منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مراجعة كتاب الدولة المدنية نحو تجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة للكاتب جاسر عودة

عماد الدين عشماوي

0

مراجعة كتاب الدولة المدنية

نحو تجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة

المؤلف: جاسر عودة

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر

الطبعة الأولى:2015

عدد الصفحات:319

مراجعة: عماد الدين عشماوي

الدكتور جاسر عودة، المتخصص في علم مقاصد الشريعة الإسلامية، أحد رواد الخطاب الإسلامي الجديد من جيل الشباب، الذي اقتحم مجال المقاصد الشرعية، مقدماً رؤى متميزة لقضايا متعددة مثل: دور المسجد، والمرأة وقضايا الفكر والعمل السياسي، داعياً فيها للتركيز على المقاصد، حتى نعطي الشريعة الإسلامية القوة اللازمة لمواكبة التحولات الراهنة، وتلبية تطلعات المسلمين في عالمنا المعاصر. وهو يؤكد في كل كتاباته على أن الاجتهاد العصري، لا يمكن أنْ يستند إلى النصوص وحسب، بل ينبغي عليه أنْ يأخذ واقع حياة الناس بالحسبان أيضًا، وأنْ يقوم على النص والسياق. مستفيداً مما توفره لنا مختلف العلوم الاجتماعية الطبيعية من المعارف، هو الأمر الذي تلبيه مقاصد الشريعة.

في كتابه، هذا، المكون من مقدمة وثلاثة فصول وخلاصات، يقدم لنا الدكتور عودة رؤية لطبيعة أزمة الأمة العربية السياسية، ومحاولة لبناء دولة مدنية تكون مرحلة في بناء وحدة الأمة الإسلامية وقاطرة لنهوضها المأمول من جديد، من خلال تجديد النظر لقضايا السياسة من وجهة نظر علم المقاصد، عبر تبني التحليل المنظومي للظواهر والمفاهيم والنظم السياسية.

 طبيعة الأزمة السياسية الراهنة

يعيد المؤلف، أسباب أزماتنا السياسية العربية الحالية، لأمراض أخلاقية وفكرية وعقلية مزمنة على المستويين الفردي والجمعي، مؤكداً أن “النظام” المستبد، عميق ومتمكن ومتغلغل في المجتمعات العربية، ولم ولن يسقط أو يتغير ببساطة. (ص7).وهو يعدد أهم أسباب أزمتنا الراهنة في العناصر التالية:

1-ضعف الممارسة الأخلاقية، وطريقة التفكير الاستبدادية العقيمة السائدة، عند قطاعات واسعة في كل الاتجاهات الإسلامية وغير الإسلامية. (ص12).

2-اتساع البون بين فكر “السياسة الشرعية” وفقهها في الكتب التراثية، وبين واقع المسلمين الحضاري والسياسي والسياساتي المعيش اليوم، والمفاهيم التي تحكم ذلك الواقع؛ بدءاً من أصوله وفلسفته، وانتهاء برؤية مؤسساته ومعايير النمو والرفاه فيه. (ص10)

3-عدم وجود نظرية “إسلامية” واضحة، تحدد وظيفة الدولة، أي الدور الذي يتحتم على الدولة الحديثة أن تؤديه في واقع الشعب.

4-الحرفية وجنايتها على الفقه والفكر السياسي الإسلامي:

ا-فالمنهج الحرفي، الذي يتبعه بعض الفقهاء المعاصرون في تناولهم للشأن السياسي، أدى إلى أنواع ودرجات من الحرفية والجمود وعدم الواقعية، سواء في فهم النصوص الشرعية أم الاستدلال بها أو القياس عليها. (ص152).

ب-كما أن الحرفية في فهم نصوص الولاء والبيعة والعهد والطاعة، وما نتج عنها من ذم التحزب، وما أدت إليه من إشكاليات عملية حقيقية؛ ليس فقط في شعبية التحزب السياسي، بل وفي أسلوب التعامل مع الأحزاب السياسية وكأنها كلها خارجة عن الإسلام ولو كانت “إسلامية”. (ص153).

ج-الحرفية في فهم نصوص ذم الاختلاف والتنازع والتفرق والتنابذ: لأن هذا المنحى من الخطاب الضحل الذي يرمي إلى الاستهلاك العام في أوساط البسطاء، قد شاع في الخطاب الإسلامي الشعبي المعاصر خاصة في سياق “الربيع العربي”، ولم ينتج إلا ضحالة ضارة للغاية في الخطاب السياسي الإسلامي العام، ثم أدى إلى نتائج كارثية نظراً إلى ضغط الجمهور الذي صنعه ذلك الخطاب التبسيطي على صناع القرار أنفسهم لتحقيق أهداف غير واقعية سياسياً. (ص 163)

