منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأحكام المتعلقة بالميت في زمن (كورونا)

الدكتور محمد الناسك

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الإنسان إذا مات انقطع عنه التكليف الشرعي، وأصبحت له حقوق في ذمة الأحياء، ولذلك قال مالك – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: “إن الميت إذا مات يحنط وإن كان محرما، وتوجهت على الأحياء فيه أمور. فالذي يتوجه فيه على الأحياء أربعة أشياء، وهو غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه[1]“.

ولأن الوفاء بحقوق الميت يحتاج إلى اجتماع الناس، وتعاونهم في ذلك، وهو أمر متعذر في زمن الوباء المعدي، وحالة الطوارئ الصحية التي تفرضها الدولة، فالواجب على الناس الوفاء بحقوق الميت في حدود الاستطاعة، وفي نطاق القدرة على الجمع بين الوفاء بحقوق الميت، والمحافظة على سلامة الأحياء من العدوى، لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، والحرج مرفوع، قال تعالى: ” مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[2]“، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ” دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم[3]“.

المزيد من المشاركات
1 من 18

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ” في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة” وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: “يوم الاثنين” قال: فأي يوم هذا؟ قالت: ” يوم الاثنين ” قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه، كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح[4]“، ووجه الدلالة هنا هو قول أبي بكر –رضي الله عنه-: ” إن الحي أحق بالجديد من الميت”، فإذا كان هذا في اللباس فالمحافظة على سلامة الحي ولو كان بالتفريط ببعض حقوق الميت من باب أولى. وسأتحدث هنا بحول الله تعالى عن الأحكام المتعلقة بتجهيز الميت، مستحضرا الظرف الاستثنائي الذي نعيشه، والله أسأل أن يرفع البلاء والبلاء عنا، وعن البشرية جمعاء.

1– غسل الميت:

ذهب جمهور الفقهاء الأمصار إلى وجوب غسل الميت، قال علاء الدين المرداوي:”غسل الميت فرض كفاية[5]“، بل نقل بعضهم الإجماع[6] على ذلك، قال الكاساني في بدائع الصنائع: “فالدليل على وجوبه النص والإجماع والمعقول[7]“، وقال النووي: ” واعلم أن غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فروض كفاية بلا خلاف[8]“، إلا أن ابن حجر أنكر على النووي نقل الإجماع، واعتبره ذهولا شديدا، لأن ” الخلاف مشهور عند المالكية، حتى أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه[9]“.

وقد اختلف العلماء في تأويل الأمر بالغسل الوارد في النصوص النبوية، “وسبب الخلاف فيه: هو أن هذا الأمر هل المقصود به بيان حكم الغسل فيكون واجبا، أو المقصود به تعليم كيفية الغسل، فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب؟”[10].

ففي المذهب المالكي قولان مشهوران بالوجوب والسنية، قال بالأول “عبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر وشهره ابن راشد وابن فرحون، وأما سنيته فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس وابن الجلاب وشهره ابن بزيزة[11]“.

وإلى سنية الغسل –ما لم يفت- ذهب ابن رشد، عندما قال: “أما غسله فإنه سنة مسنونة لجميع المسلمين حاشا الشهداء من المجاهدين، وشرعه الله في الأولين والآخرين…فإن ترك غسله استدرك ما لم يدفن، وقيل: ما لم يخش عليه التغير وإن دفن، وتعاد الصلاة عليه[12]“.

هذا كلامهم –رحمهم الله- في الحالات الطبيعية، والأوضاع العادية، أما في الحلات الاستثنائية التي يعم فيها الوباء، ويخاف الناس من العدوى فإن قلنا بسنية الغسل كما قال بعض المالكية فالأمر سهل، وإن قلنا بالوجوب كما هو مذهب الجمهور فإن هذا الواجب يسقط بالشروط التالية:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

أ- أن تؤكد الجهات الصحية المختصة انتقال العدوى من الميت إلى الحي.

ب- أن يتعذر القيام بالواجب باستخدام الوسائل الوقائية التي تحول دون انتقال العدوى، كالتي يستخدمها الأطباء والممرضون.

ج- أن يتعذر القيام بالحد الأدنى من الغسل، وهو تعميم جسد الميت بالماء، ولو عن بعد.

