وعداه للإسلام والأرض المقدسة أرض الأنبياء والرسل، وما احتلاله إلا تقصير منا وميلنا إلى الدنيا وركوننا إليها، واتباع  العدو الأخطر ألا وهو النفس، وهي أشد الأعداء لأنها آمرة بالسوء وتجر صاحبها إلى فعل المحرمات، بتزيين الشهوات له وإلى كل متاع الحياة، فيتعدى على أعراض الناس بغيا وظلما وعدوانا وعلى حدود الله، فعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:  « الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِي ». (6)، فحقيقة الأمر أن المسلم إذا تغلب على عدوه الداخلي (نفسه) التي تجعله من أشقى الأشقياء، إذ هي التي تستحق المجاهدة باعتبار مجاهدتها نقطة البدئ من أجل مجتمع إسلامي فاضل تسيطر عليه طبائع الوفاء والخير والمساعدة والرحمة وتتقلب النفوس فيه في مراتب العزة والكرامة والشموخ وفي ظله يتحقق الالتحام والتضامن، فالنبي  المجاهد صلى الله عليه وسلم وجهنا وأرشدنا إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس وإلزامها كلمة التقوى.

وإن ما نراه في غزة الآن وما كنا نراه من قبل تعجز له الأوصاف، رجال ونساء محجبات يجاهدون عدوهم الملازم ( النفس) وعدوهم الخارجي ( الصهاينة )، بكل ما أوتوا من قوة، فهذا الصنف من البشر هم الصفوة، هم العقلاء والأطهار والأخيار، وقفوا عند حدود الله ورضوا بأمره وصبروا على ابتلائهم، هم أدركوا سر الحياة فتزودوا من دنياهم لحياتهم الأبدية (حياة الآخرة )، ونظروا إلى الدنيا نظرة البصير الواعي الذي لا تؤثر فيهم عواصف المدنية الهوجاء ولا أساليبها الماكرة الخادعة، ولم ترعبهم قنابل الاحتلال ولا دباباتهم، فأقبلوا على الآخرة بإيمان ويقين ثابت، وصدق وإخلاص، جاهدوا بأنفسهم وبيوتهم وأبنائهم وبكل ما يملكون، في سبيل الأرض الطاهرة أرض الصالحين، فهم من السعداء الأبرار إن شاء الله.

غزة أعطت دروسا للإنسانية وللأمة الإسلامية والبشرية بأن الدفاع عن الحق والدين والأرض ورفع الظلم والجور والخزي والعار ومحاربة الطواغيت المتحكمين في زمام الأمور وفي رقاب العباد والمسيطرين على الأمم والشعوب العربية، الواقفين في طريق الدعوة الإسلامية وتبليغ الرسالة النبوية، كل هذا يحتاج إلى تضحية وجهاد وكفاح ونضال وصبر، نصرة لدين الله وفك أغلال العبودية عن المسلمين الصامدين.

الحرب على غزة تتخللها حرب إعلامية كبيرة، من قطع وسائل الاتصال والأنترنت وطمس الحقيقة وإخفائها، ولا يخفى علينا التوجه اليهودي الذي يقول : إنتاج الأفلام التي تعتمد على العنف والإثارة، بشرط أن تكون بسيطة التركيب حتى يستوعبها المشاهد العربي والمسلم ويقلدها في يسر، والجنس والزنا المحرم على المسلمين، والنفس دائما تهفوا إلى الممنوع وإنتاج أفلام الدعارة وتوسيع دائرة نوادي العراة وإدخال الأسلحة إلى البلاد الإسلامية مع إلباسها ثوب البراءة. وما تسعى إليه إسرائيل من تدمير عقول وقلوب الشباب المسلم وتشويش عقيدته، وما تحاول فعله الآن هو إسكات صوت الحق وإخفاء جرمها المشهود، تظن بأن قطع الخط على غزة يشكل ورقة ضاغطة على المقاومة وعلى الشعب.

 حقا إننا نعيش في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات والأنترنيت، وللإعلام دور مهم جدا في العالم. إذ ستواجهنا هذه الثورة الصناعية الثالثة بكل شيء سلبي فيها، فالدول المتقدمة الغربية لديها إمكانيات وقدرة على الإبداع ونشر صور زائفة وتحويلها كأنها حقيقة يستهلكها الجميع.