د- الحرفية في فهم نصوص الحلف والحزب والفرقة والجماعة والبدعة والسنة، والانتقائية في وسم كل جديد لا يروق لآحاد الناس بأنه بدعة لأنه لم يكن موجودا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي خلط الفعل الإجرائي المصلحي بالفعل الشرعي العبادي التوفيقي. (ص 163-168)

ه-الحرفية في تقليد النظم السياسية التاريخية، والحرفية في فهم نصوص “الأمة” بمعنى “الحزب” أدى إلى اضطراب كبير في الفقه السياسي الإسلامي. (ص170)

و- التوسع مبداً سد الذرائع، حيث حدث فيه غلو كبير، وسوء توظيف في مجال السياسة. (ص171)

ز-التبرير الاعتذاري للواقع المنحرف، كالتبرير للتشبث بالسلطة وعدم تداولها، والتبرير للاستبداد وضعف المؤسسات الشورية، والتبرير لشرعية التغلب والعنف، والتبرير للاقتصار على مذهب فقهي واحد، والتبرير للتكفير والتبديع لأغراض السياسة، والتبرير أو الرفض لتعدد الأحزاب بتعدد المذاهب والفرق، هو ما يؤدي إلى عدم القدرة على نقد ذلك الواقع المبرر، أو المطالبة بتغييره إلى الأفضل. (ص 180)

مرجعية التاريخ الإسلامي وجمود الفقه السياسي

يؤكد المؤلف أن “مرجعية التاريخ الإسلامي” والتي تعني: العودة لأحداث تاريخنا للاستدلال منها على مشروعية قرار أو مؤسسة أو نظام يتعلق بالسياسة (ص 87). والتي تبناها الكثيرون من مفكري العالم الإسلامي وحركييه، قد أثرت في رؤيتهم للعالم. وتعريفهم لمفاهيم السياسة. (ص39-41).كانت من أهم عوامل جمود الفقه السياسي الإسلامي، ويستوي في ذلك كل الاتجاهات:

ا-الاتجاه الطوباوي التمجيدي، الذي يمجد كل ما ورد إلينا من التاريخ السياسي الإسلامي.

ب-المنهج التبريري الاعتذاري، الذي يرى الكمال في النظم السياسية المعاصرة الأوروبية، فيقرأ تاريخنا على ضوئه ويشرعن لها من هذا التاريخ.

ج-الاتجاه النقدي الإصلاحي، الذي يحمل على التاريخ الإسلامي.

د-الاتجاه النقدي التفكيكي، الذي لا يرى لتاريخنا وفقهنا الإسلامي أي حسنات.

الفتوى السياسية وضررها

كما يشدد المؤلف، على أن من عوامل جمود وتأخر الفقه السياسي الإسلامي، التوسع في الفتاوى السياسية، مؤكداً أن المفتي لا يصح له أن يتعرض لقضايا السياسة والسياسات  بالفتوى(خاصة الحكم بالحل والحرمة أو الوجوب) في القضايا الجزئية التفصيلية التي تحتمل الآراء الاجتهادية، سواء كانت آراء اجتهادية فقهية أو آراء اجتهادية أيديولوجية، وذلك حتى لا يحمل الدين ما ليس منه، ولا الشريعة ما هي منه براء: “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب”. (ص 223)

وتبدو :فتاوى الانتخابات، وفتاوى الثورة والعصيان المدني، وفتاوي مشاركة المرأة السياسية، وفتاوى شرعنة الاستبداد بدعوى أن الشورى غير ملزمة للحاكم، خير مثال على ما تفعله الفتوى السياسية من ضرر. (ص223-242)

المراجعات السياسية بين النقد والتفكيك،

ثم يتناول المؤلف أخير نوعين من المراجعات للفكر والفقه السياسي، أحدهما محمود، والآخر مذموم. الأول، تمثله “المراجعات النقدية”، التي تتغيا الإصلاح من الداخل، وتتجنب هدم أسس المرجعية، مثل نقد رواية الحديث بناء على كليات القرآن، ونقد الاستدلال بجماعات تاريخية تختلف عن الأحزاب السياسية، ونقد الاستبداد الذي ساد في تاريخ الإسلام، ونقد التقليد للنظم والمفاهيم والممارسات الحزبية غير الإسلامية، ونقد اعتماد نظام التعددية الحزبية تحت الاحتلال الأجنبي، والنقد الذاتي للجماعات والأحزاب الإسلامية. (ص188-208). فنقد الذات ولوم النفس وتصحيح المسار مبدأ إسلامي وإنساني عظيم، وهي صفة المؤمنين أفرادا وجماعات مدحها الله تعالى في مواضع عديدة القرآن، وما أحوج الأمة الإسلامية عموماً والفكر الإسلامي خصوصاً إلى مراجعات نقدية يصحح بها المسار في كل المجالات. (ص188)