2– تكفين الميت:

ومن حقوق الميت الواجبة على الأحياء تكفينه قبل دفنه، فقد نقل ابن حزم الاتفاق[13] على وجوب الكفن، والأفضل في الكفن قال ابن حبيب: “أحب إليَّ في الكفن خمسة أثواب، يعد فيها العمامة والمئزر والقميص ويلف في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم، ويشد مئزرها بعصائب من حقويها إلى ركبتيها ودرع وخمار وتلف في ثوبين[14]“.

فإن تعذر ذلك، فالحد الأدنى هو ستر عورة الميت، قبل دفنه، قال ابن رشد: ” والذي يتعين منه تعين الفرض ستر العورة، وما زاد على ذلك فهو سنة. فإن تشاح الأولياء فيما يكفنونه به قضي عليهم أن يكفنوه في نحو ما كان يلبسه في الجمع والأعياد، إلا أن يوصي بأقل من ذلك فتتبع وصيته. وإن أوصى أن يكفن بسرف فقيل: إنه يبطل الزائد، وقيل: إنه يكون في الثلث[15]“.

وجاز دفنه بثيابه التي مات فيها، إن تعذر تكفينه  في غيرها، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ” أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم[16]“.

3– الصلاة على الميت:

اختلف العلماء في حكم الصلاة على الميت كاختلافهم في حكم غسله، وقد نقل أن “الصلاة على الميت غير الشهيد فرض كفاية على الأحياء بالإجماع، كالتجهيز والغسل والتكفين والدفن، إذا فعلها البعض ولو واحدا سقط الإثم عن الباقين[17]“.

وادعاء الإجماع ذهول شديد، لأن الخلاف في الحكم ثابت عند المالكية، فعندهم  في المسألة قولان مشهوران، قول[18] بالوجوب منسوب لسحنون، وعليه أكثر المالكية، وشهره الفاكهاني، وقول[19] بالسنية منسوب لأصبغ، واستنبطه بعض المتأخرين من كلام مالك، وذكر الحطاب “عن سند أن المشهور فيها عدم الفرضية، وهو يفيد تشهير السنية[20]

وقد ذهب ابن رشد إلى السنية، بعد مناقشة أدلة القائلين بالفرضية، قال في المقدمات الممهدات: “وأما الصلاة عليه فقيل: إنها فرض على الكفاية كالجهاد يحمله من قام به، وهو قول ابن عبد الحكم، ودليله قول الله عز وجل: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا[21]}، لأن في النهي عن الصلاة على المنافقين دليلا على الأمر بالصلاة على المسلمين، وهو دليل ضعيف، إذ قد اختلف في صريح الأمر هل هو محمول على الندب أو على الوجوب، فكيف إذا لم يثبت إلا بدليل الخطاب الذي قد اختلف في وجوب القول به.

وقد قيل: إنها سنة على الكفاية، وهو قول أصبغ… ومن سنة الصلاة عليه أن تكون قبل أن يدفن، فإن دفن قبل أن يصلى عليه أخرج وصلي عليه ما لم يفت، فإن فات صلي عليه في قبره. وهو مذهب ابن القاسم وابن وهب، وقيل: إنه إن فات لم يصل عليه لئلا يكون ذريعة للصلاة على القبور، وهو مذهب أشهب وسحنون.[22]“.

وقد كان الناس –في زمن العافية- يجتمعون للصلاة على الميت في المساجد، وفي زمن الوباء -أو عدم إمكانية اجتماع الناس لسبب من الأسباب- يكفي أن يصلي على الميت من الناس من تتحقق بهم الجماعة، اثنان فما فوق بقدر الممكن، لأن الجماعة شرط في صحة صلاة الجنازة، قال ابن رشد: ” من شرط صحتها الإمامة كصلاة الجمعة، فإن صلي عليها بغير إمام أعيدت الصلاة ما لم يفت ذلك[23]“. والجماعة تتحقق باثنين فصاعدا، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الاثنان فما فوقهما جماعة[24]“. فإن تعذر اجتماع أكثر من واحد صلى عليه.

ويمكن لمن غاب عن تجهيز قريبه الميت أن يصلي عليه صلاة الغائب، فقد قال بصلاة الغائب عدد من العلماء، ودليلهم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: نعى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي صاحب الحبشة، يوم الذي مات فيه، فقال: ” استغفروا لأخيكم”. وعنه أيضا قال: ” إن النبي صلى الله عليه وسلم صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعا[25]“.