فالغزو الإعلامي الصهيوني والأمريكي والأوروبي الوافد علينا، ينشر بشتى الوسائل ما يمكن نشره من الرذائل والفواحش والانحلال الخلقي والعقائدي، إنه مستودع أمراض وخبائث يحاولون إدخاله إلى بيوت المسلمين، بل وتم إدخاله وإدراجه على القنوات العربية التي تنشر التفاهة والسفالة والفكاهة ولا تكترث لحزن الأمة ومصائبها، بل وتسعى لإخفاء الوقائع كأنه لا يحدث شيء. فالإعلام العربي تديره عناصر بشرية غير مؤهلة للقيام بالعمل الإسلامي أو ربما يكون عليها الضغط من الأجهزة العليا داخل الدولة وهذا الأمر وارد، فإن من يديرون هذا الإعلام إما أنهم تأثروا بمناهج وطرق غير إسلامية أو بالأحرى علمانية وصهيونية، أو درسوا في البلاد الغربية فتأثروا بمنهجهم، فأصبحت برامجنا الإعلامية العربية فاشلة بكل المقاييس، لذا ينبغي التركيز بشكل قوي على الإعلام وإعداد رجال للاستفادة من الخبرات التي أنتجها العقل البشري.

” تطير التكنولوجيا من ثورة إلى ثورة، الإنترنيت، الأداة الثمينة للتواصل ونشر المعلومات العلمية، هو كذلك وسيلة لنقل كل أنواع الأذى. تقلص شبكات الاتصال المتعددة حيز التساؤل الجوهري إلى نصيب ضئيل لتثقل حياة الناس بالتوافه، لتقبرهم تحت ركام من المعلومات التافهة ولتغرقهم في سيل جارف من الأفكار الجاهزة. هذه الشبكات المتطورة جدا، والتي يسهل أكثر فأكثر ولوجها، تميع المعارف وتضع في خدمة الناس ما به يخدع بعضهم بعضا بواسطة تبادل المنوعات الجاهزة ذات الأصوات المتنافرة وبسعر رخيص. هذا إن لم يلق مواطن عالم الإنترنيت، البحار الملهوف، حبال سفينته في إحدى حفر الخلاعة أو في أحد أوكار المافيا.” (7).

إن ما تسعى إليه الصهيونية التي تعتبر حركة يهودية تهدف إلى حل المشكلة اليهودية، أدت آخر الأمر إلى قيام دولة إسرائيل، أن تدمر المجتمع المسلم وتجتاح أراضيه وتسرق حقه، معتبرة أن المجتمع العربي متكامل وسليم ومن الخليق أن يتمسك بتقاليده ومعتقداته التي يقيد بها الشاب والشابة في حدود المعقول، وأن هذا المتجمع يختلف عن المجتمع الأمريكي والأوروبي بأخلاقه وأصوله ودينه، فتريد تفكيكه وتمزيقه، محاولة خلق صراع إعلامي وعرقي وطبقي وعقدي في كل قطر من الأقطار العربية الإسلامية حتى لا يتمكن المسلمون من العودة إلى الالتحام والتعاون والوحدة الجامعة، وهذا فضلا عن إحلال مفاهيم مغايرة، كإحلال مصطلح الاشتراكية بديلا عن العدل ومفهوم الديموقراطية بديلا عن الشورى، والكثير الكثير من المفاهيم والأساليب التي تحاول إدراجها بشكل مباشر وغير مباشر.

الصهيونية العالمية نجحت بمساعدة كل من بريطانيا والولايات المتحدة في إلحاق هزيمة بالعرب سنة 1948م، وتم إقامة دولتهم في فلسطين، وأعلنوا دولة إسرائيل بعد غياب من الساحة الفلسطينية دام لأكثر من ألفي عام.