وبين النقد التفكيكي الذي يهدر كل ثوابتنا وتراثنا، من خلال المنهج النقدي التفكيكي المنتمي لما بعد الحداثة التي ترمي إلى نقض مجموعة ضخمة من الأعراف الفنية والثقافية والفكرية، ويعطلون المعاني كلها وينقضون الأسس. (ص208-222)

مفهوم الدولة في الفكر السياسي الغربي

ينتقل المؤلف إلى موضوع الكتاب، من خلال الإشارة إلى مفهوم الدولة في الفكر السياسي الغربي، مؤكداً أن النظريات السياسية الغربية، حول وظيفة الدولة، يمكن تقسيمها إلى مجموعات ثلاثة:

ا-الأولى نظريات يمينية ليبرالية جاءت الرأسمالية على أساسها والدولة كيان محايد منفصل عن المجتمع والاقتصاد.

ب-والثانية، نظريات يسارية ماركسية الدولة تعد أداة تحكم في الاقتصاد والمجتمع.

ج-والنظرية الثالثة التعدديون الذين ينظرون للمجتمع على أنه مجموعة من الأفراد أو الجماعات التي تتنافس على السلطة السياسية والدولة كيان محايد يمثل إرادة المجموعة الهيمنة. (ص73).لينتقل من ذلك إلى الرؤى الإسلامية للمفاهيم السياسية الغربية.

المواقف الإسلامية من المصطلحات السياسية الغربية

تناول المؤلف، المواقف المختلفة، التي قاربت المصطلح السياسي الغربي بين: الرفض، التوظيف، والتبني، والنقد، متمثلة في:

ا-الرفض جملة وتفصيلاً: وهو موقف العام للسلفية المعاصرة، مع عدم تقديم بديل عملي ولا نظري عن المصطلحات والنظم المرفوضة. (ص59-60)

ب-توظيف المفاهيم الغربية: هو موقف كثير من الحركات الإسلامية العاصرة ولو من دون إيمان بها عبر تبرير اعتذاري وتوظيف حركي يجعلنا عدم القابلية للخروج من الأطر الموروثة من الغرب. (ص61)

ج-تبني المفاهيم الغربية: وهو الموقف العام للاتجاهات الليبرالية والعلمانية العاصرة وهو لا ينتج إلا تبعية فكرية للآخرين ويؤثر سلبا على هوية الأمة الإسلامية ومصالحها وثوابتها. (ص61-62)

ويدعو المؤلف، إلى التعامل مع المفاهيم الغربية، من خلال منهج مركب من هذه المناهج. (ص59).مع متابعة نقد المفاهيم الغربية الذي ينتشر في الغرب والاستفادة منه في تطوير مفاهيمنا ورؤيتنا، لكي لا نكون حبيسي منظومة النقد الغربية، بل تجديدها والإضافة إليها. (ص62)

ويؤكد المؤلف، أن التحليلات التجزيئية للمفاهيم السياسية، قد وقعت في ثلاثة أخطاء منهجية، ألا وهي: الاختزال المخل، والمنطق التبسيطي، وعدم اعتبار عنصر الزمن. (ص31)، كما أن الخلط بين المفاهيم، لا ينتج عنه إلا تناقضات فكرية، ثم مصائب واقعية في حياة الناس. (ص27). وهو ما يدعونا لضرورة وجود منهج لكيفية التعامل مع المفاهيم. أغلبية المفاهيم والمصطلحات التي نتعامل معها في القضايا السياسية اليوم هي مصطلحات غربية بالأساس وترجمت إلى اللغة العربية في فترة الاستعمار أو بعده، وأحيانا أخرى تكون مصطلحات عربية قديمة أعيد تعريفها في ضوء المصطلحات الغربية المتداولة، ومن هنا تظهر أهمية أن نفكر في منهجية للتعامل مع هذه المصطلحات-والتي لا مناص من التعامل معها,

كيف نتعامل مع المفاهيم السياسية؟

المفهوم، وسيلة لتصنيف الحقيقة وإدراكها، ويقوم البشر من خلاله بفهم المعلومات التي يتلقونها، ويصوغون بناء عليه التعميمات والنتائج، ويطلقون الأسماء والمسميات على مختلف عناصر الشيء قيد البحث وأفكاره ويقومونه بناء على ذلك.