4– دفن الميت:

وأما دفن الميت فإنه فرض كفائي على الأحياء، وحق من حقوق الميت، ففيه حفظ كرامة الميت بدفنه، وسلامة الأحياء من أذاه ونتنه، قال الله عز وجل في ابني آدم: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ – فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ[26]}، قال ابن رشد -في معنى هذه الآيات-: “وروي أنه حمله على عنقه سنة يدور به لا يدري ما يصنع، إلى أن بعث الله الغراب منبها له على دفنه، ففعل ذلك، وكانت سنة له ولمن بعده إلى يوم القيامة، أنعم الله بها على عباده، وعدد النعمة بها عليهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا[27]}، وقال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ[28]}، وقال: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى[29]}، وهو أيضا من فروض الكفاية يحمله من قام به من الناس[30]“.

5– التعزية:

التعزية سنة، وقيل مستحبة، وهي تسليت أهل الميت، وحملهم “على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب[31]“. وفيها ثواب كبير، فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من عزى مصابا فله مثل أجره[32]“، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من عزى أخاه المسلم في مصيبة، كساه الله حلة خضراء يحبر بها” قيل: يا رسول الله، ما يحبر بها؟ قال: ” يغبط بها[33]“.

فالمؤمنون كالجسد الواحد، يفرح بعضهم لبعض في السراء، ويواسي بعضهم بعضا في الضراء، فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى[34]“. ولذلك تراهم يجتمعون في المصائب –في الأحوال الطبيعية- لتحقيق أمور ثلاثة، ذكرها ابن رشد في قوله: “والتعزية لثلاثة أشياء، أحدها: تهوين المصيبة على المعزي، وتسليته منها، وتحضيضه على التزام الصبر، واحتساب الأجر، والرضا بقدر الله، والتسليم لأمره، والثاني: الدعاء بأن يعوضه الله من مصابه جزيل الثواب، ويحسن له العقبى والمآب، والثالث: الدعاء للميت، والترحم عليه، والاستغفار له[35]“.

وهذه الأمور الثلاثة يمكن تحقيقها عن بعد، عند تعذر الأصل –أقصد اجتماع الناس-، بوسائل التواصل التي فتحها الله بها على عباده في هذا الزمان، كالهاتف وغيره، ويصبح التجمع محذورا، وإن صورته العواطف الجياشة ضروريا، لما يترتب عنه من انتقال العدوى، وانتشار الأذى، فالله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمي.


[1]  المقدمات الممهدات، ج 1، ص 232.

[2]  سورة المائدة، الآية 6.

[3]  صحيح البخاري.

[4]  صحيح البخاري.

[5]  الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ج 2، ص 469.

[6]  وممن نقل الإجماع ابن حزم في مراتب الإجماع، ص 61، وابن المنذر في كتابه الإجماع ص 50.

[7]  بدائع الصنائع، للكاساني، ج 2، ص 306.

[8]  المجموع، للنووي، ج 5، ص 112.

[9]  فتح الباري، لابن حجر، ج 3، ص 125/126.

[10]  المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ج 2، ص 592.

[11]  حشية الدسوقي، ج 1، ص 408.

[12]  المقدمات الممهدات، ج 1، ص 233.

[13]  مراتب الإجماع، ص 61.

[14]  الدر الثمين، لميارة، ص 318.

[15]  المقدمات الممهدات، ج 1، ص 233/234.

[16]  سنن ابن ماجه.

[17]  الفقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي، ج 2، ص 481.

[18]  حاشية الدسوقي، ج 1، ص 408.

[19]  نفس المرجع والصفحة.

[20]  نفس المرجع والصفحة.

[21]  سورة التوبة، الآية 84.

[22]  المقدمات الممهدات، ج 1، ص 234.

[23]  المقدمات الممهدات، ج 1، ص 236.

[24]  مستدرك الحاكم.

[25]  صحيح البخاري.

[26]  سورة المائدة، الآيات 30/31.

[27]  سورة المرسلات، الآيات 25/26.

[28]  سورة عبس، الآيات 21/22.

[29]  سورة طه، الآية 55.

[30]  المقدمات الممهدات، ج 1، ص 236.

[31]  مواهب الجليل، للحطاب، ج 2، ص 523.

[32]  سنن الترمذي.

[33]  شعب الإيمان، للبيهقي.

[34]  صحيح البخاري.

[35]  مواهب الجليل، ج 2، ص 523.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.