منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلماء العاملون؛ ملاذ الأمة وقدوتها.

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

لقد كانت مواقف كثير من العلماء مشرفة ومشرقة عبر تاريخ أمتنا الإسلامية، مواقف تصور حال العلماء مع الملوك والسلاطين والأمراء، فكانوا يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، فكانت لهم مكانة خاصة في عين السلاطين وعامة المسلمين.

وكان موقف الحاكم يخالف في كثير من الأحيان موقف العالم المستند إلى نصوص شرعية أو إلى اجتهاد مغاير لا يروق هذا الحاكم أو ذاك، فكان صمود هؤلاء العلماء وإصرارهم سببا في إنقاذ الأمة من أخطار محققة مثلما حصل من العز بن عبد السلام إبان حكم المماليك، وكان موقفه سببا في انتصار مصر على الغزو المغولي في معركة عين جالوت.

أولا: العلماء الربانيون قدوة الأمة وملاذها؛

من العلماء من كانت لهم مواقفَ إصلاحيةٍ حميدة، وإشارات واقتراحات سياسية سديدة، تطالع القارئ لسِيَرهم ومناقبهم؛ فقد “خالطوا الناس، واهتموا بشؤونهم، وأجابوا عن قضاياهم وأسئلتهم، وأبانوا لهم وجهَ الحق، وجانب الصواب في ممارساتهم وتصرفاتهم، “بالمخالطة، والوعظ، والإرشاد، والتربية، والنصيحة المباشرة، لا بمجرد التصنيف في الآداب والأخلاق والقيم النظرية فحسب.”[1].

المزيد من المشاركات
1 من 61

والعلماء الربانيون هم القدوة الحسنة وملاذ الأمة؛ يواجهون النظم والاستبداد سواء بالنصح أو بتجييش الناس ضد سياسات الحكام، أو بالوقوف في وجه الاحتلال الأجنبي بالجهاد بالسنان أو اللسان؛ ولنا في التاريخ الإسلامي أمثلة على ذلك، مثل وقفات ابن تيمية والعز بن عبد السلام ضد التتار، وفي عصر الاستعمار الغربي الحديث ظهر بعض العلماء والمشايخ مثل ابن عبد الكريم الخطابي في المغرب وعمر المختار في ليبيا وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وعز الدين القسام في سورية وفلسطين، كانت لهم مواقف رجولية مشرفة ضد المحتل الإسباني أو الإيطالي أو الفرنسي أو الإنجليزي، وقد استشهد عز الدين القسام في معركة مع جيش الانتداب الإنجليزي في أحراش يعبد بفلسطين.

ثانيا:  نماذج من مواقف العلماء العاملين؛

سأعرض هنا نماذج من مواقف العلماء الربانيين والعاملين الذين وقفوا في وجه السلطان لما اتبع هواه، أو خالف شرع الله تعالى:

1- التابعي الجليل طاووس بن كيسان (ت 106هـ).

لما دخل طاووس على هشام بن عبد الملك خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام. ولم يكنه وجلس بإزائه. وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى همَّ بقتله. فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكنك ذلك. فقال: يا طاووس، ما الذي حملك على ما صنعت؟. قال: وما الذي صنعت. قال هشام: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبِّل يدي ولم تسلم بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي دون إذني، وقلت كيف أنت يا هشام؟.

وكان من جواب طاووس: “… وأما قولك لم تسلم عليَّ بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك لم تكنني فإن الله سمَّى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود ويا يحيى ويا عيسى، وكنَّى أعداءه فقال: “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ”. وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام. فقال هشام: عظني. قال طاووس: سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول: “إن في جهنم حيَّات كالقلال وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته”. ثم قام وخرج[2].

2- أسد بن الفرات (ت 213هـ):

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

هو أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، كان قائد الجيش الذي فتح صقلية. خرج أسد بن الفرات من القيروان في حملة عسكرية كبيرة قوامها عشرة آلاف من المجاهدين المشاة، وسبعمائة فارس بخيولهم في أكثر من مائة سفينة كبيرة وصغيرة، خرجت من ميناء سوسة على البحر المتوسط وسط جمع عظيم من أهل البلد، الذين خرجوا لتوديع الحملة المجاهدة… ونفذ أسد بن الفرات على رأس جنده إلى شرقي الجزيرة، وهناك وجد قوَّة رومية بقيادة الثائر فيمي، الذي طلب مساعدة ابن الأغلب لاستعادة حكمه على الجزيرة، وعرض فيمى على أسد بن الفرات الاشتراك معه في القتال ضدَّ أهل صقلية، ولكنَّ القائد العالم بأحكام الشريعة، رفض الاستعانة بالمشركين تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي رفض الاستعانة باليهود يوم أحد[3].