وليس هناك طبيعة، لأي مفهوم في قضايا السياسة، فهذه المفاهيم تصورات وإدراكات ذهنية، لا تستلزم ماهية ولا طبيعة، ودعوى الطبيعة مغالطة في أصلها لأن كل المفاهيم في مجال السياسة تتطور وتتجدد مع المجتمعات الإنسانية، ولا تثبت على نسق واحد ولا تعريف واحد. فالمفهوم، ليس له سمات، أو صفات، أو رسوم بعينها، وإنما هو مصطلح له وظيفة يمكن أن يتطور بحسب تصورنا لأبعادها. (ص34)

والمفاهيم السياسية الرئيسية، كما يقول المؤلف، تتجدد ببطء ولا تتغير، إلا عبر القرون بتغيير ما تطلق عليه الفلسفة المعاصرة “رؤية العالم”، وهي “مجموعة فرضيات مسبقة نحملها في عقولنا حول تركيب العالم الأساس، وهي منظومة الاعتقادات الإنسانية الأساسية. (ص39-41)

ولهذا فإن دراسة الظواهر والمفاهيم والنظم السياسية؛ في عصرنا هذا، تخضع أول ما تخضع لما يسمى “التحليل”، فلابد في علم السياسة ولو كانت “شرعية” من أن يمر المفهوم بمرحلة تحليل، حتى نتصوره بدقة قبل الحكم عليه، وأن يفهم أصل المفهوم وتطوره التاريخي وبعده العقائدي والفلسفي إن كان فيه ما يتناقض أو يتوافق مع الإسلام وعقائده وتاريخه وثوابته (ص28).

نحو تحليل مقاصدي نظمي للمفاهيم السياسية

ويطرح المؤلف، مدخل التحليل النظمي المقاصدي، باعتباره أصلاً لتحليل كلي ومتكامل للمفاهيم والنظم السياسية عموما، نستفيد فيه من فلسفة تحليل المنظومات، وهي فلسفة تطورت خلال القرن العشرين، لتتجاوز قصور طرق التحليل التجزيئية، وتقترب بالباحث في أي علم من نظرة كلية متحركة للمفهوم، هي أقرب ما تكون لحقيقته وأحرى للتنزيل والتطبيق عليه. (ص33)

فالفلسفة التكاملية المنظومية، تطرح إجابة وسط ومركبة، فحواها أن طبيعة العلاقة بين المفاهيم والعلم الحقيقي ليست في الاشتراك في الاسم ولا التطابق في الواقع، إنما هي التقابل في المعنى، أي إن إدراكنا العقلي والتصور الشعوري للعالم من حولنا يكون على هيئة “تتقابل” مع الواقع الموجود دون أن تنفصل عنه أو تتطابق معه.

وبحسب هذه النظرية، لا يشترط أن تتطابق الحقيقة المتصورة مع “حقيقة” الموجودات في العالم الواقعي، وإنما المفهوم هو وسيلة “لتنظيم أفكارنا عن العالم الحقيقي” (ص37).

ومن ثم تسهم المنهجية المنظومية الكلية لتحليل المفاهيم، بالإضافة إلى المقدمات المنهجية التي تتعلق بمرجعية الشريعة الإسلامية، كأسس منهجية مطلوبة لإصلاح الخلل في تصورنا للشأن السياسي المعاصر، وبالتالي إصلاح النظم السياسية التي ترتبت على ذلك الفكر وأثرت سلبا من خلاله في واقع الناس (ص151).

المفاهيم والمقاصد والتحليل النظمي

ويشدد المؤلف، على أن البعد المقاصدي والغائي والقيمي، يمثل جزءاً أساساً من التحليل المنظومي للمفاهيم السياسية، ومعانيها التي اكتسبتها سواء في الإطار الإسلامي أو خارجه.

ومعنى المقصد، أو المقصود، أو الغاية، هو الإجابة عن سؤال “لماذا؟” وقد عاش العقل الإسلامي طويلا في ضعف أو انعدام لسؤال “لماذا؟” مما أدى إلى الاقتصار في تحليل المفاهيم والمصطلحات على “دلالات الألفاظ” أو “العلاقات السببية” فقط، وانتهى بنا القصور في البحث في المعاني والغايات إلى الجمود على المنقولات في الكتب حتى في مجال تطبيقي كالسياسة، وضعف الجرأة على الإبداع. (ص45)

لذلك كان من الواجب أن نربط المفاهيم السياسية، بمعانيها الغائية، وبالقيم الأخلاقية والحضارية التي تسهم فيها. ذلك أن استقراء المقاصد، يوصلنا إلى أن اعتبارها في أمور السياسة، هو الأصل الشرعي الأصيل، مما يؤثر في تحليل المفاهيم والنظم السياسية وفهمها وتوجيهها مع تحقيق المقاصد والغايات في المجتمع، لا مع الحرفيات التاريخية. (ص 51)

كما اننا يجب أن نأخذ في اعتبارنا بعد “السنن الإلهية”، حين نتعامل مع المفاهيم الإسلامية وغير الإسلامية الأصل على حد سواء، فهو بعد تقصد الشريعة الإسلامية مراعاته، وتحرص على عدم التناقض معه، كما أنه يمثل الحكمة المجردة والعبر العالية من كل فكر بشري ولو كان غير إسلامي، وهو ما يمكن أن يفيد الفكر الإسلامي من مفاهيم الآخرين، ومن دون أن يلزمنا أن ننقل الأشكال العملية التي اتخذتها تلك المفاهيم في بيئات وثقافات الآخرين. (ص 51). وهو ما يطرح علينا قضية الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية.