“منبع الصهيونية وأصلها هو الشعور المكبوت بالانتماء والصمود التاريخي والحنين الدائم إلى العودة لأرض الميعاد. الصهيونية نقلة نوعية من ذهنية اليهودي الخامل في بلاد الشتات، المتجمع حول الأحبار وأسفارهم، الحالم بنزول المسيح ‘الماشيح’ كما يقول العبرانيون إلى الأرض ليخلص شعب الله المختار. نقلة من تلك الذهنية إلى ذهنية اليهودي الفاعل المتحرك المنظم. الصهيونية تشخيص عملي لفكرة العودة وإحياء القومية اليهودية التي كانت تدور لآلاف السنين في أذهان بائسة حاقدة محتقرة للعالم محقورة.” (8).

هدف العصابات الصهيونية احتلال العالم احتلالا معنويا وحكمه وإملاء الإرادة الصهيونية عليه، فقد  أسسوا أول مستعمرة صهيونية في فلسطين سنة 1878م، وبدأت طلائع الصهيونية سنة 1882م، وفي سنة 1901م أنشئ أول صندوق قومي يهودي في لندن للحصول على أراض في فلسطين تدخل في الحيازة اليهودية ولا تخرج منها أبدا، وتم بالفعل إنشاء ثلاثون مستعمرة صهيونية سنة 1914، عندها ظهرت الأطوار الأولى للنشاط الصهيوني في فلسطين  وتجدرت فيها.

“قبل أن تمتد اليد اليهودية إلى فلسطين، الدولة اليهودية في أمريكا ويغلط الناس حيث يظنون الكيان الصهيوني في فلسطين أداة سياسية عسكرية في يد الدولة العظمى تؤمن بها مصالحها، الناظرون في العمق يدركون أن العكس هو الصحيح، الدولة العظمى دولة مسكونة، سكنتها الروح اليهودية من قديم، فهي تحركها وتقيمها، وتقعدها على الوتيرة التي تشاء، وفي الاتجاه الذي تشاء وبالمقدار الذي تشاء وفي الزمن الذي تشاء”. (9)

فالحملة الصهيونية التي تقودها الدول الأوروبية والولايات المتحدة وعدة دول قوية وقادة محنكون، من أهدافها التسلط على فلسطين وعلى القدس أولا ثم التقدم إلى الجزيرة العربية والحرمين الشريفين، وإفقاد المسلمين شرفهم وعزهم ودينهم والقضاء على العقيدة والمشاريع الدينية. لذا فلن نرى خيرا لا من أمريكا ولا من اليهود تجار الفحش في العالم، ينهبون الأموال ويسفكون الدماء والباب مفتوح لهم على مصراعيه للرذيلة .

” في مقدمة كتاب: ‘ المغزى العالمي للثورة الروسية ‘ ، كتب الدكتور اليهودي أوسكار ليفي يقول: ( نحن الذين قدمنا أنفسنا للعالم على أننا منقذوا العالم، نحن الذين زعمنا للعالم أننا أعطينا الإنسانية ” منقذا” (يقصد المسيح عليه السلام) نحن لسنا اليوم إلا المغرين للعالم، والهادمين له، والمحرقين له، والمقاتلين… نحن الذين وعدنا العالم بأن نرشده إلى  جنة جديدة، نحن قدمناه إلى جحيم جديد… لم يكن هنالك أي تقدم، وبالأخص التقدم الخلقي… وما عاقة التقدم الخلقي للبشرية إلا أخلاقياتنا، وأقبح من ذلك أن أخلاقيتنا تتعرض في طريق إعادة بناء عالم محطم بناء مستقبليا طبيعيا، إني أنظر إلى العالم وأراعد لهول ما أرى، ويزداد رعبي أنني أعرف الآباء الروحيين لهذه الفضائع).  يهودي يؤنبه الضمير! يهودي أدرك مبعث الفساد في الأرض، وأصل داء الأمم وفظاعة الجناية اليهودية ، ألا فأعجبوا رحمكم الله…. ويقول اليهودي جيمس بول واربورج في خطبته أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 17 فبراير 1950م: سنحصل على حكم العالم، شئنا  ذلك أم أبينا، السؤال الوحيد هو: هل سنحقق الحكم على العالم بالغزو، أم بموافقة الشعوب؟. يهودي يتحدث في أعلى مؤسسة أمريكية بهذه اللغة، إنه يعتبر انتصار أمريكا، واستيلاءها على العالم انتصارا لليهود صانعي الرؤساء في أمريكا، صانعي القرارت والسياسات. وإن كانت أمريكا القوة الظاهرة إلى جانب الدولة الصهيونية تفعلان بالنار والحديد وبالغزو وبإخضاع الشعوب وإبادتها وإذلالها ما تفعلان، فإن هناك منظمات صهيونية منتشرة في العالم غنية بالمال والخبرة والدهاء، هناك الماسونية العالمية وما ينضوي تحت جناحها من كلوبات وجمعيات خيرية ورياضية وثقافية، إلخ.” (10)