3- الإمام أحمد بن حنبل، (ت 261هـ): 

من مواقف الثبات لهؤلاء الجبال بصورة تعجز الأقلام عن وصف روعتها، نسجل موقف الإمام أحمد في رفض عذر العلماء الذين أجابوا الحاكم للقول بخلق القرآن تحت وطأة التهديد وقد ترخصوا في الأمر بقول الله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) وبحديث عمار رضي الله عنه، فكان رد الإمام أحمد: (إن عمارا ضربوه وأنتم قيل لكم سنضربكم)! واستمر كذلك إمامنا أحمد لا يداهن في دين الله أحدا وإن كان علما عالما مثله، كما كان موقفه مع الإمام المحدث يحيى بن معين رحمه الله، الذي تنازل للحاكم مترخصا بنفس ذاك الدليل، فقال الإمام أحمد بحكمة المبصر: (يقول لي أكره ولم يضرب سوطا واحدا!). ثم بعد إقامة الحجة عليه لم يكلم الإمام أحمد يحيى بقية حياته، ولم يرد عليه السلام، لما سلم عليه حين كان الإمام أحمد طريح فراش الموت رحمه الله.

4- الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456هـ):

كان ابن حزم الأندلسي الظاهري من العلماء الذين خالطوا السلاطين وحذروهم من موالاة اليهود الذين عُرفوا بمكرهم وخُـبثهم، قال رحمه الله: (إن أملي لقوي وإن رجائي مستحكم في أن يكون الله تعالى يُسلِّط على من قرب اليهود وأدناهم وجعلهم بطانةً وخاصةً، ما سلط على اليهود، وهو يسمع كلام الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذُوا اليَهودَ وَالنَّصارى أَولِياءَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾. وعرض ءايات في الباب، ثم قال: “فمن سمع هذا كله، ثم أدناهم وخالطهم بنفسه من ملوك الإسلام فإنه إن شاء الله تعالى قمين[4] أن يحيق الله عز وجل به ما أحاق بهم من الذلة والمسكنة والهوان والصغار والخزي في الدنيا سوى العذاب المؤلم في الآخرة”)[5].

5-  الإمام النووي (ت 676هـ):

لما خرج الظاهر بيبرس إلى قتال التتار بالشام، أخذ فتاوى العلماء بجواز أخذ مال من الرعية يستنصر به على قتالهم، فكتب له فقهاء الشام بذلك فأجازوه. فقال: هل بقي أحد؟. فقيل له: نعم بقي الشيخ محيى الدين النووي. فطلبه فحضر. فقال له: اكتب خطابك مع الفقهاء، فامتنع. فقال: ما سبب امتناعك؟. فقال النووي: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقار وليس لك مال، ثم منَّ الله عليك وجعلك ملكا وسمعت عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مئتا جارية لكل جارية حق من الحليّ، فإذا أنفقت ذلك كله وبقيت مماليكك بالبنود والصرف بدلا من الحوائص وبقيت الجواري بثيابهن دون الحليّ، أفتيتك بأخذ المال من الرعية. فغضب الظاهر من كلامه، وقال: أخرج من بلدي -يعني دمشق-. فقال: السمع والطاعة، وخرج إلى نوى. فقال الفقهاء: إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا وممن يقتدى به، فأعده إلى دمشق. فرسم برجوعه، فامتنع الشيخ. وقال: لا أدخلها والظاهر فيها، فمات بعد شهر[6].

6- العز؛ بن عبد السلام، (ت 660هـ). هو عبد العزيز بن عبد السلام، المغربي أصلاً، الدمشقي مولداً، ثم المصري داراً ووفاة، والشافعي مذهباً، الإمام الفقيه والعالم المجتهد.