الدولة المدنية كفرصة

الفكرة الرئيسية، التي يطرحها المؤلف في مؤلفه هذا، هي محاولة بناء دولة مدنية عصرية بمرجعية إسلامية: دولة تحقق معاني: العدالة، والحرية، والمساواة، لجميع مواطنيها، بحيث تتوافق مع حقوق الإنسان وحقوق المواطن وكرامته التي كفلها الإسلام، وبسطتها التجربة النبوية في فجر التجربة الإسلامية، ومواثيق حقوق الإنسان في عصرنا.

وعلى الرغم من إدراك المؤلف، لعدم وجود تعريف مستقر تاريخياً وفلسفياً لمصطلح الدولة المدنية، إلا أنه يراه فرصة ممتازة لإحداث نوع من التوافق المجتمعي، والأرضية المشتركة بين الاتجاهات والأيديولوجيات المختلفة، على شكل الدولة المنشود وعلى قيم يمكن أن نسميها جميعاً “قيما مدنية”، تحكم الدولة وعملها وسياساتها.

وهذه القيم، يأتي لها “الإسلامي” من منظور مقاصد الشريعة، ويأتي لها المسيحي واليهودي والوطني والليبرالي والعلماني وغيرهم، كل من منطلقه الفلسفي الذي يوصله إلى هذه القيم المجردة نفسها باسم العدالة والحرية والمصلحة العامة. وهو حل ضروري، تحتم وقته بغرض بناء توافق ضروري للمجتمعات العربية في السياق الحالي، خروجاً من حالة الاستقطاب الشديد والتشظي الواسع التي تشهدها، إلى حالة فيها مراعاة للنظام العام، وحرص على التوافق المجتمعي والسلام الاجتماعي والأهداف المشتركة. (ص76)

وهو يقترح ذلك التصور للدولة المدنية، من خلال عدة خطوات، يمكن إجمالها فيما يلي:

1- إعادة صياغة مفهوم “السياسي”، باعتباره ضرورة وخطوة أساسية نحو قيام الدولة المدنية واستقرار دعائمها، بحيث يصبح النشاط “السياسي”، هو كل نشاط يحقق المصلحة العامة عن طريق تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية من: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، على مراتب هذه المصالح من: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات، وعلى درجاتها الكلية والجزئية، فهذا التعريف يوزع السلطة بين كل أصحاب المسئولية العامة، ويضع السلطة في موضعها الأخلاقي الصحيح، وفي يد كل فاعل في المجتمع.  (ص274-285)

2- مقاصد الشريعة، كمرجعية لهذه الدولة المدنية: فهي التي ستعرف الغاية من وجودها الدولة نفسها، ومستند قيمها التي تنبني عليها سياساتها ومؤسساتها، وعلامة الصحة في كل اجتهاد جديد أو قرار يغير الواقع من القيادات التنفيذية فيها، ومرد أي خلاف بين أبنائها، لأنها الأرضية المشتركة بين المختلفين من كل المذاهب والمشارب الإسلامية بل والمسلمين وغيرهم، ومصدر الأخلاق لأن حفظ المصالح الشرعية هو خلق وسلوك فردي قبل أن يكون سياسة دولة، وهو كذلك معيار النجاح لتحقيق هذه الدولة مهمتها والوفاء بهدف وجودها (ص 85).وهي التي تحكم على “إسلامية الدولة” من عدمها (ص86)

فمقاصد الشريعة تحقق:

ا- توافقاً مجتمعياً ضرورياً على المستوى الإنساني لمواجهة هذه الأزمات الإسلامية والإنسانية،

ب-وتقدم إجابات عن الأسئلة الملحة بغرض دعم فكرة الثورة الأخلاقية في دنيا الناس مسلمين وغير مسلمين..

ج-وتركز على البعد الإنساني-الغائب عن البرامج الإسلامية- الذي يشمل القضايا والهموم الكبرى التي تخص الناس كل الناس، والذي هو أولى في ميزان الإسلام الحقيقي عند الحديث عن سياسة الناس. (ص15)

3-تحقيق تعددية شاملة: وتمكين جميع الأحزاب المدنية من أداء دورها في المجتمع بحرية. فإرساء قيمة التعددية السياسية والحزبية، هي خطوة ضرورية نحو المدنية المعاصر كونها: حل لإشكالية التداول السلمي للسلطة- وطريق من أجل التخلص من الاستبداد بكل أشكاله، ومن أجل تحقيق المصلحة العامة، ومن أجل تحقيق الشورى والحريات السياسية، ومن أجل التربية الإسلامية، وللتعبير عن الأقليات غير السياسية من حقوق المواطنة، وكوسيلة لإقامة الدولة الإسلامية. (ص243-269)