 وإلى جانب كل هذا إن ” شغف اليهود الباحثين ومؤسساتهم الأكاديمية ومؤرخيهم واهتمامهم كبير بالحصول على المخططات المتعلقة بفضائل المسجد الأقصى والقدس، ودراستها واستخلاص نتائج خاصة تخدم مستقبلهم ووجودهم على تلك الأرض المغتصبة،  وهذا الشغف لدراسة كتب الفضائل المتعلقة ببيت المقدس وبلاد الشام ليست ترفا فكريا ولا إعجابا بهذه المكانة التي تعلقت بها قلوب المسلمين وحواسهم على مر العصور والأزمان، بل هذا الاهتمام ينصب في دائرة واسعة تبدأ بمعرفة الماضي واستلهام دروسه والاهتمام بالحاضر وقراءة المستقبل. والمستشرقون من الغربيين واليهود قد أولوا كتب الفضائل عناية أكبر بكثير من اهتمام طلبة العلم والأكاديميين من العرب والمسلمين في العصر الحديث، وقد درس الباحثون اليهود وحققوا ونشروا عددا  من تلك المخطوطات… وفي مدى اهتمام اليهود بكتب الفضائل بالذات يقول الشيخ المحقق( مشهور حسن آل سلمان) : ولا بد من الإشارة إلى أن اليهود نشروا كتبا كثيرة في فضائل الأقصى، ولديهم حب وولع في اقتناء الكتب في فضائل البلدان، ولا سيما مكة والمدينة ولديهم دراسات عن مشاعر المسلمين نحو مقدساتهم من خلال كتب الفضائل كي يتبين لهم الخط البياني لنمو المشاعر أو ظهورها، فحينئذ يسهمون في بث ما يؤدي إلى ضهورها استعدادا للمعركة “. ( 11).

فمتى تقوم الأقطار الإسلامية من هوانها وعجزها، وتجابه هذا الصراع الفكري والعقائدي، متمسكة بالدين محبة له وغيرة عليه ويكون  في هذه البلاد جهاد ونضال والتحام، وانسجام وثقة وإحسان وإخلاص ، ويكون القادة فيها المسلمون الغيارى على الدين والمجاهدين في سبيله، والحريصين على بقائه وانتصاره وانتشاره، طلبا لرضى الله عز وجل وإيثارا  للآخرة على الدنيا، مقتدين بالخلفاء الراشدين والحكام الصالحين، والقادة المخلصين المجاهدين.

ومعركتنا الفاصلة لازالت مستمرة إلى النصر بإذن الله، فقد قيض الله لهذه الأمة كتائب عز الدين القسام بعددهم وعتادهم القليل والذي كسروا به شوكة الاحتلال المجرم، وتكون الغلبة لعباد الله المؤمنين تصديقا لقوله تعالى { وإن جندنا لهم الغالبون} (12).

ولن نستعيد فلسطين إلا بالإيمان الصافي والعقيدة الصادقة والانضواء تحت راية الإسلام، فهذا هو السبيل الذي سيحقق لنا النصر بمشيئة الله جل جلاله وعظيم سلطانه.

_______________

(1): سورة العنكبوت، الآية: 69.

  (2): نقلا عن كتاب الجهاد القادري .

 (3): سورة الصف الآيتين: 10-12.

(4): سورة آل عمران الآيتين: 196-170.

(5): رواه مسلم.

(6): رواه الترمذي.

(7): كتاب الإسلام والحداثة، ص(34).

(8): كتاب سنة الله، ص(104).

(9): كتاب سنة الله، ص (128).

(10): كتاب سنة الله، ص (110).

(11): كتاب تاريخ القدس بين تضليل اليهود وتضييع المسلمين، ص( 25).

(12): سورة الصافات، الآية: 173.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.