كانت تخشاه السلاطين والملوك. ولم يشغله العلم عن مقاومة الظلم ومواجهة الحُكام والجهاد ضد الأعداء. وعاش في شبابه ظروفا سياسية مضطربة، وعصرَ ضعف وانهيار الدولة العباسية والانشقاقات الداخلية وتكالب الصليبيين والمغول على الأمة، في هذه الظروف فضّل كثيرون من أهل العلم السكوت عن الحق واعتزال المشهد العام، في حين انخرط العز في قلب هذه الأزمات مقدمًا صورة مغايرة لعالم الدين الذي يجاهد في سبيل الله الذي لا يخشى أحدًا. وأنقذ المسلمين من التتار إبان حكم المماليك، وحرضهم على القتال، حتى انتصروا في مصر على الغزو المغولي[7].

7- شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ):

وفي نفس الظروف والأحداث التي عاشها العز بن عبد السلام، أبان ابن تيمية على موقف العالم الرباني الذي أنقذ المسلمين من مذابح التتار، قال رحمه الله: (… وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي المسلمين على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي العسكر المصري إلى الشام)[8].

خــاتـمة:

هذه نماذج من علماء كانوا قادة وقدوة وملاذا للأمة، فلا ينبغي للعالم أن يلتزم الحياد وعدم الخوض في القضايا السياسية الراهنة، ولو انكبّ عن الوعظ والترغيب والترهيب، وسرد سير السلف الصالح بلا رابط مع الواقع، خوفا من بطش النظام الحاكم أو من سلطة الاحتلال الأجنبي، ولو برر بأن إصلاح القلب والنفس مقدم على القضايا الأخرى، أو أن الأمر يجر على الأمة فتنة أشد تراق فيها دماء كثيرة وجب حقنها، أو أن الأمة تعاقب من ربها بسبب معاصيها. ولا يمكن القول بعدم تدخل العلماء في الشأن السياسي؛ لأن النصوص تمتلئ بما يرتب وينظم الحالة السياسية للأمة، من آيات كريمة أو أحاديث شريفة.

والأدهى والأمرّ أن بعض العلماء يعتمد على المال الذي بيد الحاكم في معيشتهم، مما سهل له التحكم بالمؤسسة، وتجنب غضبهم أو دعوتهم للتصدي له، فيفسد أمر الحكام والعلماء معا؛ فمحمد علي باشا والي مصر في القرن التاسع عشر تمكن من تحويل مؤسسة الأزهر الشريف القائمة ذاتيا من تبرعات ومساهمات الشعب منذ قرون إلى مؤسسة تتبع الدولة عبر إغداقه المال عليها وإغواء المشايخ –بدهائه المعروف- بأن مال الدولة أكثر وربما أفضل من مال التبرعات، فصار تعيين رئيس مشيخة الأزهر أمرا منوطا بالسلطة السياسية وقد سار من بعده على نهجه إلى الآن.

ويبقى دور العلماء السياسي أصيلا ومطلوبا في هذه المرحلة –التطبيع مع الكيان الصهيوني-، ولا بد أن يجتمعوا على كلمة سواء وميثاق شرف بينهم، كي لا تظل الأمة منقسمة في رأي علمائها مثلما هي منقسمة بين أحزابها وسياسييها ومـثـقفيها.

وأي سلطة قامت على رؤوس المسلمين فظلمت وتجبرت لم تكن لتحقق مرادها لولا مساندة علماء “السوء” وفي المقابل أي سلطة عدلت وأحسنت لم تكن لتتألق في سعيها بدون معيّة علماء “الحق”.

 

[1] – د.هيثم بن فهد الرومي، إصلاح الفقيه فصول في الإصلاح الفقهي؛ (مركز نماء للبحوث والدراسات،

بيروت – لبنان، الطبعة الثانية: 2017م). الصفحة: 56.

[2] – ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج: 2 / ص: 510.

[3] – شمس الدين، الذهبي. سير أعلام النبلاء، ج: 10 / ص: 225-226.

[4] – معنى قمين: جدير.

[5] – رسائل ابن حزم، ج: 3 / ص: 67.

[6] – السيوطي: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، 2/ 105.

[7] – يُـنظر: تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1413هـ، (5/83).

[8] – فتاوى ابن تيمية، (دار الكتب العلمية، الطبعة الثنية، 2005هم). ج: 27 / ص: 222.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.