4-التفرقة بين المبادئ التي يتفق عليها الجميع؛ والتي ينبغي أن تدخل في تعريف الدولة نفسها وخصائصها المميزة لها، وبين الأيديولوجيات المختلفة التي ينبغي أن تكون كلها فاعلة ومساهمة في “الدولة المدنية” المنشودة، والتي لا يصح أن يحتكر أي منها تعريف الدولة نفسها أو خصائصها الدستورية المميزة لها. (ص76)

5- إبعاد مساحة الديني-المدني الذي لا يتوافق عليه المجتمع مثل: جمع جزية، أو عدم الدخول للجيش لغير المسلمين، أو تولي رئاسة الجمهورية، في الطرح السياسي أصلاً، إخراجها من مساحات ومؤسسات الدولة والتقنين وتشريع العقوبات إلى مساحات العمل المدني والتربية والثقافة. (ص82)

6- إعطاء الجانب السياساتي، أولوية واضحة على الجانب السياسي في دور الدولة.(ص19)

مبادئ الدولة المدنية الرئيسية

1-أن يحكم المدنيون تلك الدولة لا أن يرتبط نظام الحكم بالمؤسسة العسكرية، وهذا يعني أن تكون المؤسسة العسكرية واحدة من مؤسسات الدولة، يجري عليها ما يجري عليهم، لا أن تكون فوق الجميع، لا في الدستور، ولا في الممارسات العملية.

2- ضمان حريات وحقوق المواطنين، وتساويهم أمام القانون؛ مهما كان دينهم وجنسهم وفكرهم، وكذلك مبدأ سيادة القانون واستهدافه لتحقيق العدالة واستقلاله الحقيقي عن السلطات الأخرى في الدولة، واحترام الدستور للقيم التي قام عليها المجتمع وبالتحديد لمبادئ الشريعة الإسلامية إذا كانت الغالبية من المسلمين، وهذا بالطبع مع كفالة حرية المعتقد لكل أصحاب الأديان من المواطنين. (ص 76)

شروط الانطلاق من جديد

وأخيراً يؤكد المؤلف، أن التغيير الحقيقي المنشود في العالم العربي، لن يكون سهلاً ميسوراً، لأن دونه عقبات جسام، لا بد لها من أن نتخطاها أولاً، وأكبرها في نظره، تغييرين مهمين منشودين، هما:

1-تغيير في بناء الإنسان نفسه، فقد أكدت الأحداث، أن عندنا مشكلة كبرى في بنائه ثقافياً وفكرياً وخلقياً ودينياً وصحياً ومهنياً وتربوياً واجتماعياً، وأن الإصلاح السياسي الجزئي الذي قد تنتجه أي “ثورة” في أعلى سلم السلطة لن يغير الاستبداد ولن يصمد-ولوكان مؤيداً بصندوق انتخاب-، من دون إصلاح تعليمي وأخلاقي وثقافي واجتماعي ومهني وفني وإعلامي يؤازره ويحافظ عليه، فنحن نحتاج إلى ثورة فكرية وأخلاقية وحضارية، تتجذر أولاً في المجتمع، ثم تنشأ على أساسها مؤسسات مدنية تضمن استمرارية أي تغيير سياسي حقيقي.

ب- تغيير في بناء الدولة نفسها. فالدولة في العالم العربي، قد أثبتت الأحداث أن في بنائها الحالي خللاً فادحاً، لا يعزز إلا الاستبداد والفساد بكل أنواعه. (ص8-9)

أهم مقولات الكتاب وأفكاره

  • بعض الذين يمارسون السياسة من “الإسلاميين” لا يخرجون عن دائرة الاستبداد، ويمارسون السياسة على الطريقة المكيافيلية، التي تغلب سيطرة الحاكم واستقرار كرسيه على حدود الأخلاق والمصلحة العامة الحقيقية، وهؤلاء يحتاجون إلى مقاربة أخلاقية مقاصدية، لتصحيح التصورات والممارسات السياسية، والاهتمام بالسياسات التي تحقق مصلحة المواطن العادي، بدلا من الدوران حول جماعات متغيرة، أو أشخاص زائلة، أو أفكار انتهت صلاحيتها، واللحاق بركب الفكر الإسلامي التجديدي، الذي هو إلى الآن شبه غائب أو مغيب عن أطروحات الجميع حتى الأحزاب الإسلامية. وهو ما يحتاج إلى دراسة أسبابه وكيفية التعامل معها.(ص 12-13)
  • مقاربة الكثير من الإسلاميين السياسة يتم عبر الفهم الحرفي للنص، سواء كان ذلك عبر النصوص القرآنية والنبوية، أو في النصوص التاريخية في بعض الأحيان أيضًا، وهو السبب الرئيسي لفصل التنظير، ومن ثم التطبيق العملي للفكرة الدولة الإسلامية. وهو باب بحث كبير يحتاج رجاله الكبار لتغيير تلك العقلية.
  • نحتاج قبل الثورة السياسية وحتى تنجح، ثورة في منهج الفكر ومنظومة القيم التي تبنى عليها السياسات التي تمس حياة الناس. (ص12)
  • بناء دولة وطنية هو بمثابة مرحلة في رحلة عودة الأمة الإسلامية إلى تضامنها ووحدتها في أي صورة كانت، وهي دولة مدنية ذات مرجعية مقاصدية. فمدنيتها، تتمثل في: التخلص من الاستبداد العسكري والقبلي، ثم بناء تعددية سياسية شاملة بمفهوم سياسي يوسع مفهوم السياسي ليشمل كل التيارات السياسية أيا كانت بل ويشمل كذلك الحركات والهيئات المدنية، ويعطي أولوية للسياسات التي ترمي إلى المصلحة العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال مرجعية مقاصد الشريعة الإسلامية. (ص 11)
  • علينا أن نأخذ من كل مدارس الفكر أفضل ما فيها: نأخذ من الاتجاه السلفي ونتعلم المنافحة عن الهوية الإسلامية والحفاظ على ثوابت الشرع. ونتعلم من الموظفين للمفاهيم الغربية، توازنات المصالح والمفاسد وأهمية التعامل مع الواقع وضغوطه دون الوقوع في البراغماتية أو التفسير التآمري أو أطماع السلطان. ونتعلم من اتجاه تبني تلك المفاهيم، الانفتاح على معارف الآخرين دون الوقوع في مخططات الأعداء.
  • من أجل منهجية متوازنة للتعامل مع المفاهيم السياسية الغربية وبناء على المرجعية الإسلامية، لابد أن نعمل المقاصد والسنن والقيم العليا في استفادتنا من تلك المفاهيم، وأن نتعامل مع الواقع الذي تحولت فيه تلك المفاهيم بالفعل إلى مؤسسات ونظم موجودة وراسخة بالفعل، ولا يصح أن ننعزل أو ننفصل عن هذا الواقع، ولكننا في الوقت نفسه ينبغي أن نفكر في المستقبل وفي تطوير تلك المفاهيم وتلافي مشكلاتها. (ص65)
  • أصبحت الحاجة ملحة إلى التجديد وإعادة النظر في المنهجية التي بني عليها علم “السياسة الشرعية” كما رسمت ملامحه الكتب والدراسات المختلفة في تراثنا الإسلامي، حتى نتمكن من المقاربة الإسلامية والأخلاقية السليمة للموضوعات المطروحة في واقعنا المعاصر. فقد تغير العصر والزمان، ولم تتغير المنهجيات التي عولجت بها مفاهيم هذا العلم الرئيسة، ومازلنا في هذا العصر نقتبس من تلك الكتب منهجيا وعمليا، وتلك أزمة فكرية حقيقية. (ص27)
  • النظريات التي طرحها المؤرخون والفقهاء الذين كتبوا في علم “السياسة الشرعية” والتي تحدثت عن أشكال للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركزت كلها على “الحاكم” وأهملت “المحكوم”. فالنظرية السنية السائدة، كانت تفصل في شروط الإمام وعربيته وقرشيته وذكوريته وطاعته وتوليته وتوريثه الحكم لغيره، إلى آخره. ونظريات الشيعة، كانت تدور حول حق علي بن أبي طالب في الخلافة والأئمة من نسله من بعده. وحتى عند الإباضية، ومن تكلم عن الإمامة عند المعتزلة وغيرهم، كان التاريخ كله يدور حول الحكم وأحيانا نظام الحكم، ولا يتعرض كثيرا لقضايا المحكومين وحياتهم وسياستهم. وهو ما يحتاج إلى إعطاء أولوية لفقه المحكوم ودور المجتمع في السياسة. (ص92-93)
  • حكمنا على قضايا السياسة الشرعية، يجب أن يكون حكماً، بدرجات نسبية من المصلحة والمفسدة والمشروعية والحجية والحق والواجب. وليس في هذا “تمييع” للأمور، وإنما هي نظرة واقعية للتعدد والتنوع والنسبة في كل مفهوم، تتبعها نظرة واقعية كذلك في التعامل مع الأمور بحسب هذه النسب. (ص43)

خاتمة

المسلمون، والعرب منهم خصوصاً، حائرون، يعيشون معركة مع الاستبداد تمتد إلى قرون، وتبدو خارج التحكم، لأنها كانت معركة في الاتجاه الخاطئ. فالمشكلة ليست في الاستبداد في حد ذاته، وإنما في  الأفكار والقيم التي تكرسه على أرض الواقع اليومي. فكما تدجن السلطات الأفراد، بواسطة الأساطير والأفكار والعنف. فالأفكار والأساطير، تدجن هي، أيضاً، بدورها المجتمعات والأفراد والمؤسسات معاً.

والتخلص من الاستبداد بكافة أشكاله، ليس هو الخطوة الأولى على طريق طويل للخروج من التيه الذي ضربت فيه أمتنا منذ قرون، فدون ذلك الخروج، جهاد طويل من أجل الوصول أولاً، إلى وعي شعبي اجتماعي وسياسي، يضمن بناء دولة “مدنية” “تعددية” تبني سياساتها على أسس أخلاقية، (ص10).

ذلك أن تجليات الاستبداد سواء باسم: الدين، أو الوطن، أو القومية أو حتى الاستقرار، تشق طريقها واثقة كلما ترسخ الجهل، وعم الظلام، وانعدم الوعي بين طبقات المجتمع المختلفة.

ففي مجتمعاتنا العربية المأزومة، لا توجد ثمة قيم وأخلاق اجتماعية سائدة ومتفق عليها، فقد تسبب الشرخين الاجتماعي والسياسي في إحداث شرخ أخلاقي كبير، أثمر استبداداً مقيماً في النفوس قبل القصور. فالاستبداد الذي تعاني منه مجتمعاتنا، يوجد في نوى الأخلاق الاجتماعية، كما يوجد في جنبات قصور المستبدين، وهو يخضع المؤسسات كما يخضع الأفراد، ثم يخضع هو لهما في دائرية سوداء لا تنتهي.

ولقد حاول المؤلف، أن يشق طريقاً نحو فهم جديد للسياسة في عالمنا الإسلامي، منطلقاً من مقاربة مقاصدية نظمية لمصالح الإنسان، تنطلق من أن كل البشر خلفاء في الأرض، وليس المسلمون فقط، وأننا في العالم العربي الإسلامي واقعون في محنة الاستبداد، ونحتاج معونة مقاصد شريعتنا ومعونة إخوتنا في الإنسانية؛ لنتعلم منها ومنهم ونضيف.

لكن تتبقى أسئلة كثيرة وإشكاليات سيثيرها الكثيرون، ممن يتفقون مع المؤلف، أو يخالفونه في تصوره لهذه الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، مثل:

هل يمكن لمقاربة المؤلف للدولة المدنية، كما طرحها، أن تجيب على أسئلة الشارع الملحة والقلقة المذعورة اليوم. وكيف نعالج جذور الثقافة السلبية التي غزت مجتمعاتنا، الداعية لقيم الاستهلاك والاستملاك والانكفاء على المصالح الضيقة والنجاة الفردية بمفهومها الديني والدنيوي والتي تترسخ يوماً بعد الآخر في نفوس أبناء مجتمعاتنا العربية؟

وهل يمكن لهذه المقاربة، أن تلهمنا أجوبة مقنعة للأجيال الجديدة، تجعل تجربة الحكم الإسلامي الأول، يتموضع داخل نطاق التاريخ لا خارجه، ويتحول من مثال مقدّس ينبغي استعادته، إلى نموذج قدوة يمكن استلهامه، فنخرج من إطار استغلال التجربة، من قبل كل المستبدين الطامعين في امتلاك السلطة، من خلال تحريك الجماهير كأدوات للاستبداد؟

وهل يمكن لهذه المقاربة، أن تنتج إجابات تنفي من شعور المواطن العربي اليوم “المهدي المنتظر، و”القائد الضرورة”، و”الرجل الوحيد”، و”الحل الوحيد”، و”الجماعة الربانية”، و”المؤسسة العمود”، الذين يصلحون الكون، ويدعون لوعي أسطوري مريض يرسخ الاستبداد. ويلغي خطاب “الرعية” ليحل محله خطاب “المواطن المستخلف المؤتمن”، فتنحل عرى القدرية والجبرية المسيطرة على حياة الناس، والتي تحكم سلوكهم، وتقودهم إلى الرضا بالعبودية والتبعية والظلم، في سبيل الاستقرار ولقمة العيش، أو من أجل الشهادة والجنة والطاعة للقيادات الربانية المعصومة أو التاريخية المحلقة في أفق التاريخ؟

إن الإجابة على الأسئلة أعلاه وغيرها الكثير مما يثيره الكتاب، قادرة على تقويض أسس خطاب الاستبداد، لأنها لا تتوجه لشخوص المستبدين، ولكن لأنها تصوب مدفعيتها الثقيلة على بذور الاستبداد في نفوس أبناء المجتمع وفي مؤسساته، فتمنع عنها أسباب الحياة، وتمهد لدخولنا إلى ساحات التنافس مع المقاربة السلطانية الفاسدة المستبدة التي حكمت تاريخنا السياسي من صفين حتى اليوم من ناحية، وتمكننا من المشاركة في تأسيس دولة مدنية تحقق مقاصد شريعتنا الإسلامية، وتحقق للإنسان العربي كرامته وللأمة استقلالها ونهوضها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.